اسْتِعْلَاءً افْعَلْ، وَالنَّهْيُ قَوْلُهُ اسْتِعْلَاءً لَا تَفْعَلْ، وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي هَذَا الْقَوْلِ اتِّفَاقًا مَجَازٌ عَنْ الْفِعْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ حَقِيقَةٌ، فَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ (لِلْإِيجَابِ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ فِعْلِ الرَّسُولِ - ﷺ -؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ أَمْرٌ حَقِيقَةً، وَكُلُّ أَمْرٍ لِلْإِيجَابِ احْتَجُّوا عَلَى الْأَصْلِ)
_________________
(١) [التلويح] التَّعْلِيقِ عَلَى النَّاقِصِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْحَظْرَ أَيْ الشَّرْطَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ فَيَصِيرُ بِالشَّرْطِ قِمَارًا وَهُوَ حَرَامٌ مَحْضٌ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْإِعْتَاقُ أَيْضًا مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ دُونَ الْإِسْقَاطَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُ أَنَّهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا أَنَّهُ إزَالَةُ الرِّقِّ [الْبَابُ الثَّانِي فِي إفَادَةِ اللَّفْظِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ] [الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ لِلْأَمْرِ] (قَوْلُهُ الْبَابُ الثَّانِي) أَيْ الثَّانِي مِنْ الْبَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدَ فِيهِمَا أَبْحَاثَ الْكِتَابِ فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِفَادَةِ اللَّفْظِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ مَبَاحِثُ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ. (قَوْلُهُ اللَّفْظُ الْمُفِيدُ لَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إلَّا أَنَّ الْخَبَرَ وَالْإِنْشَاءَ مِنْ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِمُطْلَقِ الْحُكْمِ قَيَّدَ اللَّفْظَ بِالْمُفِيدِ لِيَخْرُجَ الْمُفْرَدُ عَنْ مَوْرِدِ الْقِسْمَةِ فَلَا يَنْتَقِضُ حَدُّ الْإِنْشَاءِ بِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَقَيَّدَ الِاحْتِمَالَ بِكَوْنِهِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَوَارِضِ قَدْ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ كَخَبَرِ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ بِاعْتِبَارِ الْعَارِضِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّمَاءُ تَحْتَنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِيهِ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ احْتِمَالُ أَحَدِهِمَا، وَمَعْنَى احْتِمَالِهِ لَهُمَا إمْكَانُ اتِّصَافِهِ بِهِمَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَمَا يُوصَفُ بِهِ الْقَائِلُ يُوصَفُ بِهِ الْقَوْلُ، لَا يُقَالُ: الصِّدْقُ مُطَابَقَةُ نِسْبَةِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ، وَالْكَذِبُ عَدَمُهَا فَتَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِهِمَا دَوْرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا تَقْسِيمٌ بِاعْتِبَارِ اللَّازِمِ الْمَشْهُورِ لَا تَعْرِيفٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَاهِيَّةُ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ وَاضِحَةٌ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَالْمَقْصُودُ تَفْسِيرُ لَفْظِ الْخَبَرِ، وَتَعْرِيفُ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَدْلُولُ لَفْظِ الْخَبَرِ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةِ، وَالْمَأْخُوذُ فِي تَعْرِيفِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ نَفْسُ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ فَلَا دَوْرَ. (قَوْلُهُ، وَإِخْبَارُ الشَّارِعِ) لَمَّا كَانَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ هُوَ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ مَفْهُومٍ لِمَفْهُومٍ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ فَالْمَحْكُومُ بِهِ فِي خَبَرِ الشَّارِعِ إنْ كَانَ هُوَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيُّ مِثْلَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْإِنْشَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجْهُ إفَادَتِهِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يُجْعَلَ الْإِثْبَاتُ مَجَازًا عَنْ الْأَمْرِ، وَالنَّفْيُ مَجَازًا عَنْ النَّهْيِ فَيُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ أَوْ نَفْيِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لَزِمَ كَذِبُ الشَّارِعِ، وَهُوَ مُحَالٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَذِبُ الشَّارِعِ. فَإِنْ قُلْت هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا كَانَ الْخَبَرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَ مَجَازًا عَنْ الْأَمْرِ فَمِنْ أَيْنَ يُتَصَوَّرُ الْكَذِبُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ قُلْت نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ صُورَةِ
[ ١ / ٢٨٧ ]
وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ (بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ فِعْلُهُ (وَعَلَى الْفَرْعِ)، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَهُ - ﵇ - لِلْإِيجَابِ (بِقَوْلِهِ - ﵇ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» قُلْنَا لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ وَلَمْ يَقُلْ افْعَلْ يَصِحُّ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ الْأَمْرِ أَيْ يَصِحُّ لُغَةً، وَعُرْفًا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ، وَمِنْ هَذَا الدَّلِيلِ ظَهَرَ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي
_________________
(١) [التلويح] الْخَبَرِ فَإِنْ قُلْت فَفِي مِثْلِ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ مَجَازٌ عَنْ الْأَمْرِ هُوَ مَجْمُوعُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ أَمْ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَحْدَهُ قُلْت مَيْلُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ إلَى الثَّانِي، وَأَنَّ الْمَعْنَى، وَالْوَالِدَاتُ لِيُرْضِعْنَ، وَبَعْضُهُمْ يَمِيلُونَ إلَى الْأَوَّلِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَكُونُ جُمْلَةً إنْشَائِيَّةً، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ. (قَوْلُهُ، وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ) فَهُوَ إمَّا طَلَبِيٌّ أَوْ غَيْرُ طَلَبِيٍّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْهُمَا فِي بَحْثِ إفَادَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إذْ بِهِمَا يَثْبُتُ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا صُدِّرَ بَعْضُ كُتُبِ الْأُصُولِ بِبَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَحَقُّ مَا يُبْتَدَأُ بِهِ فِي الْبَيَانِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الِابْتِلَاءِ بِهِمَا، وَبِمُعْرِفَتِهِمَا يَتِمُّ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَيَتَمَيَّزُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ: هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي هُوَ الِاسْتِفْهَامُ لِكَثْرَةِ مَبَاحِثِهِ. (قَوْلُهُ فَالْأَمْرُ قَوْلُ الْقَائِلِ اسْتِعْلَاءً) أَيْ عَلَى سَبِيلِ طَلَبِ الْعُلُوِّ وَعَدِّ نَفْسَهُ عَالِيًا افْعَلْ، وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ الِاسْتِعْلَاءِ عَنْ الدُّعَاءِ، وَالِالْتِمَاسِ مِمَّا هُوَ بِطَرِيقِ الْخُضُوعِ أَوْ التَّسَاوِي، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعُلُوَّ لِيَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى افْعَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ وَلِهَذَا يُنْسَبُ إلَى سُوءِ الْأَدَبِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ مَاذَا تَأْمُرُونَ مَجَازًا، أَيْ تُشِيرُونَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ افْعَلْ مَا يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ مَصْدَرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ اشْتِقَاقِ افْعَلْ مِنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ صِيغَةِ افْعَلْ صَادِرَةً عَنْ الْقَائِلِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَعَلَى التَّكَلُّمِ بِالصِّيغَةِ وَطَلَبِ الْفِعْلِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَمْرُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ كَفٍّ عَنْ النَّهْيِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ نَحْوُ اُكْفُفْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ غَيْرُ كَفٍّ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي اُشْتُقَّتْ مِنْهُ صِيغَةُ الِاقْتِضَاءِ، وَبِاعْتِبَارِ الثَّانِي، وَهُوَ كَوْنُ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ يُشْتَقُّ مِنْهُ الْفِعْلُ وَغَيْرُهُ مِثْلُ أَمَرَ يَأْمُرُ، وَالْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَا الْقَوْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْمَقُولِ، وَبِمَعْنَى الْمَصْدَرِ فَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ يُمْكِنُ تَطْبِيقُهُ عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ مِنْ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِنْشَاءُ قِسْمًا مِنْ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ اصْطِلَاحُ الْعَرَبِيَّةِ فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيقَ الِاسْتِعْلَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ اصْطِلَاحُ الْأُصُولِ فَغَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّهْدِيدِ وَالتَّعْجِيزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ بِأَمْرٍ، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ
[ ١ / ٢٨٨ ]
هُوَ مَصْدَرٌ لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لَيْسَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ.
(، وَتَسْمِيَتُهُ أَمْرًا مَجَازٌ إذْ الْفِعْلُ يَجِبُ بِهِ) قَوْلُهُ إذْ الْفِعْلُ إلَخْ بَيَانٌ لِعَلَاقَةِ الْمَجَازِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ (سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ) أَيْ فِي الْفِعْلِ (لَكِنَّ الدَّلَائِلَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لِلْإِيجَابِ لَا الْفِعْلِ) أَيْ الدَّلَائِلُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْقَوْلِيَّ لِلْإِيجَابِ لَا الْفِعْلِ
_________________
(١) [التلويح] صِيغَةُ افْعَلْ مُرَادًا بِهَا مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَيْدُ الِاسْتِعْلَاءِ مُسْتَدْرَكًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنْ قِيلَ: وَيَرِدُ عَلَى عَكْسِ التَّعْرِيفِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى افْعَلْ تَبْلِيغًا أَوْ حِكَايَةً عَنْ الْآمِر الْمُسْتَعْلِي فَإِنَّهُ أَمْرٌ، وَلَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ مِنْ الْقَائِل؟ قُلْنَا: مِثْلُهُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مَقُولُ هَذَا الْقَائِلِ الْأَدْنَى بَلْ مَقُولُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ، وَفِيهِ اسْتِعْلَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ. (قَوْلُهُ، وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ) أَعَادَ صَرِيحَ اللَّفْظِ دُونَ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الِاسْمَ دُونَ الْمُسَمَّى كَمَا يُقَالُ: الْأَسَدُ حَقِيقَةٌ فِي السَّبُعِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، يَعْنِي أَنَّ أَمَرَ حَقِيقَةٌ فِي صِيغَةِ افْعَلْ اسْتِعْلَاءً بِالِاتِّفَاقِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَقِيقَةً عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى يَكُونَ مُشْتَرَكًا فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالشَّيْءِ وَالْفِعْلِ، وَالصِّفَةِ وَالشَّأْنِ لِتَبَادُرِ الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ، وَرُدَّ بِالْمَنْعِ بَلْ يَتَبَادَرُ إلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَقِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَعْنِي مَفْهُومَ أَحَدِهِمَا دَفْعًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ قَوْلٌ حَادِثٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ، أَيْضًا فَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَكُلُّ أَمْرٍ لِلْإِيجَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ لِيَكُونَ قَوْلُنَا كُلُّ أَمْرٍ شَامِلًا لِلْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَالْقَوْلُ بِكَوْنِ فِعْلِهِ - ﵇ - لِلْإِيجَابِ فَرْعٌ عَلَى كَوْنِهِ أَمْرًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِعْلٌ فَإِنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ طَبْعًا أَوْ خَاصًّا بِهِ فَلَا يُجَابُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ حَقِيقَةً أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَذَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْبَعْضُ نَعَمْ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلِلْمُخَالِفِينَ مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا الْأَصْلُ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ أَمْرٌ، وَالثَّانِي مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِلْإِيجَابِ فَاحْتَجُّوا عَلَى الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، أَيْ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِالرَّشِيدِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا عَنْ الْفَرْعِ بِقَوْلِهِ - ﵇ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» قَالَهُ حِينَ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا مُرَتَّبَةً فَثَبَتَ بِهَذَا النَّفْيِ أَنَّ فِعْلَهُ وَاجِبُ
[ ١ / ٢٨٩ ]
فَإِنَّ تِلْكَ الدَّلَائِلَ غَيْرُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] يُرَادُ بِهَا الْأَمْرُ الْقَوْلِيُّ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْفَعْلِيِّ، وَسَيَأْتِي، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَالضَّمِيرُ فِي أَمْرِهِ إنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى الرَّسُولِ فَالْقَوْلُ مُرَادٌ إجْمَاعًا فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يُرَادُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنًى
_________________
(١) [التلويح] الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ لِلْإِيجَابِ كَمَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] أَنَّ قَوْلَهُ مُوجِبٌ فَإِنْ قُلْت: أَيُّ حَاجَةٍ إلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْفَرْعِ بَعْدَ إثْبَاتِ الْأَصْلِ؟ قُلْت فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ مَعَ ابْتِنَائِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَثُبُوتِهِ بِأَدِلَّتِهِ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ. (قَوْلُهُ قُلْنَا) لَمَّا احْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَلَى حِدَةٍ احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى بُطْلَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ إشَارَةٍ إلَى جَوَابٍ عَنْ احْتِجَاجِهِ، وَالِاحْتِجَاجُ عَلَى بُطْلَانِ الْأَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِخُصُوصِهِ اتِّفَاقًا فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ أَيْضًا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّفَاهُمِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِخُصُوصِهِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا كَالْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَلَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَلْ هُوَ مُتَوَاطِئٌ، الثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ النَّفْيِ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا وَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ صِيغَةُ افْعَلْ يَصِحُّ عُرْفًا وَلُغَةً أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ، وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْفَعْلِ بِالْفَتْحِ أَعْنِي مَصْدَرَ فَعَلَ حَتَّى يُشْتَقَّ مِنْهُ أَمَرَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَيَأْمُرُ بِمَعْنَى يَفْعُلُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْفِعْلِ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الشَّأْنِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى نَفْسِ صِيغَةِ افْعَلْ اسْتِعْلَاءً، وَعَلَى اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَالْأَوَّلُ اسْمٌ وَالثَّانِي مَصْدَرٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ، وَالْخَبَرِ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ هَلْ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْحَاصِلِ مِنْ الْمَصْدَرِ أَعْنِي الشَّأْنَ، وَالثَّانِي هَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ بِمَصْدَرِ فَعَلَ يَفْعُلُ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ احْتِجَاجِ الْخَصْمِ بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْفِعْلِ أَمْرٌ كَمَا فِي ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، وَغَيْرِهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِالْأَمْرِ وَيَثْبُتُ بِهِ فَيَكُونُ مِنْ آثَارِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: شَبَّهَ الدَّاعِيَ إلَى الْفِعْلِ بِالْأَمْرِ فَسَمَّى الْفِعْلَ أَمْرًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَشْئُونِ أَيْ الْمَقْصُودِ بِالشَّأْنِ الَّذِي هُوَ
[ ١ / ٢٩٠ ]
وَاحِدٍ عَلَى أَنَّا لَا نَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْفِعْلُ، وَنَحْنُ فِي صَدَدِ الْمَنْعِ فَصَحَّ مَا قُلْنَا إنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْإِيجَابِ.
(وَاللَّفْظُ كَافٍ) أَيْ الْأَمْرُ الْقَوْلِيُّ كَافٍ (لِلْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَالتَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِيجَابُ فِعْلِهِ - ﵇ - اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ - ﵇ - صَلُّوا عَلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الْأَصْحَابِ صَوْمَ الْوِصَالِ، وَخَلْعَ النِّعَالِ مَعَ أَنَّهُ
_________________
(١) [التلويح] مَصْدَرٌ شَأَنْتُ، أَيْ قَصَدْت، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ هُوَ الْقَوْلُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [هود: ٩٧]، أَيْ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] فَوَصْفُهُ بِالرُّشْدِ مَجَازٌ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءَ بِوَصْفِ صَاحِبِهِ، (وَقَوْلُهُ سَلَّمْنَا) لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ، وَهُوَ كَوْنُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ بَحْثًا لُغَوِيًّا رُبَّمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالشُّيُوعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ سَلَّمَهُ وَاشْتَغَلَ بِمَا هُوَ مِنْ مَبَاحِثِ الْأُصُولِ، وَهُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ مُوجِبًا أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ فَأَبْطَلَ التَّفْرِيعَ أَوَّلًا، وَالْفَرْعَ ثَانِيًا، وَالدَّلِيلَ ثَالِثًا أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ لِلْإِيجَابِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى فِعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِلْإِيجَابِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُرَادٍ بِأَنَّ الْقَوْلَ مُرَادٌ إجْمَاعًا فَلَا يُرَادُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ عُمُومَ الْمُشْتَرَكِ أَعْرَضَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ إلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ هُوَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا فَيَكْفِينَا أَنْ نَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ مُرَادٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ أَمَّا فِي غَيْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَظَاهِرٌ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ إبْطَالُ كَوْنِ الْفِعْلِ مُوجِبًا فَلِأَنَّ تَعَدُّدَ الدَّالِّ مَعَ اتِّحَادِ الْمَدْلُولِ خِلَافُ الْأَصْلِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِوَاحِدٍ اتِّفَاقًا، وَهَاهُنَا اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْإِيجَابِ اتِّفَاقًا فَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الْفِعْلِ أَيْضًا لِلْإِيجَابِ مَصِيرٌ إلَى مَا هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا فِي تَعَدُّدِ الْمَدْلُولِ مَعَ اتِّحَادِ الدَّالِّ أَعْنِي الِاشْتِرَاكَ، وَإِطْلَاقُ التَّرَادُفِ عَلَى تَوَافُقِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِيجَابِ خِلَافُ الِاصْطِلَاحِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى تَوَافُقِ اللَّفْظَيْنِ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ وَاضِحٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَوْضُوعَ لِلْمَعَانِي إنَّمَا هِيَ الْعِبَارَاتُ لَا غَيْرُ، وَهِيَ وَافِيَةٌ بِالْمَقَاصِدِ بَلْ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الدَّالُّ عَلَى الْإِيجَابِ هُوَ الْقَوْلُ لَا الْفِعْلُ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ لِكَوْنِهِ مَبْنَى الْأَحْكَامِ، وَمَنَاطَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ بِالصِّيغَةِ، وَلَا يَحْصُلَ بِغَيْرِهَا كَمَقَاصِدِ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِصِيَغِهَا، وَكِلَاهُمَا
[ ١ / ٢٩١ ]
فَعَلَ، وَمُوجَبُهُ التَّوَقُّفُ عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ): الْإِيجَابُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] النَّدْبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] التَّأْدِيبُ كَقَوْلِهِ: - ﵇ - «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» الْإِرْشَادَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْإِبَاحَةُ نَحْوُ ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] التَّهْدِيدُ نَحْوُ ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] الِامْتِنَانُ نَحْوُ ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨] الْإِكْرَامُ نَحْوُ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] التَّعْجِيزُ نَحْوُ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] التَّسْخِيرُ نَحْوُ ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] الْإِهَانَةُ نَحْوُ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] التَّسْوِيَةُ: نَحْوُ ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] الدُّعَاءُ: نَحْوُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي التَّمَنِّي: نَحْوُ
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
الِاحْتِقَارُ نَحْوُ ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] التَّكْوِينُ: نَحْوُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] (قُلْنَا لَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ هُنَا لَوَجَبَ فِي النَّهْيِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَعَانٍ)، وَهِيَ التَّحْرِيمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وَالْكَرَاهَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ
_________________
(١) [التلويح] ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ انْحِصَارَ الْمَوْضُوعِ فِي اللَّفْظِ، وَفَاءٌ بِالْمَقَاصِدِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْفِعْلِ لِلْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَا يَدَّعُونَ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ بَلْ يَدَّعُونَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي أَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَهْوٍ، وَلَا طَبْعٍ، وَلَا مُخْتَصَّةٍ بِهِ لِلدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَعِظَمُ الْمَقْصُودِ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ الدَّالِّ عَلَيْهِ بَلْ تَعَدُّدَهُ لِشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ، وَكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَلِهَذَا كَثُرَتْ الْأَلْفَاظُ الْمُتَرَادِفَةُ فِيمَا لَهُمْ بِهِ اهْتِمَامٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ إبْطَالُ احْتِجَاجِهِمْ عَلَى الْفَرْعِ فَلِأَنَّ كَوْنَ فِعْلِهِ مُوجِبًا مُسْتَفَادًا مِنْ قَوْلِهِ - ﵇ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَهُوَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لَا مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى هَذَا الْأَمْرِ بَعْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مُوجِبًا مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ عَيْنُ دَعْوَى الْخَصْمِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ فِي الصَّلَاةِ ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا بِالْفِعْلِ فَالْمُوجِبُ هُوَ الْقَوْلُ لَا غَيْرُ، ثُمَّ عَارَضَ تَمَسُّكَهُمْ بِالسُّنَّةِ بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَقَالَ: - ﵇ - إنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا»، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - ﵇ - وَاصَلَ فَوَاصَلَ أَصْحَابُهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ أَيُّكُمْ مِثْلِي يُطْعِمُنِي رَبِّي، وَيَسْقِينِي فَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ مُوجِبًا لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَنِعْمَ مَا قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فَكَيْفَ صَارَ اتِّبَاعُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلًا، وَلَمْ يَصِرْ مُخَالَفَتُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلًا.
(٢) (قَوْلُهُ وَمُوجَبُهُ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ الْمَدْلُولُ
[ ١ / ٢٩٢ ]
الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالتَّنْزِيهُ نَحْوُ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وَالتَّحْقِيرُ نَحْوُ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١]، وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ: نَحْوُ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وَالْإِرْشَادُ: نَحْوُ ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وَالشَّفَقَةُ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ وَالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ (وَلِأَنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالِانْتِهَاءِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَعَانٍ فَلَا يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِك (افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ)؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُوجَبُهُمَا التَّوَقُّفَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ وَطَلَبِ التَّرْكِ ثَابِتٌ بَدِيهَةً.
(وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَا حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مِثْلَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَجُوزُ أَنْ
_________________
(١) [التلويح] الْحَقِيقِيُّ لِلَفْظِ الْأَمْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَدْلُولُ الْحَقِيقِيُّ لِمُسَمَّاهُ أَعْنِي لِصِيغَةِ افْعَلْ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ، أَيْ الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِهِ التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ بَعْضُهَا حَقِيقَةً اتِّفَاقًا، وَبَعْضُهَا مَجَازٌ اتِّفَاقًا فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَالِاحْتِمَالُ يُوجِبُ التَّوْقِيفَ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ فَالتَّوَقُّفُ عِنْدَهُ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَا فِي تَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لِلْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إلَى التَّوَقُّفِ، وَتَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَنَّهُ الْوُجُوبُ فَقَطْ أَوْ النَّدْبُ فَقَطْ أَوْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لَفْظًا. (قَوْلُهُ التَّأْدِيبُ) هُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إلَّا أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالتَّأْدِيبَ لِتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَإِصْلَاحِ الْعَادَاتِ، وَكَذَا الْإِرْشَادُ قَرِيبٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّهْدِيدُ هُوَ التَّخْوِيفُ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ [الزمر: ٨] فَإِنَّهُ إبْلَاغٌ مَعَ تَخْوِيفٍ، وَقَوْلُهُ كُلُوا لِلِامْتِنَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وَقَوْلُهُ اُدْخُلُوهَا، أَيْ الْجَنَّةَ لِلْإِكْرَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، وَقَوْلُهُ: انْجَلِي، أَيْ انْكَشِفِي جَعَلَهُ لِلتَّمَنِّي؛ لِأَنَّهُ اسْتَطَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى كَانَ انْجِلَاؤُهَا بِالصُّبْحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالَاتِ الَّتِي لَا رَجَاءَ فِي حُصُولِهَا، وَقَوْلُهُ أَلْقُوا احْتِقَارٌ لِسِحْرِ السَّحَرَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَالتَّكْوِينُ هُوَ الْإِيجَادُ. (قَوْلُهُ قُلْنَا) إبْطَالُ دَلِيلِ التَّوَقُّفِ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالنَّهْيِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يُسْتَعْمَلُ لِمَعَانٍ مَعَ أَنَّ مُوجَبَهُ لَيْسَ التَّوَقُّفَ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوجَبُ " افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ " وَاحِدًا ثُمَّ عَارَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجَبُ الْأَمْرِ هُوَ التَّوَقُّفَ لَكَانَ مُوجَبُ النَّهْيِ، أَيْضًا التَّوَقُّفَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالِانْتِهَاءِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ أَبْطَلَ الْمُقَدِّمَةَ الْقَائِلَةَ: إنَّ الِاحْتِمَالَ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِهَا فِي السَّاعَاتِ أَوْ بُطْلَانَ حَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَتَحَقَّقُ حَمْلُهَا عَلَى مَعَانِيهَا لِاحْتِمَالِ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ. الثَّانِي إلَّا إنْ بَانَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِأَحَدِ الْمَعَانِي لَا الظُّهُورَ فِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْأَمْرَ مُحْكَمٌ فِي أَحَدِ الْمَعَانِي
[ ١ / ٢٩٣ ]
لَا يَكُونَ زَيْدٌ زَيْدًا بَلْ عُدِمَ الشَّخْصُ الْأَوَّلُ، وَخُلِقَ مَكَانَهُ شَخْصٌ آخَرُ، وَهُوَ عَيْنُ مَذْهَبِ السُّوفُسْطائيَّةِ النَّافِينَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ حَقَائِقُ الْأَلْفَاظِ إذْ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَّا وَلَهُ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ أَوْ مَجَازٍ فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ تَبْطُلُ دَلَالَاتُ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَوْضُوعِ لَهَا (وَأَيْضًا لَمْ نَدَّعِ أَنَّهُ مُحْكَمٌ، وَعِنْدَ الْعَامَّةِ مُوجَبُهُ وَاحِدٌ إذْ الِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ هِيَ الْأَدْنَى، وَالنَّدْبُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَأَدْنَاهُ النَّدْبُ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ خَوْفُ إصَابَةِ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ الْخَوْفُ لَقَبُحَ التَّحْذِيرُ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ وَاجِبًا إذْ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ.
وَ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، الْقَضَاءُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْحُكْمِ، وَأَمْرًا
_________________
(١) [التلويح] بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَصْلًا بَلْ نَدَّعِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ مَثَلًا، وَيَحْتَمِلُ الْغَيْرَ، وَعِنْدَ ظُهُورِ الْبَعْضِ لَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ صَارِفٌ عَنْهُ، وَهَاهُنَا نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْوَاقِفِينَ فِي الْأَمْرِ، وَاقِفُونَ فِي النَّهْيِ، وَثُبُوتُ الْفَرْقِ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ، وَطَلَبِ التَّرْكِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْأَمْرِ تَوَقُّفٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ جَازِمًا (وَ) هُوَ الْوُجُوبُ أَوْ رَاجِحًا (وَ) هُوَ النَّدْبُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ التَّرْكِ، وَالتَّوَقُّفُ فِي النَّهْيِ تَوَقُّفٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ طَلَبُ التَّرْكِ جَازِمًا وَهُوَ التَّحْرِيمُ، أَوْ رَاجِحًا وَهُوَ الْكَرَاهَةُ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ فَالتَّوَقُّفُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَوَقُّفٌ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ التَّسَاوِي، وَعَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ احْتِمَالٌ نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَعَانِي، وَهُوَ الْوَضْعُ أَوْ الشُّيُوعُ وَكَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ احْتِمَالِ تَبَدُّلِ الْأَشْخَاصِ أَوْ احْتِمَالِ الْأَلْفَاظِ لِغَيْرِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؟ (قَوْلُهُ وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ نَحْوُ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا لَا تَعْتَذِرُوا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ سَقَطَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ قَلَمِ الْكَاتِبِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُكْتَبَ هَكَذَا، وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ نَحْوُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وَالْيَأْسُ نَحْوُ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦] . (قَوْلُهُ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ) أَيْ اعْتِبَارُهُ، وَالتَّوَقُّفُ بِسَبَبِهِ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ) أَيْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْكَلَامِ هُوَ الْإِفْهَامُ، وَالِاشْتِرَاكُ مُخِلٌّ بِهِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ، وَهَذَا يَنْفِي الْقَوْلَ بِاشْتِرَاكِهِ لَفْظًا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ أَوْ بَيْنَ
[ ١ / ٢٩٤ ]
مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ أَوْ حَالٌ أَوْ تَمْيِيزٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْقَضَاءِ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]؛ لِأَنَّ عَطْفَ الرَّسُولِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلَا يُرَادُ الْقَضَاءُ الَّذِي يُذْكَرُ فِي جَنْبِ الْقَدَرِ بِعَيْنِ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ، وَالْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَوْلُ لَا الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْفِعْلُ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ فِعْلُ الْقَاضِي أَوْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا فَعَلَ فِعْلًا فَلَا مَعْنَى لِنَفْيِ الْخِيَرَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ فِعْلُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَالْمُرَادُ إذَا قَضَى بِأَمْرٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُ تَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَأَيْضًا يَكُونُ الْمَعْنَى إذَا حَكَمَ بِفِعْلٍ لَا تَكُونُ الْخِيَرَةُ، وَالْحُكْمُ بِفِعْلٍ مُطْلَقًا لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْخِيَرَةِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِإِبَاحَةِ فِعْلٍ أَوْ نَدْبِهِ، وَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُدَّعِي فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا ذَكَرْنَا لَا الْفِعْلُ.
وَ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] فَالذَّمُّ عَلَى تَرْكِهِ يُوجِبُ الْوُجُوبَ وَ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وَهَذَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ) ذَهَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ
_________________
(١) [التلويح] الثَّلَاثَةِ وَبَيْن التَّهْدِيدِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّيعَةُ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَلَا يَنْفِي الْقَوْلَ بِاشْتِرَاكِهِ مَعْنًى بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الطَّلَبُ جَازِمًا كَانَ أَوْ رَاجِحًا، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَرْجِيحِ الْفِعْلِ، أَوْ بَيْنَ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ فَإِنَّ مُوجَبَهُ حِينَئِذٍ، أَيْضًا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مُوجَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي ذَلِكَ الْوَاحِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّهُ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْفِعْلِ، وَأَدْنَاهُ الْمُتَيَقَّنُ إبَاحَتُهُ، وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُ النَّدْبُ؛ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجْحَانِ جَانِبِهِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ، وَأَدْنَاهُ النَّدْبُ لِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ فِي الْإِبَاحَةِ، وَكَوْنِ الْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الرُّجْحَانِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءُ إنَّهُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ كَمَالُ الطَّلَبِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَمَالُ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَمَنْ جَعَلَهُ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ جَعَلَ النُّقْصَانَ أَصْلًا وَالْكَمَالَ عَارِضًا، وَهُوَ قَلْبُ الْمَعْقُولِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا إثْبَاتًا لِلُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ أَعْرَضَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ - ﵀ -، وَتَمَسَّكَ بِالنَّصِّ وَدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ أَمَّا النَّصُّ فَآيَاتٌ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ فَخَوْفُهُمْ، وَحَذَرُهُمْ مِنْ إصَابَةِ الْفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا أَوْ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ الْأَمْرَ، وَهِيَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَنَّ مُوَافَقَتَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ لَا عَدَمُ اعْتِقَادِ حَقِّيَّتِهِ، وَلَا حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ مَثَلًا فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ يُقَالُ: خَالَفَنِي فُلَانٌ عَنْ كَذَا إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَنْتَ قَاصِدٌ
[ ١ / ٢٩٥ ]
أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ - ﵀ - إلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَالْمُرَادُ التَّمْثِيلُ لَا حَقِيقَةُ الْقَوْلِ، وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ مُرَادَةٌ بِأَنْ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى سُنَنَهُ فِي تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُكَوِّنَهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْمُنَزَّهُ عَنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ، وَمَثَّلَ سُرْعَةَ الْإِيجَادِ بِالتَّكَلُّمِ بِهَذَا الْأَمْرِ وَتَرَتُّبِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْوُجُودَ مَقْصُودٌ مِنْ الْأَمْرِ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّمْثِيلُ.
(فَيَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا بِهَذَا الْأَمْرِ) أَيْ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ يُوجَدُ الْمَأْمُورُ بِهِ (فَكَذَا فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كُنْ فَاعِلًا لِهَذَا الْفِعْلِ) أَيْ يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كُنْ فَاعِلًا لِهَذَا الْفِعْلِ فَقَوْلُهُ: صَلِّ، أَيْ
_________________
(١) [التلويح] إيَّاهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَالْمَعْنَى يُخَالِفُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ أَوْ أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَضْمِينِ الْمُخَالَفَةِ مَعْنَى الْإِعْرَاضِ، أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا يَأْتُونَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، فَسَوْقُ الْآيَةِ لِلتَّحْذِيرِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهَا خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ إذْ لَا مَعْنَى لِلتَّحْذِيرِ عَمَّا لَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَكُونُ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَاجِبًا إذْ لَا مَحْذُورَ فِي تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ، لَا يُقَالُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٦٣]، وَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَعَيْنُ النِّزَاعِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ أَمْرِهِ عَامًّا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ، وَلَا نِزَاعَ فِي كَوْنِ بَعْضِ الْأَوَامِرِ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِيجَابِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْحَذَرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى هَاهُنَا لِلنَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ بَلْ الْحَذَرُ عَنْ إصَابَةِ الْمَكْرُوهِ وَاجِبٌ، وَأَمْرِهِ مَصْدَرٌ مُضَافٌ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى مَعْهُودٍ فَيَكُونُ عَامًّا لَا مُطْلَقًا وَعَلَى تَقْدِيرٍ كَوْنِهِ مُطْلَقًا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ مَجَازًا بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ التَّهْدِيدُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَإِلْحَاقُ الْوَعِيدِ بِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ حَرَامًا وَتَرْكًا لِلْوَاجِبِ لِيَلْحَقَ بِهَا الْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، الضَّمِيرُ فِي لَهُمْ لِمُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ جُمِعَ لِعُمُومِهَا بِالْوُقُوعِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَفِي أَمْرِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ جُمِعَ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمَعْنَى مَا صَحَّ لَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْ أَمْرِهِمَا شَيْئًا، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُطَاوَعَةُ وَجَعْلُ اخْتِيَارِهِمْ تَبَعًا لِاخْتِيَارِهِمَا فِي جَمِيعِ أَوَامِرِهِمَا بِدَلِيلِ وُقُوعِ الْأَمْرِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ مِثْلُ إذَا جَاءَك رَجُلٌ فَأَكْرِمْهُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.
[ ١ / ٢٩٦ ]
كُنْ فَاعِلًا لِلصَّلَاةِ: وَزَكِّ، أَيْ كُنْ فَاعِلًا لِلزَّكَاةِ فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ أَمْرٌ بِالْكَوْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَكَوَّنَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ كَوْنَ الْوُجُودِ مُرَادًا مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (يُعْدِمُ الِاخْتِيَارَ فَلَمْ يَثْبُتْ الْوُجُودُ، وَيَثْبُتْ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ وَغَيْرِهَا مِنْ النُّصُوصِ)
_________________
(١) [التلويح] ثُمَّ لَا بُدَّ هَاهُنَا مِنْ بَيَانٍ الْأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْحُكْمِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إتْمَامُ الشَّيْءِ قَوْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أَيْ حَكَمَ أَوْ فِعْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أَيْ خَلَقَهُنَّ وَأَتْقَنَ أَمْرَهُنَّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِسْنَادَ إلَى الرَّسُولِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُهُ فَمَجَازٌ، وَثَانِيهمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ هُوَ الْقَوْلُ دُونَ الْفِعْلِ أَوْ الشَّيْءِ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧]، أَيْ إذَا أَرَادَ شَيْئًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ فَعَلَ فِعْلًا فَلَا مَعْنَى لِنَفْيِ خِيَرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أُرِيدَ حَكَمَ بِفِعْلٍ أَوْ شَيْءٍ اُحْتِيجَ إلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ارْتِكَابِهِ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْخِيَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِنَدْبِ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْخِيَرَةُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِفِعْلٍ مُوجِبًا لِنَفْيِ الْخِيَرَةِ يُثْبِتُ الْمُدَّعَى، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَرَةِ لِلْعِبَادِ وَلُزُومَ الْمُتَابَعَةِ وَالِانْقِيَادِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ، مِنْ أَمْرِهِمْ هُوَ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ إمَّا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَوْ نَفْسِ الصِّيغَةِ سَوَاءٌ جُعِلَ أَمْرًا نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ التَّمْيِيزِ لِمَا فِي الْحُكْمِ مِنْ الْإِبْهَامِ أَوْ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ كَمَا تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ رُكُوبًا فَأَعْجَبَنِي رُكُوبُهُ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أَيْ مَا مَنَعَكَ مِنْ السُّجُودِ عَلَى زِيَادَةِ لَا أَوْ مَا دَعَاك إلَى تَرْكِ السُّجُودِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الشَّيْءِ دَاعٍ إلَى نَقِيضِهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ لِيَسْتَحِقَّ تَارِكُهُ الذَّمَّ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّك مَا أَلْزَمْتَنِي السُّجُودَ فَعَلَامَ اللَّوْمُ وَالْإِنْكَارُ وَالتَّوْبِيخُ فَإِنْ قُلْت هَذَا لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِلْوُجُوبِ، وَلَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَهُ، وَخَاصًّا بِهِ. قُلْت إطْلَاقُ قَوْلِهِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] دُونَ أَنْ يَقُولَ: إذْ أَمَرْتُك أَمْرًا يُجَابُ وَإِلْزَامُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ الْمُدَّعِي (إذْ) لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمُقَيَّدَ بِالْقَرِينَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْإِيجَابِ مَجَازًا، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَسُهُولَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، تَمْثِيلًا لِلْغَائِبِ أَعْنِي تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ فِي الْمُرَادِ بِالشَّاهِدِ أَعْنِي أَمْرَ الْمُطَاعِ لِلْمُطِيعِ فِي حُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ غَيْرِ
[ ١ / ٢٩٧ ]
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وَلِلْعُرْفِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُرِيدُ طَلَبَ الْفِعْلِ جَزْمًا يَطْلُبُ بِهَذَا اللَّفْظِ (مَسْأَلَةٌ، وَكَذَا بَعْدَ الْحَظْرِ) لِمَا قُلْنَا، وَقِيلَ: لِلنَّدْبِ كَمَا فِي ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أَيْ اُطْلُبُوا الرِّزْقَ، وَقِيلَ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا فِي فَاصْطَادُوا قُلْنَا ثَبَتَ ذَلِكَ
_________________
(١) [التلويح] امْتِنَاعٍ وَتَوَقُّفٍ وَلَا افْتِقَارٍ إلَى مُزَاوَلَةِ عَمَلٍ وَاسْتِعْمَالِ آلَةٍ، وَلَيْسَ هَاهُنَا قَوْلٌ وَلَا كَلَامٌ وَإِنَّمَا وُجُودُ الْأَشْيَاءِ بِالْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ مَقْرُونًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى سُنَنَهُ فِي تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُكَوِّنَهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ تَكْوِينُهَا بِغَيْرِهَا، وَالْمَعْنَى نَقُولُ لَهُ: اُحْدُثْ فَيَحْدُثُ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ فَيَحْتَاجُ إلَى خِطَابٍ آخَرَ، وَيَتَسَلْسَلُ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ قِيَامُ الصَّوْتِ وَالْحَرْفِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ خِطَابُ التَّكْوِينِ عَلَى الْفَهْمِ، وَاشْتَمَلَ عَلَى أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ، وَهُوَ الْوُجُودُ جَازَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَعْدُومِ بَلْ خِطَابُ التَّكْلِيفِ أَيْضًا أَزَلِيٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَزَلِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى مُخَاطَبٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً يَكُونُ الْوُجُودُ وَالْحُدُوثُ مُرَادًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَعْنِي كُنْ. أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى نَقُولُ: حَدَثَ فَيَحْدُثُ، أَيْ كُلَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْوُجُودِ تَحَقَّقَ الْوُجُودُ عَقِيبَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ قَرِينَةَ الْإِيجَادِ، وَمَثَّلَ سُرْعَةَ الْإِيجَادِ بِالتَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتَرَتُّبِ وُجُودُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْصُودًا بِأَمْرِ كُنْ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّمْثِيلُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ، فَسَوَاءٌ جَعَلْنَا هَذَا الْكَلَامَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ مُرَادًا بِأَمْرِ كُنْ (وَ) كَمَا يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا بِأَمْرِ كُنْ يَكُونُ مُرَادًا بِجَمِيعِ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ أَمْرِ كُنْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَقِيمُوا الصَّلَاةَ كُونُوا مُقِيمِينَ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ فِي أَمْرِ التَّكْوِينِ هُوَ الْكَوْنُ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ مِنْ كَانَ التَّامَّةِ، وَفِي أَمْرِ التَّكْلِيفِ هُوَ الْكَوْنُ بِمَعْنَى وُجُودِ الشَّيْءِ عَلَى صِفَةٍ مِنْ كَانَ النَّاقِصَةِ، وَإِذَا كَانَ كُلُّ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبًا لِلْكَوْنِ يَجِبُ تَكُونُ الْمَطْلُوبِ، أَيْ حُدُوثُ الشَّيْءِ فِي أَمْرِ التَّكْوِينِ وَحُصُولُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَمْرِ التَّكْلِيفِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ الْوُجُودُ وَالتَّكْوِينُ مُرَادًا مِنْ جَمِيعِ الْأَوَامِرِ حَتَّى أَمْرِ التَّكْلِيفِ لَزِمَ إعْدَامُ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ بِأَنْ يَحْدُثَ الْفِعْلُ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ كَمَا فِي أَمْرِ الْإِيجَادِ، وَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ قَاعِدَةُ التَّكْلِيفِ إذْ لَا بُدَّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعُ اخْتِيَارٍ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا تَابِعًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وَإِلَّا لَصَارَ مُلْحَقًا بِالْجَمَادَاتِ فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْوُجُودِ مُرَادًا فِي أَمْرِ التَّكْلِيفِ بَلْ نَقَلَ الشَّرْعُ لُزُومَ الْوُجُودِ لِلْأَمْرِ إلَى
[ ١ / ٢٩٨ ]
بِالْقَرِينَةِ، أَيْ النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ فِي الْآيَتَيْنِ ثَبَتَا بِالْقَرِينَةِ فَإِنَّ الِابْتِغَاءَ وَالِاصْطِيَادَ إنَّمَا أُمِرَ بِهِمَا لِحَقِّ الْعِبَادِ وَمَنْفَعَتِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَا عَلَى وَجْهٍ تَنْقَلِبُ الْمَنْفَعَةُ مَضَرَّةً بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ
(مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ فَاسْتِعَارَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَالْجَامِعُ جَوَازُ الْفِعْلِ لَا إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مُبَايِنَةٌ لِلْوُجُوبِ لَا جُزْؤُهُ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي
_________________
(١) [التلويح] لُزُومِ الْوُجُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّيَانَةِ فَصَارَ لَازِمُ الْأَمْرِ هُوَ الْوُجُوبُ بَعْدَمَا كَانَ لَازِمُهُ الْوُجُودَ. حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ الْأَمْرِ يُوجِبُ وُجُودَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَقِيقَةً، وَاعْتِبَارَ كَوْنِ الْمَأْمُورِ مُخَاطَبًا مُكَلَّفًا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ إلَى حِينِ إيجَادِهِ فَاعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ فَأَثْبَتنَا بِالْأَمْرِ آكَدَ مَا يَكُونُ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ وَهُوَ الْوُجُوبُ خَلَفًا مِنْ الْوُجُودِ، وَقُلْنَا بِتَرَاخِي الْوُجُوبِ إلَى حِينِ اخْتِيَارِهِ فَإِنْ قُلْت فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِي طَلَبِ الْوُجُودِ وَإِرَادَتِهِ مَجَازًا فِي الْإِيجَابِ قُلْت: نَعَمْ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ إذْ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالشَّرْعِ فَإِنْ قُلْت: الْكَلَامُ فِي مَدْلُولِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ الْوُجُوبُ قُلْت: نَعَمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ مَعَ الْمَنْعِ عَنْ النَّقِيضِ، وَهُوَ إيجَابٌ وَإِلْزَامٌ لَكِنَّهُ مِنْ الْعِبَادِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُودَ لِجَوَازِ تَخَلُّفِ مَطَالِبِهِمْ عَنْ الطَّلَبِ فَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ وَطَلَبِ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ جَزْمًا، وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الطَّلَبِ وَالْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ تَارِكِهِ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ لَا بِمَعْنَى إرَادَةِ وُجُودِ الْفِعْلِ، وَالْأَدِلَّةُ يَدُلُّ بَعْضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَبَعْضُهَا عَلَى الثَّانِي، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي اللُّغَةِ لِإِرَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ لِطَلَبِهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعَهَا فَيَحْصُلُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِهَا فَلَا يَحْصُلُ، وَلَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوَامِرِ الْعِبَادِ فِي نَفْسِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَلَا بِأَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ أَمْرُ كُنْ لِطَلَبِ وُجُودِ الْحَادِثِ وَإِرَادَةِ تَكَوُّنِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ وَتَرَاخٍ وَكَانَ أَزَلِيًّا لَزِمَ قِدَمُ الْحَوَادِثِ، وَأَيْضًا إذَا كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَصِحَّ تَرَتُّبُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ عَلَى مَا تُنْبِئُ عَنْهُ الْآيَةُ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَجَازٌ وَتَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَكَلَامٍ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، أَيْ تَرَكْت مُوجَبَهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَاصٍ، وَكُلُّ عَاصٍ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣]، أَيْ مَاكِثًا الْمُكْثَ الطَّوِيلَ، وَالْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُودِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَعِيدَ وَالذَّمَّ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ الْوُجُوبُ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ قُلْنَا مِنْ تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ وَالذَّمِّ عَلَى نَفْسِ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ. وَأَمَّا دَلَالَةُ
[ ١ / ٢٩٩ ]