[٢٨] إِن قيل: مَا حَقِيقَة النّظر؟
قيل: النّظر لفظ يتَرَدَّد بَين معَان، فقد يُطلق وَالْمرَاد بِهِ الرُّؤْيَة، وَقد يرد وَالْمرَاد بِهِ الِانْتِظَار والرقبى وَقد يرد وَالْمرَاد بِهِ التحنن والتعطف وَقد يرد وَالْمرَاد بِهِ الِاعْتِبَار.
[٢٩] فَإِن قيل: فَمَا المُرَاد بِهِ فِي اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين؟
قيل: أَكثر النَّاس فِيهِ، فَمنهمْ من قَالَ هُوَ التَّأَمُّل والتفكر فِي الدَّلِيل وَهَذَا مَدْخُول، فَإِن التدبر فِي الشُّبْهَة يُسمى نظرا حَقِيقَة على اصْطِلَاح الْقَوْم.
[ ١ / ١٢٢ ]
وَالأَصَح فِي ذَلِك أَن يُقَال هُوَ الْفِكر الَّذِي يطْلب بِهِ معرفَة الْحق فِي ابْتِغَاء الْعُلُوم وغلبات الظنون وَهَذَا مَا ارْتَضَاهُ ﵁.
[٣٠] ثمَّ يَنْقَسِم النّظر إِلَى الصَّحِيح وَالْفَاسِد مَعَ اندراج الْقسمَيْنِ فِي حَقِيقَة النّظر.
[٣١] فَإِن قيل: قد أنْكرت طَائِفَة من الْعُقَلَاء إفضاءه إِلَى الْعلم
[ ١ / ١٢٣ ]
فحققوا مذهبكم.
قيل: المطالب بذلك لَا يَخْلُو من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يكون قَاطعا بِبُطْلَان النّظر حاصرا للعلوم فِي مدارك الْحَواس على مَا اشْتهر من مَذْهَب نفاة النّظر وَإِمَّا أَن يكون مستريبا غير قَاطع.
[٣ / أ] فَإِن كَانَ قَاطعا قيل لَهُ / من جحد النّظر إِلَى جحد الضروريات.
وَأما النّظر وَبطلَان الْمصير إِلَى حصر الْعُلُوم فِي مدارك الْحَواس. وَكَانَ السَّائِل قَاطعا فَإِن [قَالَ] لست أقطع بِمذهب وَلَكِن أوضحُوا لي صِحَة افضاء الدَّلِيل على الْمَدْلُول فأهون الطّرق عَلَيْهِ أَن نقُول: اعْتبر الْأَدِلَّة فِي الْمسَائِل واختبرها تجدها سائقة إِلَى الْعلم بالمدلولات. فَهَذَا من أحسن مَا يتَمَسَّك بِهِ على نفاة النّظر.