وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ نَحْوُ أَكَلْت الْخُبْزَ، وَشَرِبْت الْمَاءَ)، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ إلَى الْقَرِينَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ الْعَهْدُ ثُمَّ الِاسْتِغْرَاقُ ثُمَّ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ.
(وَمِنْهَا النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فِي جَوَابِ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] وَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلسَّلْبِ الْكُلِّيِّ لَمْ يَسْتَقِمْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] .
(وَلِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ إذَا كَانَ) أَيْ الشَّرْطُ (مُثْبَتًا عَامًّا فِي طَرَفِ النَّفْيِ فَإِنْ قَالَ: إنْ ضَرَبْت رَجُلًا فَكَذَا مَعْنَاهُ لَا أَضْرِبُ رَجُلًا لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْمَنْعِ هُنَا) اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ إمَّا لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْمَنْعِ فَفِي قَوْلِهِ إنْ ضَرَبْت رَجُلًا فَعَبْدِي حُرٌّ الْيَمِينُ لِلْمَنْعِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ لَا أَضَرِبُ رَجُلًا فَشَرْطُ الْبِرِّ أَنْ لَا يَضْرِبَ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ فَيَكُونُ لِلسَّلْبِ الْكُلِّيِّ فَيَكُونُ عَامًّا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ
_________________
(١) [التلويح] مَرْتَبَةٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ قَوْلٌ بِعَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ فَهُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ لِنَفْسِ الْمَاهِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ أَوْ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ كَمَا فِي أَكَلْت الْخُبْزَ، وَشَرِبْت الْمَاءَ فَإِنَّهُ لِلْبَعْضِ الْخَارِجِيِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ، وَهُوَ الْخُبْزُ، وَالْمَاءُ الْمُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ، وَهُوَ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ كَذَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُونَ وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ مَا لَمْ يُسْبَقْ ذِكْرُهُ كَقَوْلِك لِلْغُلَامِ قَدْ دَخَلْت الْبَلَدَ، وَتَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ سُوقًا أَدْخُلُ السُّوقَ إشَارَةً إلَى سُوقِ الْبَلَدِ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مَعْهُودٌ خَارِجِيٌّ لِكَوْنِهِ إشَارَةً إلَى مُعَيَّنٍ. (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] أَيْ الَّذِي سَرَقَ، وَاَلَّتِي سَرَقَتْ نَبَّهَ بِالْمِثَالَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّامِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِنْ حَرْفِ التَّعْرِيفِ، وَاسْمُ الْمَوْصُولِ مَعَ مَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ الصِّيغَةِ لِلْعُمُومِ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا) أَيْ، وَمِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ النَّكِرَةُ الْوَاقِعَةُ فِي مَوْضِعٍ، وَرَدَ فِيهِ النَّفْيُ بِأَنْ يَنْسَحِبَ عَلَيْهَا حُكْمُ النَّفْيِ فَيَلْزَمُهَا الْعُمُومُ ضَرُورَةَ أَنَّ انْتِفَاءَ فَرْدٍ مُبْهَمٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِالنَّكِرَةِ الْوَاحِدُ بِصِفَةِ الْوَاحِدَةِ فَيَرْجِعُ النَّفْيُ إلَى الْوَصْفِ فَلَا تَعُمُّ مِثْلُ مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ أَمَّا إذَا كَانَتْ مَعَ مِنْ ظَاهِرَةٍ أَوْ مُقَدَّرَةٍ كَمَا فِي مَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ فَهُوَ لِلْعُمُومِ قَطْعًا، وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ إنَّ قِرَاءَةَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] بِالْفَتْحِ تُوجِبُ الِاسْتِغْرَاقَ، وَبِالرَّفْعِ تُجَوِّزُهُ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]
[ ١ / ١٠١ ]
الشَّرْطُ مُثْبَتًا حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّرْطُ مَنْفِيًّا لَا يَكُونُ عَامًّا كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَضْرِبْ رَجُلًا فَعَبْدِي حُرٌّ فَمَعْنَاهُ أَضْرِبُ رَجُلًا فَشَرْطُ الْبِرِّ ضَرْبُ أَحَدٍ مِنْ الرِّجَالِ فَيَكُونُ لِلْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ.
(وَكَذَا
_________________
(١) [التلويح] اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، وَتَبْكِيتٍ بِمَعْنَى أَنْزَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَأَنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ فَهُوَ إيجَابٌ جُزْئِيٌّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الشَّيْءِ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ ضَرُورَةً، وَقَدْ قُصِدَ بِهِ إلْزَامُ الْيَهُودِ، وَرُدَّ قَوْلِهِمْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْبَشَرِ شَيْئًا مِنْ الْكُتُبِ عَلَى أَنَّهُ سَلْبٌ كُلِّيٌّ لِيَسْتَقِيمَ رَدُّهُ بِالْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ إذْ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ لَا يُنَافِي السَّلْبَ الْجُزْئِيَّ مِثْلُ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْضَ الْكُتُبِ عَلَى بَعْضِ الْبَشَرِ، وَلَمْ يُنَزِّلْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ الْإِيجَابُ، وَالسَّلْبُ دُونَ الْمُوجِبَةِ، وَالسَّالِبَةِ لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ، وَالْبَعْضِيَّةَ هُنَا لَيْسَتْ فِي جَانِبِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بَلْ فِي مُتَعَلِّقَاتِ الْحُكْمِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ قَوْلَنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ إجْمَاعًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَدْرُ الْكَلَامِ نَفْيًا لِكُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ لَمَا كَانَ إثْبَاتُ الْوَاحِدِ الْحَقِّ تَعَالَى تَوْحِيدًا، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى هَذَا التَّقْرِيرِ قَالَ: وَلِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ دُونَ أَنْ يَقُولَ، وَلِقَوْلِنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنْ قُلْت لِمَا فَسَّرْت الْإِلَهَ بِالْمَعْبُودِ بِحَقٍّ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيْضًا اسْمٌ لِلْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قُلْت مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَمٌ لِلْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ الْمَوْجُودِ الْبَارِي لِلْعَالَمِ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ خَاصٌّ مِنْ مَفْهُومِ الْإِلَهِ لَا أَنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ كَالْإِلَهِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَاهُنَا بَدَلٌ مِنْ اسْمِ لَا عَلَى الْمَحَلِّ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَا إلَهَ مَوْجُودٌ فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ قُلْت هَلَّا قَدَّرْت فِي الْإِمْكَانِ، وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ قُلْت لِأَنَّ هَذَا رَدٌّ لِخَطَأِ الْمُشْرِكِينَ فِي اعْتِقَادِ تَعَدُّدِ الْإِلَهِ فِي الْوُجُودِ، وَلِأَنَّ الْقَرِينَةَ، وَهِيَ نَفْيُ الْجِنْسِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ دُونَ الْإِمْكَانِ، وَلِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ بَيَانُ وُجُودِهِ، وَنَفْيُ إلَهٍ غَيْرِهِ، لَا بَيَانُ إمْكَانِهِ، وَعَدَمِ إمْكَانِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغًا، وَاقِعًا مَوْقِعَ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى نَفْيِ الْوُجُودِ عَنْ آلِهَةٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْيِ مُغَايَرَةِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ إلَهٍ. (قَوْلُهُ: وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ) يُرِيدُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي مِثْلِ إنْ فَعَلْت فَعَبْدُهُ حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ لِلْيَمِينِ عَلَى تَحَقُّقِ نَقِيضِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مُثْبَتًا مِثْلُ إنْ ضَرَبْت رَجُلًا فَكَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِلْمَنْعِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك، وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا مِثْلُ إنْ لَمْ أَضْرِبْ رَجُلًا فَكَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِلْحَمْلِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك، وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ رَجُلًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي الشَّرْطِ الْمُثْبَتِ خَاصٌّ يُفِيدُ الْإِيجَابَ الْجُزْئِيَّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي جَانِبِ النَّقِيضِ لِلْعُمُومِ، وَالسَّلْبِ الْكُلِّيِّ، وَالنَّكِرَةُ فِي الشَّرْطِ الْمَنْفِيِّ عَامٌّ يُفِيدُ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي
[ ١ / ١٠٢ ]
النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ) عِنْدَنَا نَحْوُ لَا أُجَالِسُ، إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ عَالِمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُ فِي مَعْرَضِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ عَامَّةً لَمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ.
وَلِأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْمُشْتَقِّ تَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْمَأْخَذِ فَكَذَا النِّسْبَةُ إلَى الْمَوْصُوفِ بِالْمُشْتَقِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَالِسُ إلَّا عَالِمًا مَعْنَاهُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَيَعُمُّ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَالِسُ إلَّا عَالِمًا لِعُمُومِ الْعِلَّةِ، وَمَعْنَاهُ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَإِنْ أَظْهَرْنَا الْمَوْصُوفَ، وَهُوَ الرَّجُلُ، وَنَقُولُ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا كَانَ عَامًّا أَيْضًا.
(فَإِنْ قِيلَ النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ مُقَيَّدَةٌ، وَالْمُقَيَّدُ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ قُلْنَا هُوَ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَعَامٌّ مِنْ وَجْهٍ)
_________________
(١) [التلويح] جَانِبِ النَّقِيضِ لِلْخُصُوصِ، وَالْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ فَظَهَرَ أَنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ لَيْسَ إلَّا عُمُومُ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ)، وَهِيَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِفَرْدٍ، وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ النَّكِرَةِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَإِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مِمَّا يَخْتَصُّ وَاحِدًا دُونَ وَاحِدٍ مِنْ الرِّجَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا يَدْخُلُ دَارِهِ وَحْدَهُ قَبْلَ أَحَدٍ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى فَرْدٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى عُمُومِهَا لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ الِاسْتِعْمَالُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] لِلْقَطْعِ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ فِي كُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ قَوْلٍ مَعْرُوفٍ مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَعَ فِي مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ عَامٌّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ عَامٌّ، فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ فَيَجِبُ عُمُومُ الْعِلَّةِ لِيُلَائِمَ عُمُومَ الْحُكْمِ، وَفِي هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الْخَبَرِ أَوْ بِكَلِمَةِ أَيْ أَوْ بِالنَّكِرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ النَّفْيِ الثَّانِي أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ سَوَاءٌ ذُكِرَ مَوْصُوفُهُ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَأْخَذَ اشْتِقَاقِ الْوَصْفِ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ قَالَ الصِّفَةُ، وَالْمَوْصُوفُ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَعُمُومُهَا عُمُومُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا يَحْنَثُ بِمُجَالَسَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا لَمْ يَحْنَثْ بِمُجَالَسَةِ عَالِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَقَدْ يُقَالُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ فَحُكْمُهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَهَذِهِ النَّكِرَةُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عَامَّةٌ لِوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا أُجَالِسُ رَجُلًا عَالِمًا، وَلَا رَجُلًا جَاهِلًا، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي مِثْلِ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا، وَالْوَجْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قَالَ إنَّ النَّكِرَةَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ فَالِاسْتِثْنَاءُ
[ ١ / ١٠٣ ]
أَيْ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الْقَيْدُ عَامٌّ فِي إفْرَادِ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْقَيْدُ.
(وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصٌّ لَكِنَّهَا تَكُونُ مُطْلَقَةً إذَا كَانَتْ فِي الْإِنْشَاءِ)، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] .
(وَيَثْبُتُ بِهَا وَاحِدٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ السَّامِعِ
_________________
(١) [التلويح] بِاسْمِ الشَّخْصِ فَيَتَنَاوَلُ، وَاحِدًا، وَإِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً فَالِاسْتِثْنَاءُ بِصِفَةِ النَّوْعِ فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَثْنًى، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ فِي النَّكِرَةِ مَعْنَى الْوِحْدَةِ، وَالْجِنْسِيَّةِ فَيَكُونُ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا مَعْنَاهُ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا فَيَحْنَثُ بِمُجَالَسَةِ رَجُلَيْنِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهَا قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا إلَى مُجَرَّدِ الْجِنْسِيَّةِ دُونَ الْوَحْدَةِ فَلَا يَخْتَصُّ بَعْضُ الْأَفْرَادِ كَمَا إذَا وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَالْحُكْمُ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِكُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْوَصْفُ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْوَصْفِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَصْدَ فِي مِثْلِ تَمْرَةٍ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَأُكْرِمُ رَجُلًا لَا امْرَأَةً إلَى الْجِنْسِ دُونَ الْفَرْدِ، وَلَا كُلَّ وَصْفٍ يَصْلُحُ قَرِينَةً لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي مِثْلِ لَقِيت رَجُلًا عَالِمًا وَوَاللَّهِ لَأُجَالِسَنَّ رَجُلًا عَالِمًا، وَيَحْصُلُ الْبِرُّ بِمُجَالَسَةِ وَاحِدٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّفْيِ قَدْ تَعُمُّ بِحَسَبِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُ يَكْثُرُ فِي النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِوَصْفٍ عَامٍّ. (قَوْلُهُ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ وَعَامٌّ مِنْ وَجْهٍ) فَإِنْ قُلْت قَدْ صُرِّحَ فِيمَا سَبَقَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ خَاصًّا، وَعَامًّا مِنْ حَيْثِيَّتَيْنِ قُلْت لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْخَاصِّ هَاهُنَا الْخَاصَّ الْحَقِيقِيَّ أَعْنِي مَا وُضِعَ لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ أَوْ لِوَاحِدٍ بَلْ الْإِضَافِيُّ أَيْ مَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظًا آخَرَ لَا لِمَجْمُوعِهِ فَيَكُونُ أَقَلَّ تَنَاوُلًا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى خُصُوصِهِ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] كُلٌّ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا كَمَا يُطْلَقُ الْعَامُّ عَلَى اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ مُسَمَّيَاتِهِ مِثْلُ الْعَشَرَةِ. (قَوْلُهُ، وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) أَيْ النَّفْيُ، وَالشَّرْطُ الْمُثْبَتُ، وَالْوَصْفُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ تَخُصُّ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْفَرْدِ فَلَا تَعُمُّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْعُمُومَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّكِرَةَ الْمُصَدَّرَةَ بِلَفْظِ كُلٍّ مِثْلُ أُكْرِمُ كُلَّ رَجُلٍ، وَالنَّكِرَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ بِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤]، وَقَوْلُهُمْ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَاقِعَةٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَعَ أَنَّهَا عَامَّةٌ ثُمَّ النَّكِرَةُ إذَا كَانَتْ خَاصَّةً فَإِنْ، وَقَعَتْ فِي الْإِنْشَاءِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ تَدُلُّ عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لِأَمْرٍ زَائِدٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فَإِنَّهُ إنْشَاءٌ لِلْأَمْرِ بِمَنْزِلَةِ صِيَغِ الْعُقُودِ مِثْلُ بِعْت، وَاشْتَرَيْت، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْأَخْبَارِ مِثْلُ رَأَيْت رَجُلًا فَهِيَ لِإِثْبَاتِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ
[ ١ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التلويح] مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّعَيُّنِ عِنْدَ السَّامِعِ، وَجَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى قَيْدِ الْوَحْدَةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ تَعَرُّضِ الْمُطْلَقِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَعْنَى ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ذَبْحُ بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَعْنَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إعْتَاقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ أَوْ فَرْدٌ مِنْهَا أَوْ مَا صَدَقَتْ هِيَ عَلَيْهِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِالشَّائِعِ فِي جِنْسِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لِحِصَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ الْحِصَصُ كَثِيرَةٌ مِمَّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ وَالْخَبَرِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ لَا يُرِيدُونَ شُمُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ حَتَّى يَجِبَ فِي مِثْلِ أَعْطِ الدِّرْهَمَ فَقِيرًا صَرْفُهُ إلَى كُلِّ فَقِيرٍ، وَفِي مِثْلِ ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ذَبْحُ كُلِّ بَقَرَةٍ وَفِي مِثْلِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] تَحْرِيرُ كُلِّ رَقَبَةٍ بَلْ الْمُرَادُ الصَّرْفُ إلَى فَقِيرٍ أَيِّ فَقِيرٍ كَانَ، وَكَذَا الْمُرَادُ ذَبْحُ بَقَرَةٍ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَيِّ رَقَبَةٍ كَانَتْ فَإِنْ سُمِّيَ مِثْلُ هَذَا عَامًّا فَعَامٌّ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا مِثْلَ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا عَامًّا مَعَ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنْ جُعِلَ مُسْتَغْرِقًا فَكُلُّ نَكِرَةٍ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا جِهَةَ لِلْعُمُومِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً) لَمَّا أَبْحَرَ الْكَلَامُ إلَى ذِكْرِ النَّكِرَةِ، وَإِفَادَتِهَا الْعُمُومَ، وَالْخُصُوصَ أَرْدَفَهُ بِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالْعَكْسِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا أُعِيدَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ كَيْفِيَّتِهِ مِنْ التَّنْكِيرِ، وَالتَّعْرِيفِ أَوْ بِدُونِهَا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ هُوَ اللَّامَ أَوْ الْإِضَافَةَ لِتَصِحَّ إعَادَةُ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً، وَبِالْعَكْسِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا إمَّا أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً أَوْ مَعْرِفَةً، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إمَّا أَنْ يُعَادَ نَكِرَةً أَوْ مَعْرِفَةً فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، وَحُكْمُهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الثَّانِي فَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُنَاسِبُ هُوَ التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ مَعْهُودًا سَابِقًا فِي الذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَةً فَهُوَ الْأَوَّلُ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي اللَّامِ أَوْ بِالْإِضَافَةِ، وَذَكَرَ فِي الْكَشْفِ أَنَّهُ إنْ أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ نَكِرَةً فَالثَّانِي مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ وَإِلَّا فَعَيْنُهُ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ، وَالنَّكِرَةُ تَتَنَاوَلُ الْبَعْضَ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ، وَمَثَّلَ لِإِعَادَةِ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً بِقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنَا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الْأَيَّامُ أَنْ يُرْجِعْنَ قَوْمًا كَاَلَّذِي كَانُوا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الثَّانِيَ عَيْنُ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ بَلْ الْعَهْدُ هُوَ الْأَصْلُ، وَعِنْدَ تَقَدُّمِ الْمَعْهُودِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ عَيْنَهُ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ هُوَ الْمُرَادَ الْأَوَّلَ، وَالْجُزْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ إعَادَةَ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً مَعَ مُغَايَرَةِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ
[ ١ / ١٠٥ ]
إذَا كَانَتْ فِي الْأَخْبَارِ نَحْوُ رَأَيْت رَجُلًا فَإِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، وَإِذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ الْعَهْدُ، وَالْمَعْرِفَةُ إذَا أُعِيدَتْ فَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ إذَا أُعِيدَتْ الْمَعْرِفَةُ نَكِرَةً كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ فَالْمُعْتَبَرُ نَكِيرُ الثَّانِي، وَتَعْرِيفُهُ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا تَأْكِيدٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ مَرَّتَيْنِ يَجِبُ أَلْفٌ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ مُنَكَّرًا يَجِبُ أَلْفَانِ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ
_________________
(١) [التلويح] الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَخُلُوُّ الْمَقَامِ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَإِلَّا فَقَدْ تُعَادُ النَّكِرَةُ نَكِرَةً مَعَ عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] يَعْنِي قُوَّةَ الشَّبَابِ، وَمِنْهُ بَابُ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وَقَدْ تُعَادُ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً مَعَ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وَقَدْ تُعَادُ الْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً مَعَ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وَقَدْ تُعَادُ الْمَعْرِفَةُ نَكِرَةً مَعَ عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦]، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ هَذَا الْعِلْمُ عِلْمُ كَذَا، وَكَذَا، وَدَخَلْت الدَّارَ فَرَأَيْت دَارًا كَذَا، وَكَذَا، وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ. (قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِثْلُ النَّكِرَةِ فِي حَالَتَيْ الْإِعَادَةِ مَعْرِفَةٌ، وَالْإِعَادَةُ نَكِرَةٌ فِي أَنَّهَا إنْ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَ غَيْرُهُ، وَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَةُ الْمَتْنِ تَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ بِأَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ كَالنَّكِرَةِ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً، وَإِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ كَالنَّكِرَةِ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فَسَّرَهُ فِي الشَّرْحِ بِمَا ذَكَرْنَا دَفْعًا لِذَلِكَ التَّوَهُّمِ. (قَوْلُهُ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ») مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - ﵃ -، وَرُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ خَرَجَ إلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا، وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ»، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ فِي النَّكِرَةِ بِخِلَافِ الْمَعْرِفَةِ فَتَنْكِيرُ يُسْرًا لِلتَّفْخِيمِ أَوْ لِلْأَفْرَادِ، وَتَعْرِيفُ الْعُسْرِ لِلْعَهْدِ أَيْ الْعُسْرِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَوْ الْجِنْسِ أَيْ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَيَكُونُ الْيُسْرُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْعُسْرِ، وَقَدْ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِيهِ نَظَرٌ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ هَاهُنَا تَأْكِيدٌ لِلْأُولَى لِتَقْرِيرِهَا فِي النَّفْسِ، وَتَمْكِينِهَا فِي الْقَلْبِ لِأَنَّهَا تَكْرِيرٌ صَرِيحٌ لَهَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْيُسْرِ كَمَا لَا يَدُلُّ قَوْلُنَا إنَّ مَعَ زَيْدٍ كِتَابًا أَنَّ مَعَ زَيْدٍ كِتَابًا عَلَى أَنَّ مَعَهُ كِتَابَيْنِ
[ ١ / ١٠٦ ]