[٤٢١] اعْلَم، وفقك الله أَن أَرْبَاب الْأُصُول اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَصَارَ ذاهبون إِلَى قدم الْكَلَام الَّذِي اتّصف بِهِ الرب تَعَالَى إِلَى أَنه وصف وَاحِد يَسْتَحِيل عَلَيْهِ التجدد والتغاير وَهُوَ خبر عَن كل / مخبر، أَمر بِكُل مَأْمُور بِهِ [٥٠ / أ] نهي عَن كل مَنْهِيّ عَنهُ، وَاخْتلفُوا فِي أوامرنا الَّتِي تتصف بهَا فَمن زعم أَن حَقِيقَة الْكَلَام يرجع إِلَى مَا فِي النَّفس على مَا قَررنَا زعم أَن الْأَمر بالشَّيْء على التَّنْصِيص والتخصيص لَا على التَّخْيِير مَنْهِيّ عَن جَمِيع أضداد الْمَأْمُور بِهِ.
[ ١ / ٤١١ ]
وَمن زعم أَن الْكَلَام ينْطَلق على الْعبارَات والحروف المنتظمة الَّتِي هِيَ الْأَصْوَات لم يُطلق القَوْل بِأَن الْأَمر نهي، فَإِن الْأَمر عِنْده قَول الْقَائِل افْعَل، وَالنَّهْي قَول الْقَائِل لَا تفعل، وَلَكِن قَالَ الْأَمر بالشَّيْء على الْجَزْم وَنفي التَّخْيِير يتَضَمَّن النَّهْي من طَرِيق الْمَعْنى وَلَيْسَ هُوَ عين النَّهْي، وَرُبمَا يطلقون القَوْل بِأَن الْأَمر يُنبئ من طَرِيق الْمَعْنى.
[٤٢٢] وَإِنَّمَا قيدنَا الْكَلَام بِانْتِفَاء التَّخْيِير، لِأَن الْأَمر المنطوي على التَّخْيِير قد يتَعَلَّق بالشَّيْء وضده وَيكون الْوَاجِب أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه، فَلَا سَبِيل لَك إِلَى أَن تَقول فِيمَا هَذَا وَضعه أَنه نهى عَن ضِدّه إِذا خير الْمَأْمُور بَينه وَبَين
[ ١ / ٤١٢ ]
ضِدّه فقيدنا الْكَلَام بِانْتِفَاء التَّخْيِير لذَلِك.
[٤٢٣] وَرُبمَا يعبر القَاضِي ﵁ عَن ذَلِك فَيَقُول: الْأَمر بالشَّيْء نهى عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ وَبدل الْقَائِم مقَامه إِن كَانَ ذَا بدل فَيخرج بذلك الْأَمر الْمُشْتَمل على التَّخْيِير.
[٤٢٤] وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة بأسرها إِلَى أَن الْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ بنهي عَن [ضِدّه] لَا من حَيْثُ الْحَقِيقَة وَلَا من حَيْثُ الْمَعْنى. فَأول مَا نفاتحهم بِهِ أَن نقُول أَلَيْسَ الْأَمر [عنْدكُمْ هُوَ] اللَّفْظ الْمَخْصُوص، فَإِذا قَالُوا نعم قيل لَهُم: فَهَل يتَصَوَّر أَن يكون أمرا بالشَّيْء على [سَبِيل الْجَزْم غيرناه]
[ ١ / ٤١٣ ]
عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ فَإِذا قَالُوا لَا يتَصَوَّر ذَلِك وَلَا بُد مِنْهُ.
قيل لَهُم: فبماذا فَإِن صرفتم ذَلِك إِلَى نفس مَا يلفظه وَهُوَ قَوْله افْعَل فقد جعلتموه نهيا النَّفس فَلَا يَسْتَقِيم على أصلكم فَإِنَّكُم آخر وَلم يبدر مِنْهُ فِيمَا قا بناه عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ.
قيل لَهُم: فَهَذَا [خرق مَا عَلَيْهِ الكافة مَعَ أَنا لَا نلجئكم إِلَى] مَا لَا قبل لكم بِهِ وَهُوَ أَن تَقول إِذا ورد الْأَمر على الْجَزْم بِشَيْء وَهُوَ مُقَيّد بالفور وانتفى عَنهُ] سمة التَّخْيِير وَثَبت الِامْتِثَال على التنص [يص، فتحريم ضد الِامْتِثَال لَا شكّ فِيهِ، إِذْ لَو لم يحرم فَمَا معنى وجوب الِامْتِثَال]؟ فَإِن قَالُوا لَا يجوز عَلَيْهِ فَإنَّا نتحقق مَعَ نجزم أضداد الِامْتِثَال، قيل لَهُم فبماذا؟ فَإِن قَالَ عَنْهُم مَذَاهِب الْقَوْم فَإِنَّهُم كَمَا استبعدوا كَون
[ ١ / ٤١٤ ]
الْأَمر نهيا استبعدوا كَون الْإِرَادَة كَرَاهِيَة لأضداد المُرَاد فبطلت الطّرق وَضَاقَتْ / عَلَيْهِم المسالك.
[٤٢٥] وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ أَن نثبت على الْخُصُوم قدم الْكَلَام للرب تَعَالَى ثمَّ نرتب عَلَيْهِ اتحاده فيترتب على ذَلِك كَون الْمَوْجُود الْوَاحِد أمرا نهيا لَا محَالة وَهَذَا يستقصي فِي الديانَات إِن شَاءَ الله ﷿.
[٤٢٦] وَمَا عول عَلَيْهِ القَاضِي ﵁ أَن قَالَ قد ثَبت أَن الْمَوْصُوف بِكَوْنِهِ آمرا بالشَّيْء منعوت بِكَوْنِهِ ناهيا عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ إِذا كَانَ الْأَمر على التَّضْيِيق، وَالْخُرُوج عَن الاتصاف بِكَوْنِهِ ناهيا يُوجب الْخُرُوج عَن الاتصاف بِكَوْنِهِ أمرا، وَلم تقم دلَالَة عقلية على تغار مَعْنيين، وَلم يقتض التغاير علم ضَرُورِيّ، فَلَا طَرِيق إِلَّا أَن نصرف هذَيْن الوصفين إِلَى مُقْتَضى وَاحِد، ويتضح ذَلِك بالمثال، فَنَقُول إِذا قرب جَوْهَر من جَوْهَر وَبعد من غَيره فنعلم أَن عين قربه مِمَّا قرب مِنْهُ بعد مِمَّا بعد عَنهُ فَإِذا تحرّك الْجَوْهَر من مَكَان إِلَى مَكَان فَنَفْس خُرُوجه من الْمَكَان الأول دُخُول فِي الثَّانِي وَإِنَّمَا عرفنَا ذَلِك الأَصْل الَّذِي مهدناه وَهُوَ أَنه لم يعقل دُخُوله فِي غير اتصافه بِالْخرُوجِ وَلم يعقل قربه مِمَّا قرب مِنْهُ إِلَّا مَعَ بعده مِمَّا بعد مِنْهُ، وَلم تدل دلَالَة على تثبيت مَعْنيين فَلَا وَجه إِلَّا أَن يصرفا إِلَى مُوجب وَاحِد، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كَون الْآمِر آمرا ناهيا وبهذه الطَّرِيقَة تَبينا الْعِلَل وجوزناها لاقْتِضَاء معلولاتها فَإنَّا لما نَظرنَا إِلَى الْقُدْرَة ووجدناها لَا تثبت إِلَّا بِأَن تَقْتَضِي وصف الْمحل وَالْجُمْلَة الَّتِي الْمحل مِنْهَا معنى لكَونهَا قَادِرًا وَلم نجد كَونه قَادِرًا إِلَّا مَعَ الْقُدْرَة وَلم تثبت دلَالَة فِي انضمام معنى إِلَى الْقُدْرَة عرفنَا أَن الْقُدْرَة تَقْتَضِي معلولها بِنَفسِهَا
[ ١ / ٤١٥ ]
وَهَذِه الطَّرِيقَة مستمرة فِي مُعظم أصُول الديانَات، وَهُوَ من أقوى مَا يتشبث بِهِ، وَلَا يصفوا لَك إِلَّا بعد أَن نذْكر شبههم ونتفصى عَنْهَا ليتبين لَك أَنه لم تقم دلَالَة دَالَّة على التغاير، ونردف هَذِه الدّلَالَة بِأَن نقُول: فَإِن أيا ذَا أثبتم
[ ١ / ٤١٦ ]
لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي مَعْنيين فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا مثلين أَو خلافين [أَو ضدين] وَلَا كَانَا مثلين فَمن حكم المثلين أَن يَتَّصِف أَحدهمَا بِمَا يَتَّصِف بِهِ الثَّانِي نَحْو أَدِلَّة الْخَاص فَوَجَبَ أَن يَقع الِاسْتِقْلَال بِأَحَدِهِمَا وَإِن كَانَا ضدين اسْتَحَالَ اجْتِمَاعهمَا اسْتِحَالَة الاتصاف بهما جَمِيعًا وَقد ثَبت وجوب اتصاف كل أَمر جازم بِكَوْنِهِ نهيا فِي حَال كَونه أمرا وَإِن كَانَا خلافين غير متضادين وَجب أَن يتَصَوَّر ثُبُوت أَحدهمَا وَانْتِفَاء الثَّانِي كالحركة والسواد والسكون وَالْعلم وَغَيرهمَا من المختلفات وشأن كل مُخْتَلفين لَا يتضادان، وَلَا يتَعَلَّق أَحدهمَا بِالثَّانِي تعلق الشَّرْط بالمشروط وَالْعلَّة بالمعلول والإدراك بالمدرك أَن يجوز ثُبُوت أَحدهمَا / مَعَ جَوَاز ثُبُوت ضد الآخر فَيلْزمهُ من ذَلِك [٥١ / أ] أَن يجوز ثُبُوت الْأَمر مَعَ ثُبُوت ضد النَّهْي عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ وضد النَّهْي عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْأَمر بهَا فَيلْزم من ذَلِك جَوَاز ثُبُوت الْأَمر بالشَّيْء جزما مَعَ ثُبُوت الْأَمر بأضداد الْمَأْمُور بِهِ على التحتم أَيْضا فَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام لم يبْق إِلَّا الْمصير إِلَى أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ.
[٤٢٧] شُبْهَة الْمُخَالفين: فَإِن قَالُوا: الْأَمر لَفْظَة مَعْلُومَة فِي اللُّغَة وَهِي تخَالف لَفْظَة النَّهْي فَمن جعل الْأَمر نهيا فقد وصف الشَّيْء بِوَصْف خِلَافه وَينزل منزلَة من قَالَ الْعلم حَرَكَة وَالْحَرَكَة علم.
قيل لَهُم: بنيتم ذَلِك على فَاسد أصلكم حَيْثُ قُلْتُمْ: إِن الْأَمر يرجع إِلَى
[ ١ / ٤١٧ ]
الْأَلْفَاظ فَهَذَا [مَا ننكره] أَشد الْإِنْكَار ثمَّ نقُول فَلَو ساعدناكم على مَا قلتموه فَبِمَ تنكرون على من يَقُول إِن لفظ الْأَمر لَيْسَ تَسْمِيَة هُوَ عين لفظ النَّهْي وَلَكِن يتَضَمَّن معنى النَّهْي وَهَذَا كَمَا قَالَ إِن النَّهْي عَن التأفيف فِي قَوْله عز اسْمه: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ الْآيَة مُخَالف للفظ النَّهْي عَن الضَّرْب وَلَكِن مُتَضَمّن لَهُ وَإِن لم يكن عينه، إِلَى غير ذَلِك من فحوى الْخطاب. فَإِن ساعدونا على ذَلِك فقد ارْتَفع الْخلاف مَعَ فِئَة من الْفُقَهَاء وهم الَّذين سموا الصِّيَغ أوَامِر ونواهي.
[٤٢٨] فَإِن قَالُوا: لَو كَانَ الْأَمر نهيا جَازَ أَن يكون الْقُدْرَة على الشَّيْء عَجزا عَن أضداده وَالْعلم بالشَّيْء جهلا بضده إِلَى غير ذَلِك من أَمْثَاله.
قيل لَهُم هَذَا اجتزاء مِنْكُم لمقابلة اللَّفْظ بِاللَّفْظِ واقتصار مِنْكُم على مُجَرّد دَعْوَى، فَلم قُلْتُمْ: إِنَّه لما لم يكن الْعلم جهلا وَالْقُدْرَة عَجزا لَا يكون الْأَمر نهيا، ثمَّ بِمَ تنكرون على من يَقُول يلزمكم على قَود ذَلِك أَن تجْعَلُوا الْحَرَكَة عَن الْمَكَان سكونا فِي الْمَكَان الثَّانِي وَلَا يكون الْقرب مَعَ الشَّيْء بعدا عَن غَيره لما ذكرتموه فِي الْقُدْرَة وَالْعجز وَالْعلم وَالْجهل فَتبين أَن تتبع الإطلاقات لَا سَبِيل إِلَيْهِ. ثمَّ نقُول لما لم نجد اتصاف كل قَادر على شَيْء بِكَوْنِهِ عَاجِزا عَن ضِدّه لم يلْزم أَن يكون الْقُدْرَة عَجزا، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْعلم وَلما ألزم القَوْل فِي الْعلم وَلما لزم أَن يكون آمُر كل امْر جازم ناهيا فَتبين الْفَصْل بَينهمَا.
[٤٢٩] فَإِن قيل: فَإِذا جعلتم الْأَمر نهيا فقد علقتم وَصفا حَادِثا بمتعلقين وَالْوَصْف الْحَادِث لَا يتَعَلَّق بمتعلقين.
[ ١ / ٤١٨ ]
قيل لَهُ: لَيْسَ الْأَمر على مَا ذكرتموه فَإِن الْوَصْف الْحَادِث قد يتَعَلَّق بمتعلقين فَإنَّا رُبمَا نقُول إِن الْعلم مُتَعَلق بالمعلوم.
قيل لَهُم: لَيْسَ الْأَمر على مَا ذكرتموه فَإِن تعلق بِنَفسِهِ وَالْقُدْرَة عنْدكُمْ تتَعَلَّق بالشي / وضده. [٥١ / ب]
[٤٣٠] فَإِن قَالُوا: فَإِذا زعمتم أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ لزمكم أَن تَقولُوا النَّهْي عَن الشَّيْء أَمر بأضداد المنهى عَنهُ حَتَّى يلْزم من ذَلِك الْأَمر بالمتضادات جَمِيعهَا.
قيل لَهُم: النَّهْي عَن الشَّيْء الَّذِي لَهُ ضد وَاحِد يتَضَمَّن الْأَمر بالمتضاد الَّذِي لَهُ أضداد فيتضمن الْأَمر بِأحد أضداده وَمَا قلتموه من وجوب التَّسْوِيَة بَينهمَا ادِّعَاء مُجَرّد وإلزام بِمُجَرَّد لفظ وَوجه التَّحْقِيق فِي ذَلِك أَن الْأَمر بالشَّيْء على التَّضْيِيق لما تضمن تَحْرِيم كل الأضداد كَانَ نهيا عَن كلهَا، وَالنَّهْي عَن الشَّيْء لَا يتَضَمَّن إِيجَاب كل الأضداد فَلَا يكون أمرا بكلها فتتبع الْأَلْفَاظ أولى من مُقَابلَة الْأَلْفَاظ فَافْهَم.