فِي الْأَوَّلِ فَوَّضَهَا إلَيْنَا ثُمَّ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ بَيَانَ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، قَالَ - ﵇ - «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الِاحْتِجَاجِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ:): وَلِأَنَّ عُمَرَ قَالَ: إنَّ الرَّجْمَ كَانَ مِمَّا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ: تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] لَمْ يُنْسَخْ بِقَوْلِهِ: - ﵇ - «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» بَلْ نُسِخَ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا، وَكَانَ هَذَا مِمَّا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَنُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ فَسَادَ مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ بِالْكِتَابِ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ الْحُجَّةَ الصَّحِيحَةَ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ فَقَالَ.
(وَالْحُجَّةُ: أَنَّهُ - ﵇ - حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ وَبَعْدَمَا قَدِمَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ بِالْكِتَابِ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ، وَالثَّانِي كَانَ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ بِالْكِتَابِ) .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ - ﵇ - لَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ كَانَ يَتَوَجَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَلَا يُدْرَى أَنَّهُ كَانَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ إلَى الْمَدِينَةِ تَوَجَّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْكِتَابِ بَلْ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - ﵂ - دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -
_________________
(١) [التلويح] ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو الْيُسْرِ إلَى أَنَّ حُرْمَةَ الزِّيَادَةِ عَلَى التِّسْعِ حُكْمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] بِمَنْزِلَةِ التَّأْبِيدِ إذْ الْبَعْدِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ تَتَنَاوَلُ الْأَبَدَ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالِاجْتِهَادِ قُلْتُ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْوَحْيِ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى الْخَطَأِ. (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ خَبَرٌ لَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي، وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا. [مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَنْسُوخُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِي مَنْسُوخِ الْكِتَابِ إذْ الْحَدِيثُ لَيْسَ الْوَحْيَ الْمَتْلُوَّ حَتَّى يَكُونَ مَنْسُوخَ التِّلَاوَةِ بَلْ لَا يَجْرِي النَّسْخُ إلَّا فِي حُكْمِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَى الْكِتَابِ لَا بِنَظْمِهِ. (قَوْلُهُ قَالُوا وَقَدْ يُرْفَعَانِ) بَحْثٌ اسْتِطْرَادِيٌّ يَعْنِي: كَمَا يُرْفَعُ الْحُكْمُ وَالتِّلَاوَةُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ حَتَّى يَكُونَ نَسْخًا وَقَدْ يُرْفَعَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ وَنَحْوِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي ارْتِفَاعِ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ أَوْ بِإِذْهَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْعِلْمَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ إنَّمَا يَقُومُ بِالرُّوحِ وَهُوَ لَا يَفْنَى بِالْمَوْتِ فَلِذَا أَحَالَ هَذَا الْبَحْثَ عَلَى غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]
[ ٢ / ٧٠ ]
مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ) فَتَكُونُ السُّنَّةُ نَاسِخَةً لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] .
(وَلِأَنَّهُ - ﵇ - بُعِثَ مُبَيِّنًا فَجَازَ لَهُ بَيَانُ مُدَّةِ حُكْمِ الْكِتَابِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ مُدَّةَ حُكْمٍ ثَبَتَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وقَوْله تَعَالَى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] أَيْ: فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ دُونَ النَّظْمِ، وَإِنْ سُلِّمَ هَذَا لَكِنَّهَا إنَّمَا نُسِخَ حُكْمُهُ لَا نَظْمُهُ، وَهُمَا فِي الْحُكْمِ مِثْلَانِ) أَيْ: إنْ سُلِّمَ: أَنَّ الْمُرَادَ الْخَيْرِيَّةُ مِنْ حَيْثُ النَّظْمُ فَالسُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ نَظْمَ الْكِتَابِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالنَّظْمِ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ بَلْ تَنْسَخُ حُكْمَهُ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ مِثْلَانِ، وَإِنَّ الْكِتَابَ رَاجِحٌ فِي النَّظْمِ بِأَنَّ نَظْمَهُ مُعْجِزٌ وَتَثْبُتُ بِنَظْمِهِ أَحْكَامٌ كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
(وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ - ﵇ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] أَيْ: لَيْسَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] .
(وَقَوْلُهُ: - ﵊ - «فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ» إذَا أَشْكَلَ تَارِيخُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصِّحَّةِ بِحَيْثُ يُنْسَخُ بِهِ الْكِتَابُ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ)، وَهُوَ قَوْلُهُ: - ﵇ - «يَكْثُرُ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي» (وَمَا ذُكِرَ مِنْ الطَّعْنِ فَإِنَّهُ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَارِدٌ فَإِنَّ مَنْ هُوَ مُصَدِّقٌ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
_________________
(١) [التلويح] يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ النِّسْيَانِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ إشَارَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِبَارَةً، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. (قَوْلُهُ: فَقَدْ اخْتَلَفُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ أَمْ لَا) يَعْنِي: أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ مَثَلًا فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِزِيَادَةِ جُزْءٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ زِيَادَةِ مَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ: (الْأَوَّلِ) أَنَّهُ نَسْخٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ. (الثَّانِي) أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ. (الثَّالِثِ) إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا. (الرَّابِعِ) إنْ غَيَّرَتْ الزِّيَادَةُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ شَرْعًا فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ. (الْخَامِسِ) إنْ اتَّحَدَتْ الزِّيَادَةُ مَعَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ التَّعَدُّدُ وَالِانْفِصَالُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَلَا. (السَّادِسِ) أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَالتَّأْكِيدِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ رَفَعَتْ أَوْ بِثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ الرَّافِعَةَ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا تَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. وَكَذَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الزِّيَادَةُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصْلُحُ نَاسِخًا هَذَا تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلِلْمُصَنِّفِ
[ ٢ / ٧١ ]
وَمَنْ هُوَ مُكَذِّبٌ يَطْعَنُ فِي الْكُلِّ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالطَّعْنِ الْبَاطِلِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا إعْلَاءُ مَنْزِلَةِ الرَّسُولِ - ﵇ - وَتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ وَنَظَائِرُ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ كَثِيرَةٌ) كَنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا قُبِضَ النَّبِيُّ - ﵇ - حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] مَنْسُوخًا بِالسُّنَّةِ وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ نَسْخُ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: - ﵇ - «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» . الْحَدِيثَ) .
مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ أَشَقَّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كُلُّ مَنْ عَلَيْهِ الصِّيَامُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْفِدْيَةِ ثُمَّ صَارَ الصَّوْمُ حَتْمًا وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمِثْلِ أَوْ الْأَخَفِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ. قُلْنَا الْأَشَقُّ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا؛ لِأَنَّ فِيهِ فَضْلَ الثَّوَابِ مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ وَيُنْسَخُ بِالْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيَانٌ يَجُوزُ بِالْآحَادِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَبْدِيلٌ يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ فَيَجُوزُ بِمَا هُوَ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا أَيْ: بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَخَبَرِ الْآحَادِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. .
(
_________________
(١) [التلويح] - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ مُؤَاخَذَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الِاخْتِصَارِ بِالسُّكُوتِ عَمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَوْرَدَ الزِّيَادَةِ الَّتِي تُغَيِّرُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ: الْأَوَّلِ: زِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَالثَّانِي: زِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى ثَمَانِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ. وَالثَّالِثِ: التَّخْيِيرِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ بَعْدَ التَّخْيِيرِ فِي أَمْرَيْنِ كَمَا يُقَالُ صُمْ أَوْ اعْتِقْ ثُمَّ يُقَالُ صُمْ أَوْ اعْتِقْ أَوْ أَطْعِمْ، وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ تَغْيِيرُ الْأَصْلِ بِحَيْثُ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ أَعْنِي: الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ يُؤْتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَالِاسْتِئْنَافُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ فَرَضْنَا كَوْنَ الْفَجْرِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِرَكَعَاتِهَا الثَّلَاثِ بِخِلَافِ الْمِثَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ إذْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَمَانِينَ جَلْدَةً لَا تَجِبُ إلَّا زِيَادَةُ عِشْرِينَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ لِلثَّمَانِينَ، وَكَذَا لَوْ أَتَى بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَعْنِي: الصَّوْمَ، أَوْ الْإِعْتَاقَ كَانَ كَافِيًا مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِ تَغْيِيرِ الْأَصْلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ وُجُودُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، فَالْمِثَالُ الثَّانِي مُسْتَقِيمٌ إذْ الثَّمَانُونَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فِي أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهَا إقَامَةُ
[ ٢ / ٧٢ ]
وَأَمَّا الْمَنْسُوخُ فَهُوَ إمَّا الْحُكْمُ وَالتِّلَاوَةُ مَعًا قَالُوا وَقَدْ يُرْفَعَانِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ أَوْ بِالْإِنْسَاءِ كَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ - ﵇ - وَالْإِنْسَاءُ كَانَ لِلْقُرْآنِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَإِمَّا الْحُكْمُ فَقَطْ وَإِمَّا التِّلَاوَةُ فَقَطْ وَمَنَعَهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ بِحُكْمِهِ، وَالْحُكْمَ بِالنَّصِّ فَلَا انْفِكَاكَ بَيْنَهُمَا وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ تِلَاوَتُهُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ) كَوَصِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ وَسُورَةِ الْكَافِرِينَ وَنَحْوِهِمَا (وَنَسْخُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ) وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهِ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَهُ (أَيْ: حُكْمَ النَّصِّ) عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدِهِمَا: يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَاهُ. وَالْآخَرِ: بِنَظْمِهِ كَالْإِعْجَازِ وَجَوَازِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَتِهِ لِلْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ
(وَإِمَّا وَصْفُ الْحُكْمِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِمَّا الْحُكْمُ فَقَطْ، وَإِمَّا التِّلَاوَةُ فَقَطْ (فَقَدْ اخْتَلَفُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ أَمْ لَا وَذَكَرُوا أَنَّهَا إمَّا بِزِيَادَةِ جُزْءٍ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، أَوْ شَرْطٍ كَالْإِيمَانِ فِي الْكَفَّارَةِ. وَإِمَّا بِرَفْعِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ كَمَا لَوْ قَالَ فِي «الْعَلُوفَةِ زَكَاةٌ» بَعْدَ قَوْلِهِ «فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» وَهِيَ نَسْخٌ عِنْدَنَا)
أَيْ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ عِنْدَنَا (وَيَجِبُ اسْتِثْنَاءُ الثَّالِثِ إذْ لَا نَقُولُ بِالْمَفْهُومِ) أَيْ: بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ فِي
_________________
(١) [التلويح] الْحَدِّ. وَيَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ بَلْ يَحْصُلُ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَغَايَةُ تَوْجِيهِهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْأَوَّلَيْنِ مَعَ فِعْلِ الثَّالِثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَقَدْ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْلَ الزِّيَادَةِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ فِي انْتِفَاءِ الْحُرْمَةِ عَنْهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمِثَالَ الثَّانِيَ أَعْنِي: زِيَادَةَ عِشْرِينَ عَلَى الثَّمَانِينَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّ الْمِثَالَ الثَّالِثَ نَسْخٌ عِنْدَهُ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُ فِي ضَابِطِ تَغْيِيرِ الْأَصْلِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ وَيَلْزَمُ اسْتِئْنَافُهُ، أَوْ كَانَتْ زِيَادَةُ فِعْلٍ ثَالِثٍ بَعْدَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا كَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى ثَمَانِينَ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ قَدْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ صَارَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ لَوْ فُعِلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُفْعَلُ قَبْلَهَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا. أَوْ كَانَ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلَيْنِ فَزِيدَ فِعْلٌ ثَالِثٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ تَرْكِ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ وَزِيَادَةِ شَرْطٍ مُنْفَصِلٍ فِي شَرَائِطِ الصَّلَاةِ كَاشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ
[ ٢ / ٧٣ ]
الْمَحْصُولِ وَأُصُولِ ابْن الْحَاجِب ذَكَرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ إمَّا بِزِيَادَةِ الْجُزْءِ، أَوْ بِزِيَادَةِ الشَّرْطِ أَوْ بِزِيَادَةِ مَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَقُولُ يَجِبُ اسْتِثْنَاءُ الثَّالِثِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ بِمَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ لَا تَكُونُ نَسْخًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: نَسْخٌ فِي الثَّالِثِ، وَقِيلَ: نَسْخٌ إنْ غَيَّرَتْ الْأَصْلَ حَتَّى لَوْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ وَعِشْرِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ مَثَلًا، وَالتَّخْيِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَ مَا كَانَ فِي الِاثْنَيْنِ كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ) كَانَ فِي الْكِتَابِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَزَادَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمْرًا ثَالِثًا، وَهُوَ الشَّاهِدُ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي لَكِنَّ الْأَخِيرَيْنِ لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ.
اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَوْرَدَ هُنَا ثَلَاثَةَ أَمْثِلَةٍ: فَالْأَوَّلُ: هُوَ زِيَادَةُ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ مَثَلًا، وَهَذَا الْمِثَالُ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ إنْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَالْمِثَالَانِ الْأَخِيرَانِ وَهُمَا زِيَادَةُ عِشْرِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ فَسَّرَ تَغْيِيرَ الْأَصْلِ
_________________
(١) [التلويح] هَذِهِ عِبَارَةُ الْأَحْكَامِ وَفِي مُعْتَمَدِ الْأُصُولِ أَنَّهُ قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ: إنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ مُغَيِّرَةً حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَهَا لَمْ يُجْزِهِ، وَلَزِمَ اسْتِئْنَافُهُ كَانَتْ نَسْخًا، وَإِنْ فَعَلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ يَصِحُّ وَلَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْنَافُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ضَمُّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا، وَقَالَ لَوْ خَيَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ وَاجِبَيْنِ لَكَانَتْ زِيَادَةُ ثَالِثٍ نَسْخًا لِقُبْحِ تَرْكِهِمَا فَظَهَرَ أَنَّ فِي نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ خَلَلًا بَيِّنًا. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فُسِّرَ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ. (قَوْلُهُ: فَتَرْفَعُ أَجْزَاءَ الْأَصْلِ) قِيلَ: مَعْنَى الْإِجْزَاءِ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَدَفْعُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالِامْتِثَالُ بِفِعْلِ الْأَصْلِ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَمَا ارْتَفَعَ وَهُوَ عَدَمُ تَوَقُّفِهِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَسْخٌ لِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ مَثَلًا، وَأَيْضًا قِيلَ: إنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ مَعْنَاهُ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُرْتَفِعٍ، وَالْمُرْتَفِعُ وَهُوَ عَدَمُ قِيَامِ غَيْرِهِمَا مَقَامَهُمَا ثَابِتٌ لِحُكْمِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا. (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا الْمُطْلَقُ) يَعْنِي: أَنَّ الْإِطْلَاقَ مَعْنًى مَقْصُودٌ لَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْجَوَازُ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى الْقَيْدِ وَحُكْمُ الْمُقَيَّدِ الْجَوَازُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِدُونِهِ فَثُبُوتُ حُكْمِ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ حُكْمِ
[ ٢ / ٧٤ ]
بِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمَا لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ إنْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ (وَقِيلَ: إنْ صَارَ الْكُلُّ شَيْئًا وَاحِدًا كَانَ نَسْخًا كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ لَا كَالْوُضُوءِ فِي الطَّوَافِ، وَاخْتَارَ الْبَعْضُ قَوْلَ أَبِي الْحُسَيْنِ) وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَأُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُخْتَارَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَهُوَ: أَنَّهُ (لَا شَكَّ أَنَّ الزِّيَادَةَ تُبَدِّلُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ) أَيْ: الشَّيْءُ الْمُبَدَّلُ (حُكْمًا شَرْعِيًّا تَكُونُ نَسْخًا وَإِلَّا نَحْوَ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا أَصْلِيًّا فَلَا. وَلَنَا أَنَّ زِيَادَةَ الْجُزْءِ إمَّا بِالتَّخْيِيرِ فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ مَا كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا أَوْ وَاحِدَ اثْنَيْنِ فَتَرْفَعُ حُرْمَةَ التَّرْكِ، وَإِمَّا بِإِيجَابِ شَيْءٍ زَائِدٍ فَتَرْفَعُ أَجْزَاءِ الْأَصْلِ كَزِيَادَةِ الشَّرْطِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ زِيَادَةُ الْجُزْءِ وَزِيَادَةُ الشَّرْطِ، أَمَّا زِيَادَةُ الْجُزْءِ فَإِنَّمَا تَكُونُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلِ بِالتَّخْيِيرِ فِي اثْنَيْنِ بَعْدَمَا كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا فَالزِّيَادَةُ هُنَا تَرْفَعُ حُرْمَةَ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي بِالتَّخْيِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَ مَا كَانَ الْوَاجِبُ أَحَدَ اثْنَيْنِ فَالزِّيَادَةُ هُنَا تَرْفَعُ حُرْمَةَ تَرْكِ أَحَدِ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ، وَالثَّالِثِ: بِإِيجَابِ شَيْءٍ زَائِدٍ فَالزِّيَادَةُ هُنَا تَرْفَعُ أَجْزَاءَ الْأَصْلِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ الشَّرْطِ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ
_________________
(١) [التلويح] الْآخَرِ فَيَكُونُ نَسْخًا، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُقَيَّدَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِدُونِ الْقَيْدِ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَهُوَ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمَ) أَيْ: لَوْ كَانَ التَّوَقُّفُ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ مُوجِبًا لِكَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرَ شَرْعِيٍّ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ كُلِّ شَيْءٍ، وَحُرْمَةَ تَرْكِهِ يُبْتَنَى عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخَلَفِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ مَعًا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ فَرْضِيَّةُ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ مَثَلًا ثَابِتَةً بِالنَّصِّ، وَحُرْمَةُ تَرْكِهِمَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ، وَأَيْضًا لَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِ حُرْمَةِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ نَفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ حُكْمًا شَرْعِيًّا؟ (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا التَّخْيِيرُ) لَمَّا جَعَلَ الْخَصْمُ التَّخْيِيرَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِخْلَافِ حَتَّى سَوَّى بَيْنَ التَّخْيِيرِ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَشَاهِدٍ مَعَ يَمِينٍ، وَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ أَبْطَلَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّخْيِيرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْ الْأُمُورِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ فِي الِاسْتِخْلَافِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ أَوَّلًا كَالْغُسْلِ مَثَلًا، وَكَالْوُضُوءِ إلَّا أَنَّ الْخَلَفَ جُعِلَ كَأَنَّهُ عَيْنُ ذَلِكَ الْأَصْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعْ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِخْلَافُ نَسْخًا بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ
[ ٢ / ٧٥ ]
أَجْزَاءَ الْأَصْلِ، وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْمَتْنِ كَزِيَادَةِ الشَّرْطِ.
(وَالْكُلُّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّصِّ، وَأَيْضًا الْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ: حُرْمَةَ تَرْكِ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ، وَحُرْمَةَ تَرْكِ أَحَدِ اثْنَيْنِ وَأَجْزَاءِ الْأَصْلِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ. (قَالُوا: حُرْمَةُ التَّرْكِ الَّتِي يَرْفَعُهَا التَّخْيِيرُ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّرْكِ لِهَذَا الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ إنَّمَا كَانَتْ ثَابِتَةً إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ آخَرُ خَلَفًا عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّخْيِيرَ يَرْفَعُ حُرْمَةَ التَّرْكِ، وَهِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهُمْ يَقُولُونَ حُرْمَةُ التَّرْكِ الَّتِي يَرْفَعُهَا التَّخْيِيرُ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّرْكِ لِهَذَا الْوَاجِبِ إنَّمَا كَانَتْ ثَابِتَةً إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ آخَرُ خَلَفًا عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ أَمَّا إذَا كَانَ شَيْءٌ آخَرُ خَلَفًا عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ تَرْكُهُ حَرَامًا فَعُلِمَ أَنَّ حُرْمَةَ تَرْكِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ وَعَدَمُ الْخَلَفِ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ فَكُلُّ حَقٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى عَدَمٍ أَصْلِيٍّ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَحُرْمَةُ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ لَا تَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَرَفْعُهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا.
(فَلِهَذَا) أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّ حُرْمَةَ التَّرْكِ الَّتِي تَرَى فِيهَا التَّخْيِيرَ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (يَثْبُتُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلِ وَمَسْحِ الْخُفِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَكَذَا بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحُسَيْنِ فَنَصُّ الْكِتَابِ أَوْجَبَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِ الْخُفِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَأَيْضًا أَوْجَبَ النَّصُّ
_________________
(١) [التلويح] فَإِنَّهُ نَسْخٌ لِحُرْمَةِ تَرْكِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ أَوَّلًا عَلَى التَّعْيِينِ. (قَوْلُهُ: وقَوْله تَعَالَى ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلَانِ، فَالْوَاجِبُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ رَفْعًا لِذَلِكَ الْوُجُوبِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الِاسْتِشْهَادِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ فَالْمُسْتَشْهَدُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ إفَادَتِهِ انْحِصَارَ الِاسْتِشْهَادِ فِي النَّوْعَيْنِ لَا يَنْفِي صِحَّةَ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ [النساء: ١٥] مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ وَقَدْ فُسِّرَ بِالنَّوْعَيْنِ فَيَلْزَمُ الِانْحِصَارُ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ بَيَانٌ لِجَمِيعِ مَا أُرِيدَ بِالْمُجْمَلِ، وَأَيْضًا قَدْ نَقَلَ الْحُكْمَ عَنْ الْمُعْتَادِ إذْ مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ مِنْ حُضُورِ النِّسَاءِ مَجَالِسَ الْقَضَاءِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ غَايَتَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى انْحِصَارِ الِاسْتِشْهَادِ فِي النَّوْعَيْنِ، وَعَلَى أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّدَيُّنِ لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: فَلَا يُزَادُ التَّغْرِيبُ) بِقَوْلِهِ - ﵇ - «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»، وَالنِّيَّةُ بِقَوْلِهِ - ﵇ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَالتَّرْتِيبُ بِقَوْلِهِ - ﵇ - «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» وَبِقَوْلِهِ - ﵇ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ»، وَالْوَلَاءُ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يُوَالِي
[ ٢ / ٧٦ ]
التَّيَمُّمَ عَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَأَيْضًا النَّصُّ أَوْجَبَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبَيْنَ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ. (قُلْنَا حُرْمَةَ التَّرْكِ تَثْبُتُ بِلَفْظِ النَّصِّ عِنْدَ عَدَمِ الْخَلَفِ لَا بِهِ) أَيْ: لَا بِعَدَمِ الْخَلَفِ يَعْنِي: عَدَمَ الْخَلَفِ لَيْسَ عِلَّةً لِحُرْمَةِ التَّرْكِ بَلْ النَّصُّ عِلَّةٌ لِحُرْمَةِ التَّرْكِ لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ الْخَلَفِ فَيَكُونُ حُرْمَةُ التَّرْكِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْوَاجِبَةِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ حُرْمَةُ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ وَأَيْضًا وُجُوبُهُمَا.
(وَأَيْضًا التَّخْيِيرُ لَيْسَ بِاسْتِخْلَافٍ إذْ فِي الْأَوَّلِ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، وَفِي الثَّانِي الْأَصْلُ لَكِنَّ الْخَلَفَ كَأَنَّهُ هُوَ فَلَا يَكُونُ) أَيْ: الِاسْتِخْلَافُ (نَسْخًا وَإِنْ كَانَ فَفِي الْمَسْحِ وَالنَّبِيذِ ثَبَتَ بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ الِاسْتِخْلَافُ نَسْخًا فَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ثَبَتَ بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ جَائِزٌ عِنْدَنَا.
(وقَوْله تَعَالَى ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَيْ: فَالْوَاجِبُ هَذَا فَيَكُونُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ نَاسِخًا) ثُمَّ أَوْرَدَ الْفُرُوعَ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ عِنْدَنَا وَقَالَ: (فَلَا يُزَادُ التَّغْرِيبُ عَلَى الْجَلْدِ، وَالنِّيَّةُ، وَالتَّرْتِيبُ وَالْوَلَاءُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَهُوَ) أَيْ: الْوُضُوءُ
_________________
(١) [التلويح] فِي وُضُوئِهِ» أَوْ بِقَوْلِهِ - ﵇ - «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» . وَالْوُضُوءُ عَلَى الطَّوَافِ بِقَوْلِهِ - ﵇ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» وَفَرْضِيَّةُ الْفَاتِحَةِ بِقَوْلِهِ - ﵇ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَفَرْضِيَّةُ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ «بِقَوْلِهِ - ﵇ - لِأَعْرَابِيٍّ خَفَّفَ فِي صَلَاتِهِ قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ زِيدَ وُجُوبُ الْفَاتِحَةِ وَالتَّعْدِيلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا تَرْفَعُ أَجْزَاءَ الْأَصْلِ فَلَا تَكُونُ نَسْخًا فَلَا تَمْتَنِعُ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ بِمَعْنَى عَدَمِ الصِّحَّةِ بِدُونِهَا فَإِنَّهَا تَرْفَعُ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَرُبَّمَا يُجَابُ بِأَنَّ خَبَرَ الْفَاتِحَةِ، وَالتَّعْدِيلَ مَشْهُورٌ، وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ هَاهُنَا فَوَاتُ الصِّحَّةِ وَعَدَمُهَا إذْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَإِنْ قُلْت فَهَلَّا زِيدَ تَغْرِيبُ الْعَامِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِيهِ غَرِيبٌ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى وَلِأَنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْفَسَادِ عَلَى مَا مَرَّ. فَإِنْ قُلْت إذَا اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الْفَاتِحَةِ تَكُونُ فَرْضًا لَا مَحَالَةَ فَتَكُونُ فَرْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ. قُلْتُ النِّزَاعُ فِيمَا شُرِعَ فَرْضًا لَا فِيمَا يَقَعُ فَرْضًا كَمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا، وَلَمْ تُشْرَعْ فَرْضًا بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ قُلْت فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْفَاتِحَةُ فَرْضًا، وَوَاجِبًا مَعَ أَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالْوَاجِبَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ لَا قَطْعِيٍّ قُلْتُ فَرْضٌ مِنْ حَيْثُ
[ ٢ / ٧٧ ]