مِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةِ كلٍّ مِن التمذهبِ والتعصبِ، نجد أنَّهما يجتمعانِ في: أن كلًّا منهما أخذٌ لمذهبِ إمامٍ معيَّنٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ.
ويفترقُ التمذهبُ والتعصبُ في الآتي:
أولًا: التمذهبُ أسبقُ وجودًا مِنْ التعصب المذهبي؛ إذ الذي ولّد
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٥٤).
[ ١ / ١٣١ ]
التعصبَ المذهبي هو التمذهب، فالتعصبُ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ؛ لأنَّ ممارسةَ المتمذهبين في بعضِ العصورِ هي التي أَظهرت التعصَّبَ المذهبيَّ.
يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "اعتيادُ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبّما يكسبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ غيرِ مذهبِه" (^١).
ثانيًا: ليس في التمذهب إعراضٌ عن الأدلةِ أو هدمٌ لها، متى ما أُحِسنَ تطبيقُه، بخلافِ التعصّبِ، فإنَّه هادمٌ للدليل؛ فتَجِدُ المتعصبَ يقفُ موقفَ الهادمِ لدليلِ المخالفِ لَمذهبه؛ لمجرَّد المخالفة، أو يقفُ موقفَ الرادِّ للدليلِ.
فردُّ الدليلِ المخالفِ للمذهبِ، أو تأويله تأويلًا بعيدًا؛ لمجرّدِ مخالفتِه للمذهبِ مِن التعصبِ، وليس مِنْ حقيقةِ التمذهبِ.
ثالثًا: يؤديْ التعصبُ إلى تفريقِ المسلمينَ، وإحداثِ النزاع والشقاقِ بينهم، أمّا التمذهبُ، فليس كذلك.
رابعًا: قد يكونُ البقاءُ على المذهبِ؛ لأجلِ قوةِ الدليلِ أو لمكانةِ الإمامِ أو لعدم الاطلاع على ما لدى المذاهبِ الأخرى، وقد يكونُ لهوى المتمذهب؛ أمَّا في التعصبِ فنُصْرةُ المذهبِ والبقاءُ عليه؛ للهوى، دونَ اعتبارٍ للدلَيلِ.
يقولُ ابنُ القيّمِ: "أمّا المتعصبون، فإنَّهم عكسوا القضيةَ، ونظروا في السنةِ: فما وافق أقوالَهم منها قَبلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردِّه أو ردّ دلالته " (^٢).
وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والتعصبِ، نَجِدُ أنَّهما يصدقانِ على المتمذهبِ الذي يتعصبُ لمذهبِه ولأقوالِ إمامِه.
_________________
(١) الموافقات (٣/ ١٣١ - ١٣٢).
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٤٣).
[ ١ / ١٣٢ ]
وينفرد التمذهبُ عن التعصبِ في الآتي:
الأول: المجتهدُ الذي ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ، دونَ تعصبٍ لرأي إمامِه.
الثاني: المتمذهبُ الذي يخرجُ عن رأي إمامِه؛ لمخالفتِه الدليل.
الثالث: المتمذهبُ الذي يأخذُ برأي إمامِه، دونَ أنْ يظهرَ عليه أثرٌ مِنْ آثارِ العصبيةِ لمذهبِه.
وكل المتعصبين لمذاهبِهم هم متمذهبون، فالتعصبُ تمذهبٌ وزيادةٌ، وهذه الزيادة ليستْ مِنْ حقيقةِ التمذهبِ (^١).
وبناءً على ما سَبَقَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتعصبِ هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ.
* * *
_________________
(١) فإن قال قائل: ينفرد التعصب عن التمذهب في الشخص الذي يتعصب لعالمه الذي لا ينتمي لمذهب معين، فالجواب: حقيقة صنيع المتعصب في هذه الحال أنه متمذهب.
[ ١ / ١٣٣ ]