قبلَ الحديثِ عن نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ المفهومِ، أُمهدُ ببيانِ أقسامِ المفهومِ.
ينقسمُ المفهومُ (^١) قسمين:
القسم الأول: مفهوم الموافقة (^٢).
القسم الثاني: مفهوم المخالفة (^٣).
وبناءً على تقسيمِ المفهومِ؛ فإنَّه يندرجُ تحتَ الفرعِ الثاني قسما المفهوم:
القسم الأول: مفهوم الموافقة.
تحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ مفهومَ الموافقةِ حجةٌ عند جماهيرِ العلماءِ، عدا الظاهرية (^٤).
_________________
(١) المفهوم هو: ما فهم من اللفظ في غير محل النطق. وقيل: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدى (٣/ ٦٦)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ٩٢٤).
(٢) مفهوم الموافقة هو: فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده. وقيل: أن يكون المسكوت موافقًا للمنطوق في الحكم. انظر: المستصفى (٢/ ١٩٥)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ٩٣٤).
(٣) مفهوم المخالفة هو: إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه. وقيل: ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٦٩)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٥٣).
(٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٧/ ٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٢/ ٢٢٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٦٧)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨٣).
[ ١ / ٢٥١ ]
ومن الأصوليين مَنْ حكى الإجماعَ على حجيةِ مفهومِ الموافقةِ (^١)؛ لضعفِ خلافِ الظاهريةِ.
ونظرًا لقوةِ مفهومِ الموافقةِ؛ فالذي يظهرُ صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ كلامِه الموافقِ (^٢).
وممَّنْ صرَّحَ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهومِ الموافقةِ أبو عبد الله المقَّريُّ (^٣)، والدكتور يعقوبُ الباحسين (^٤)، والدكتورُ عياض السلمي (^٥).
ولم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على مَنْ مَنَعَ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، بناءً على مفهومِ الموافقةِ.
القسم الثاني: مفهوم المخالفة.
قبلَ الدخولِ في الحديثِ عن صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ كلامِه المخالف، أُمهد ببيانِ أقوالِ الأصوليين في حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشارعِ، فاقولُ:
اختلفَ الأصوليون في حجيةِ مفهوم المخالفةِ في نصوصِ الشارع على قولين:
_________________
(١) انظر: كشف الأسرار للبخاري (١/ ٧٤)، والبحر المحيط (٤/ ١٢).
(٢) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٤).
(٣) انظر: المعيار المعرب (٦/ ٣٧٧). وأبو عبد الله المقري هو: محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي التلمساني، أبو عبد الله الشهر بالمقَّري، كان فقيهًا علامة محققًا أصوليًا حجة نظارًا عابدًا، من فحول المذهب المالكي، وقد تولى قضاء الجماعة بفاس وتلمسان، وحمدت سيرته فيه، من مؤلفاته: القواعد، وحاشية على مختصر ابن الحاجب الفروعي، والحقائق والرقائق في التصوف، توفي سنة ٧٥٦ هـ. انظر ترجمته في: الإحاطة بأخبار غرناطة لابن الخطيب (٢/ ١٩١)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٤٢٠)، ونفح الطيب للمقري (٥/ ٢٥٣)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٣٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٣٢).
(٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٢١١).
(٥) انظر: تحرير المقال (ص/ ٢٤).
[ ١ / ٢٥٢ ]
القول الأول: أن مفهومَ المخالفةِ حجةٌ. وهذا مذهبُ جمهورِ العلماءِ (^١).
القول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ ليس بحجةٍ. وهذا مذهبُ الحنفيةِ (^٢).
ولستُ بصددِ عرضِ المسألةِ مفصَّلةً، فهذا خارجٌ عن البحثِ، وإنَّما القصدُ معرفةُ الخلافِ في حجيةِ مفهومِ المخالفةِ.
إذا جاءَ نصٌّ عن إمامِ المذهب، وكان له مفهومُ مخالفةٍ، فهلْ تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهَومِ؟
اختلفَ العلماءُ في هذه المسألة، وقبل ذكر أقوالهم، أوردُ مثالًا لهذا القسم:
جاءَ في: (مسائل الإمام أحمد بن حنبل) لابنِ هانئ (^٣): أنَّ ابنَ هانئ سألَ الإمامَ أحمدَ عن رجلٍ ادَّعى على رجلٍ مالًا، والمدَّعى عليه ليس عنده شيءٌ، هل يسعُ المدعي أنْ يقدّمَه إلى الحاكمِ؟ فقال الإمامُ أحمدُ: "إنْ كان يعلمُ أنَّ عنده مالًا ما، يؤدي إليه حقَّه، فأرجو أنْ لا يأثمَ" (^٤).
ومفهومُ كلامِ الإمامِ أحمدَ: أنَّه يأثمُ إذا لم يعلمْ أن عنده مالًا (^٥).
_________________
(١) انظر: العدة (٢/ ٤٤٨)، وإحكام الفصول (ص/ ٥١٥)، والتبصرة (ص/ ٢٧٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ١٠٣)، والتحبير (٦/ ٢٩٠٦).
(٢) انظر: أصول السرخسي (١/ ٢٥٥)، وكشف الأسرار للبخاري (٢/ ٢٥٣)، وتيسير التحرير (١/ ١٠١).
(٣) هو: إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، ولد ببغداد سنة ٢١٨ هـ من أصحاب الإمام أحمد، وقد نقل عنه مسائل كثيرة، كان فقيهًا ورعًا دينًا من العلماء العاملين، وقد خدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين، من مؤلفاته: مسائل الإمام أحمد، توفي ببغداد سنة ٢٧٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢٨٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢٤١)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٧٤)، والدر المنضد له (١/ ٦٣).
(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ (٢/ ٣٥) بتصرف يسير.
(٥) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٢).
[ ١ / ٢٥٣ ]
• الأقوال في المسألة:
اختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ على قولين:
القول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ.
وهذا قولُ الحنفيةِ (^١)، وهو وجهٌ عند الحنابلةِ (^٢). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ (^٣)، وقال المرداويُّ عنه: "إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ" (^٤).
واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: إبراهيمُ الحربي (^٥)، وأبو القاسمِ الخرقي (^٦)، وابنُ حامدٍ (^٧)، وأبو الحسنِ اللخمي (^٨)،
_________________
(١) انظر: شرح السير الكبير للسرخسي (١/ ١٧٨)، وتبيين الحقائق للزيلعي (١/ ٢٦)، والتحرير لابن الهمام (١/ ١٠١) مع شرحه تيسير التحرير، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٣٧)، ورد المحتار على الدر المختار له (١/ ٣٦٧).
(٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦)، وصفة الفتوى (ص / ١٥٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).
(٣) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٣).
(٤) التحبير (٨/ ٣٩٦٤).
(٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢). د إبراهيم الحربي هو: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم، أبو إسحاق الحربي البغدادي، أصله من مرو، ولد سنة ١٩٨ هـ كان علامة بارعًا إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالففه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، مميزًا لعلله، قيمًا بالأدب، جماعةً للغة، من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وقد نقل عنه مسائل كثيرة جدًّا، من مؤلفاته: غريب الحديث، ودلائل النبوة، وسجود القرآن، وذم الغيبة، والمناسك، توفي سنة ٢٨٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٥٢٢)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٦٠)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢١٨)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٢٨١)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٥٦)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢١١)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٣٥٢)، والدر المنضد له (١/ ٦٧).
(٦) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٤)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٢).
(٧) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٢٨).
(٨) انظر: القواعد للمقري (١/ ٣٤٩)، وفتاوى البرزلي (١/ ١٠٨). وأبو الحسن اللخمي هو: =
[ ١ / ٢٥٤ ]
وابنُ رشدٍ (^١)، وابنُ عرفةَ (^٢)، وابنُ مفلحٍ (^٣)، وابنُ المبرد (^٤).
ولقائل أنْ يقولَ: لِمَ احتجَّ علماءُ الحنفيةِ بمفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الأئمةِ، ولم يحتجوا به في نصوصِ الشارعِ؟
أجابَ عن هذا ابنُ عابدين (^٥)، فقالَ: "لأنَّ التنصيصَ على الشيءِ في
_________________
(١) = علي بن محمد الربعي، أبو الحسن القيرواني، المعروف باللخمي، نزيل صفاقس، كان فقيهًا مالكيًا فاضلًا دينًا متفننًا، ذا حظ من الأدب والحديث، جيد النظر والفهم، حسن الفقه، تفقه به جماعة من الطلاب من أهل صفاقس، وقد حاز ريالة الفقه في إفريقية جُملةً في وقته، من مؤلفاته: التبصرة، وهو تعليق كبير على المدونة، توفي بصفاقس سنة ٤٧٨ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ١٠٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٠٤)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ٢٥٨)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١١٧)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢١٥).
(٢) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).
(٣) انظر: المصدر السابق. وابن عرفه هو: محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي، أبو عبد الله، ولد بتونس سنة ٧١٦ هـ كان علامةً إمامًا فقهيًا أصوليًا مالكيًا، ومفسرًا لكتاب الله، وأحد المقرئين، من أهل الرسوخ في العلم، عالمًا بالمنطق والبيان والعربية، مشتغلًا بالعلم، حافظًا للمذهب، ضابطًا لقواعده، زاهدًا ورعًا عابدًا، ونعته ابن حجر بأنَّه شيخ الإسلام بالمغرب، من مؤلفاته: مختصر الفقه، والحدود الفقهية، توفي سنة ٨٠٣ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٣١)، وإنباء الغمر لابن حجر (٤/ ٣٣٦)، والمعجم المؤسس له (٢/ ٤٦٠)، والضوء اللامع للسخاوي (٩/ ٢٤٥)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٢٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٦١)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٢٧)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٧٧٣).
(٤) انظر: الفروع (١/ ٤٦).
(٥) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٣٥).
(٦) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي، المعروف بابن عابدين، ولد في دمشق سنة ١١٩٨ هـ ونشأ بها، واشتغل بالعلم، فأمسى من أئمة المذهب الحنفي في زمانه، ومفتي الديار الشامية، كان فقيهًا أصوليًا مقرئًا، شيخ القراء في بلده، له اليد الطولى في العلوم النقلية والعقلية، كان أول أمره يتفقه على المذهب الشافعي، فلزم الشيخ شاكر العقاد، وألزمه بالانتقال إلى المذهب الحنفي، من مؤلفاته: رد المحتار على الدر المختار، وشرح عقود رسم المفتي، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، ونسمات الأسحار على شرح المنار، وحواشٍ على تفسير البيضاوي، توفي في دمشق سنة ١٢٥٢ هـ. انظر ترجمته في: منتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٦٨٠)، والأعلام للزركلي (٦/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٤٥).
[ ١ / ٢٥٥ ]
كلام الشارعِ لا يلزمُ منه أنْ تكونَ فائدتُه النفيَ عمَّا عداه؛ لأنَّ كلامَه معدِنُ البلاغةِ، فقد يكونُ مرادُه غيرَ ذلك، وأمَّا في كلامِ الناسِ: فهو خالٍ عن هذه المزيّةِ، فيُستدلُّ بكلامِهم على المفهومِ؛ لأنَّه المتعارفُ بينهم" (^١).
القول الثاني: لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهوم المخالفةِ.
وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٢)، وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ (^٣). ونسبه أبو عبدِ الله المقَّري إلى المحققين (^٤). واختاره: الخلالُ (^٥)، وأبو عبد الله المقَّري (^٦).
• أدلةُ القولين:
دليلُ أصحابِ القولِ الأولِ: أنَّ الأئمةَ يعرفون اللغةَ العربيةَ، ويميّزون بين ألفاظِها، فتخصيصهم لشيءٍ بالذِّكرِ، لا بُدَّ له مِنْ فائدةٍ، وليس له فائدةٌ إلا اختصاص المنطوقِ بالحُكمِ، ونفيه عن المسكوتِ، ولو لم نقلْ ذلك، لأدَّى إلى أنْ يكونَ تخصيصُ الأئمةِ للشئِ بالذكرِ دونَ غيرِه عبثًا ولغوًا، وهذا بعيدٌ عن مقامِ الأئمةِ (^٧).
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: قد يكونُ المفهومُ غيرَ مرادٍ لإمامِ المذهبِ؛ إمَّا لمجيءِ
_________________
(١) شرح عقود رسم المفتي (ص/ ١٣٨) بتصرف يسير.
(٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٥)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٤٣).
(٤) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨).
(٥) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٤)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٣)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٤).
(٦) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨).
(٧) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٩)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٣)، وفتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).
[ ١ / ٢٥٦ ]
كلامِه جوابًا لسؤالِ سائلٍ، وإمَّا لخروجِه مخرجَ الغالب، وإمَّا لغفلتِه عن المفهومِ، ولهذه الاحتمالاتِ وغيرِها لا يكون المفهوَمُ طريقًا إلى إثباتِ القولِ إلى الإمامِ (^١).
الدليل الثاني: إنْ قَصَد الإمامُ مفهومَ كلامِه ففي الغالبِ، أنَّه سيبينه نصًّا في مقامٍ آخر، فإذا لم يَرِدْ للمفهومِ نصٌّ يُقرره، لم ننسبْه إليه (^٢).
• الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي:
- صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهومِ المخالفةِ متى ما احتفتْ قرينةٌ تدلُّ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ (^٣).
- عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا خلا الكلامُ عن قرينةٍ دالةٍ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ.
وقد رجّحتُ ما سَبَقَ للآتي:
أولًا: أنَّ الأخذَ بمفهومِ المخالفةِ بإطلاقِ في نصوصِ إمام المذهبِ، لا يخلو مِنْ نوعٍ مجازفةٍ، وإنزالٍ للإمامٍ فوقَ منزلتِه.
ثانيًا: أنَّ القرينةَ لها اعتبارٌ في الشرعِ وفي كلامِ الناسِ، لذا اعتبرتُها في الترجيحِ.
• نوع الخلاف:
يظهرُ أن الخلافَ بين القولين خلافٌ معنوي، وقد أشار أبو عبد الله المقَّري إليه، وبيَّن أنَّه يظهرُ أثرُه في المسألتين الآتيتين:
_________________
(١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣)، والقواعد للمقري (١/ ٣٤٨).
(٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣).
(٣) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٢٧)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢١٨).
[ ١ / ٢٥٧ ]
المسألة الأولى: تقليدُ إمامِ المذهب في قولِه المأخوذِ مِنْ طريقِ مفهومِ المخالفةِ (^١).
فمَنْ قال بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، جوَّزَ لغيرِ المجتهدِ تقليدَه فيه؛ لأنَّه قولُه الثابتُ عنه.
ومَنْ قال بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، لم يجوّزْ تقليدَ الإمامِ في مفهومِ كلامِه؛ لانتفاءِ نسبتِه إليه.
المسألة الثانية: الاعتدادُ بالقولِ المأخوذِ مِنْ مفهومِ المخالفةِ في الخلافِ (^٢).
إنْ قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، صارَ المفهوم قولًا له، وينظرُ إليه كنصِّ الإمامِ، فيذكرُ في الخلافِ.
وإنْ قلنا بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على مفهوم المخالفة، لم نعتد به، ولم يذكرْ في الخلاف.
• سبب الخلاف:
قد يظنُّ الناظرُ أن الخلافَ عائدٌ إلى القولِ بحجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ (^٣)، فمَنْ نفى حجيةَ مفهومِ المخالفةِ، نفى القولَ بصحتِه في نصوصِ الأئمةِ.
ومَنْ قال بحجيته في نصوصِ الشرعِ، اختلفَ قولُهم في اعتباره طريقًا لنسبةِ القولِ إلى الأئمةِ.
لكنْ يُعكّرُ على هذا موقفُ علماءِ الحنفيةِ القائلين بعدمِ حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ، وصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهوم المخالفةِ.
_________________
(١) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).
[ ١ / ٢٥٨ ]
ويتصلُ بنسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ مسألةٌ، وهي: على القولِ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ للإمامِ في موضع آخر، فهل تبطلُ دلالةُ مفهوم المخالفةِ حينئذٍ؟
محلُّ الحديثِ في هذه المسألةِ عند القائلين بصحة نسبة القول إلى إمام بناءً على مفهوم المخالفة.
مثال ذلك: جاءَ عن الإمامِ أحمدَ بن حنبل، أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ إذا ملكَ أخاه، هل يعتقُ؟ فقال: "إذا ملكَ أباه عَتَقَ" (^١).
فمفهوم هذه الروايةِ أنَّ الرجلَ إذا ملك أخاه لا يعتقُ.
وجاءتْ روايةٌ أخرى عن الإمامِ أحمدَ، تدلَّ على عتقِ الأخِ بالملكِ (^٢).
فمنطوقُ الروايةِ الثانيةِ يعارضُ مفهومَ الروايةِ الأُولى.
• الأقوال في المسألة:
اختلفَ العلماءُ في إبطالِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إذا عارضها منطوقٌ على قولين:
القول الأول: أنَّ دلالةَ المفهومِ تبطل حينئذٍ.
وهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (^٣). ومال إليه ابنُ حامدٍ - ولم يصرحْ باختياره (^٤) - واختاره: ابنُ عابدين (^٥).
_________________
(١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٣)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٣).
(٢) انظر: المصدرين السابقين.
(٣) انظر: صفة القوى (ص/ ١٠٣)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).
(٤) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٤).
(٥) انظر: شرح عقود رسم المفتي (ص/ ١٣٩).
[ ١ / ٢٥٩ ]
القول الثاني: لا تبطلُ دلالةُ المفهومِ إن عارضها منطوق، بلْ تُقَرّ كلتا الدلالتين إنْ جُعل أول قولي إمامِ المذهبِ في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، ويكونُ للإمامِ قولان: أحدهما بالمنطوق، والآخر بالمفهوم.
وهذا القول وجه عند الحنابلة (^١).
• أدلة القولين:
دليل أصحاب القول الأول: أن المنطوقَ أقوى مِن المفهومِ، فإذا تعارضا، قُدِّمَ المنطوقُ؛ لقوتِه (^٢).
دليل أصحاب القول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ كالنصِّ في إفادتِه الحكم، لذا اعتبرناه حجةً في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، فإذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ، قلنا بتقريرِهما؛ لأنَّ كلًّا منهما حجةٌ (^٣).
مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: إنْ سلمنا لكم أن المفهومَ حجةٌ، فهو حجةٌ لكنْ بشرطِ عدمِ مخالفتِه للمنطوقِ؛ وهذا هو المعمولُ به في النصوصِ الشرعيةِ (^٤).
• الموازنة والترجيح:
يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ ببطلانِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إنْ عارضها منطوقٌ؛ وذلك للآتي:
أولًا: أنَّ دلالةَ المنطوقِ أقوى مِن دلالةِ مفهومِ المخالفةِ، ومِن المقررِ أنَّ الأقوى مقدَّمٌ على غيرِه.
ثانيًا: أنَّ نصَّ الإمامِ على خلافِ مفهومِ المخالفةِ قرينةٌ دالةٌ على عدمِ إرادتِه ما دلَّ عليه المفهوم.
_________________
(١) انظر: صفة الفتوى (ص / ١٠٣)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٥)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٤).
(٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣).
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨).
[ ١ / ٢٦٠ ]
• نوع الخلاف:
الخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ
المخالفةِ.
• سبب الخلاف:
أشارَ ابنُ حامدٍ إلى ما يمكنُ اعتبارُه سببًا للخلافِ في المسألةِ، فقالَ: "فأصلُ هذه المسألةِ - تعارض المفهوم والمنطوق - ونظائرها، متعلقٌ بتبنيةِ كلامِ إمامِنا بعضِه على بعضٍ" (^١).
فعلى القولِ ببناءِ كلامِ الإمامِ بعضِه على بعضٍ - كردِّ عامِّه إلى خاصِّه، ومطلقِه إلى مقيدِه - لا يُعملُ بمفهومِ المخالفةِ إذا عارضَ المنطوقَ.
وعلى القولِ بعدمِ البناءِ يعملُ بكلتا الدلالتين: دلالة المنطوقِ، ودلالة مفهوم المخالفة.
* * *
_________________
(١) تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٤).
[ ١ / ٢٦١ ]