[٣٢] النّظر على مَذَاهِب أهل الْحق لَا يُولد الْعلم بالمنظور فِيهِ. وَقد
[ ١ / ١٢٤ ]
صَارَت الْقَدَرِيَّة إِلَى أَن النّظر يُولد الْعلم وَقد صحت الْأَدِلَّة عَلَيْهِم فِي إِفْسَاد التولد فِي جملَة الديانَات.
[٣٣] فَإِن قَالُوا: النّظر إِذا صَحَّ وَارْتَفَعت الْعَوَائِق فيعقبه الْعلم بالمنظور فِيهِ لَا محَالة فَدلَّ أَنه يَقْتَضِيهِ وَلَا معنى لاقْتِضَائه إِيَّاه إِلَّا التولد فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِهِ تعلق الْعلَّة بمعلولها بِدَلِيل أَن الْعلم بالمنظور لَا
[ ١ / ١٢٥ ]
يساوق النّظر.
قيل لَهُم: قد يجب وجود الشَّيْء مَعَ الشَّيْء أَو بعده من غير إِيجَاب عَنهُ وَثُبُوت تولد. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وجوب وجود الْكَوْن مَعَ وجود الْجَوْهَر. ثمَّ لَا يدل ذَلِك على أَن أَحدهمَا يُولد الآخر. وَكَذَلِكَ إِرَادَة الشَّيْء لَا تتَحَقَّق دون الْعلم ثمَّ لَا يُوجب ذَلِك تولدًا. وَمن أوضح مَا يتَمَسَّك بِهِ عَلَيْهِم أَن نقُول: قد وافقتمونا معاشر الْمُعْتَزلَة على أَن من نظر وَعلم ثمَّ ذهلت نَفسه عَن النّظر وتذكر فيعقب التَّذَكُّر الْعلم كَمَا يعقب ابْتِدَاء النّظر ثمَّ اجْتَمَعْتُمْ على أَن تذكر
[ ١ / ١٢٦ ]
النّظر لَا يُوجب الْعلم.
فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي يصدهم عَن ارْتِكَاب ذَلِك؟
قيل: لَو قَالُوهُ نسبوا إِلَى هدم مُعظم أصولهم. وَذَلِكَ أَنهم وافقونا على أَن التَّذَكُّر للدليل السَّابِق قد يحصل ضَرُورِيًّا من فعل الله ﷿ فَلَو كَانَ مولودا للْعلم بالمدلول لزم مِنْهُ كَون الْعلم بالمدلول فعلا لله تَعَالَى و ذَلِك يسوقهم إِلَى تَجْوِيز كَون معرفَة الله تَعَالَى من فعل الله وَهَذَا من أعظم مَا ينكرونه.