[٤٦٣] اعْلَم - وفقك الله - أَن الْأَمر إِذا صدر من الْوَاحِد منا مَعَ انطواء الْغَيْب عَنهُ فَيصح تَقْيِيد أمره المتوجه على مخاطبه بِشَرْط بَقَائِهِ على صِفَات المخاطبين. فَأَما أَمر الله تَعَالَى فَيصح على أصُول الْحق أَن ترد الصِّيغَة عَنهُ مُقَيّدَة بِبَقَاء الْمَأْمُور مَعَ علمه بِمَا يكون وتقدسه عَن الريب فِي الْغَيْب، وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة ذَلِك غَايَة الْإِنْكَار وَقَالُوا: يَسْتَحِيل أَن يرد الْأَمر من الله تَعَالَى مُقَيّدا بِشَرْط بَقَاء الْمُكَلف على صِفَات التَّكْلِيف، وَأَنه عَالم بِمَا يكون وَإِنَّمَا يَصح الشَّرْط منا لترددنا وتقابل الجائزات فِي حقوقنا حَتَّى
[ ١ / ٤٤٠ ]
قَالُوا لَو علم الْوَاحِد منا بِوَحْي أَو إِعْلَام نَبِي بِمَا يكون من حَال مخاطبه فَلَا يحسن مِنْهُ أَيْضا تَقْيِيد خطابه بِبَقَاء الْمُخَاطب على صِفَات الْمُخَاطب.
وَالدَّلِيل / على تَجْوِيز الْخطاب بِبَقَاء صِفَات الْإِنْكَار وَإِن صدر الْخطاب [٥٥ / ب] من عَالم بِمَا يكون: أَن نقُول: إِذا ورد الْأَمر من الله تَعَالَى فَلَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا يمْتَنع تَقْيِيده بِعِلْمِهِ بِمَا يكون فِي الْمَآل وَإِمَّا أَن تَقولُوا يمْتَنع تَقْيِيده للْعلم بِأَن الِامْتِثَال يتَقَيَّد بالإمكان لَا محَالة، فَلَا فَائِدَة فِي ذكره، فَإِن زعمتم أَن الْمَانِع من التَّقْيِيد الْعلم بِاشْتِرَاط الْإِمْكَان قطعا فَوَجَبَ أَن تَقولُوا: لَا يحسن منا تَقْيِيد أَمر بِانْتِفَاء من التَّقْيِيد كَون الرب تَعَالَى عَالما بِمَا يكون فَيلْزم من ذَلِك مَا لَا محيص عَنهُ وَهُوَ أَن لَا يُفِيد وعده ووعيده لعلمه بِمَا يكون كَمَا يفِيدهُ أمره وَلَو تتبعت وعد الْقُرْآن ووعيده ألفيت معظمه مُقَيّدا، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو اطَّلَعت عَلَيْهِم لَوَلَّيْت مِنْهُم فِرَارًا﴾ فَمَا وَجه الترديد فِي ذَلِك مَعَ علم الرب تَعَالَى بِأَنَّهُ يطلع وَلَا يطلع إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَلَا يحصر من موارد الْقُرْآن وَالسّنَن فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
[٤٦٤] ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه المسئلة تبتني على الَّتِي تقدّمت وَهِي أَنا قُلْنَا يقطع الْمُكَلف بِالْتِزَام مَا كلف مَعَ التَّرَدُّد فِي حكم الْعَاقِبَة، فترتب على ذَلِك مقصدنا ونقول: إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا فَهَل تَقولُونَ إِنَّه يتَعَلَّق بالمكلف قطعا فِي الْحَال أم تستريبون فِيهِ، فَإِن استربتم فقد سبق وَجه الرَّد عَلَيْكُم، وَإِن قطعْتُمْ مَعَ انطواء حكم الْعَاقِبَة عَن الْمُكَلف فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون مُكَلّفا مَعَ ذُهُوله عَمَّا يكون، وَالْأَمر مُتَوَجّه عَلَيْهِ قطعا، فَإِذا تصور ذَلِك الِاعْتِقَاد فِي الْأَمر الْمُطلق فَمَا الْمَانِع من تَقْيِيده بِمَا يعْتَقد فِيهِ عِنْد انطلاقه.
[ ١ / ٤٤١ ]
[٤٦٥] فَإِن قيل: فالامتثال لَا يَقع إِلَّا مَعَ الْإِمْكَان، فَلَا فَائِدَة فِي تَقْيِيد الْخطاب بِهِ، وَهَذَا كَمَا أَن الْفِعْل لَا يَقع إِلَّا عرضا، فَلَا جرم لَا فَائِدَة فِي أَن يَقُول الْآمِر افْعَل إِن فعلك عرضا.
قيل لَهُم: هَذَا الاستشهاد مِنْكُم بَاطِل، وَذَلِكَ أَنا لَا نجوز أَن يثبت الْوُجُوب ثمَّ لَا يَدُوم وَإِذا لم يتَحَقَّق الْإِمْكَان فلسنا نسلم لكم توقف أصل الْوُجُوب على الْإِمْكَان، ثمَّ نقُول لَو صَحَّ مَا قلتموه وَجب أَن لَا تجوزوا من الْوَاحِد منا يُقيد أمره بدوام وصف الْإِمْكَان جَريا على مَا مهدتموه.
[٤٦٦] فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا حسن منا ذَلِك لجهلنا بِمَا يكون.
قُلْنَا: وَإِن جهلنا مَا يكون فَلَا نجهل أَن يكون الِامْتِثَال لَا يَقع إِلَّا مَعَ الْإِمْكَان، فَلَا فَائِدَة فِي ذكره على مُوجب قَوْلكُم ثمَّ نقُول: إِذا ورد القَوْل فِي بَقَاء صِفَات التَّكْلِيف والإمكان فَيمكن أَن يقْصد بذلك ابتلاء الْمُكَلف وامتحانه فِي توطين النَّفس على الِامْتِثَال، والعزم عَلَيْهِ، أَو الاضراب عَنهُ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا سَبيله حسن تردد القَوْل فِيهِ وَأما كَون الْفِعْل عرضا فَلَيْسَ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض فِي امتحان الْمُكَلف بِالطَّاعَةِ والعصيان، فافترق البابان. وَالله الْمُوفق للصَّوَاب.
[ ١ / ٤٤٢ ]
تمّ الْجُزْء الأول بحول الله وعونه وَالصَّلَاة على نبيه الْكَرِيم،
يتلوه فِي التَّرْتِيب: