المرادُ بمحلِّ التمذهبِ - أو مجال التمذهب -: المسائلُ التي يُمكنُ الأخذُ بها على سبيلِ التمذهبِ، منسوبةً إلى مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ.
مِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةِ التمذهب، يظهرُ لي أنَّ محلَّه هو: المسائلُ الأصوليةُ والفقهيةُ ممَّا يصحُّ فيه الاجتهَادُ.
وذلك لأنَّ التمذهبَ فرعٌ عن الاجتهادِ، فإذا لم يُوجد اجتهادٌ لم يُوجدْ تمذهبٌ.
يقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "المذهبُ: ما يصحُّ فيه الاجتهادُ خاصّةً" (^١).
ومِن المسائل الشرعيةِ العلميةِ والعمليةِ ما هو مقطوعٌ بها، ومنها ما هو مظنونٌ، ومحلُّ التمذهبِ - سواء أكان في الأصولِ، أم في الفروعِ - الأحكامُ المظنونةُ.
وقبلَ ذكرِ المسائلِ التي تدخلُ تحتَ التمذهبِ - في ضوءِ ما قرره الأصوليون في مجالِ الاجتهادِ - أُحِبُّ أن أشيرَ إلى أنّ العلماءَ قد اختلفوا، هل في أصولِ الفقه ما هو ظني؟ (^٢).
_________________
(١) أضواء البيان (٧/ ٥١٧).
(٢) انظر مسألة: (هل في أصول الفقه ما هو ظني؟) في: التلخيص في أصول الفقه للجويني (١/ ١٠٦)، والبرهان (١/ ٧٩)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٤/ ٥٠)، والمحصول =
[ ١ / ٤٠٩ ]
ولنْ أتعرضَ إلى الخلافِ في المسألةِ، لكنَّي سأسيرُ في ضوءِ الاتجاه القائلِ إنَّ مِنْ أصولِ الفقه ما هو ظني؛ لأنَّ هذا هو ما يتفقُ وواقعَ المؤلفاتِ الأصوليةِ حينَ ننظرُ في الخلافِ المذكورِ في بعضِ المسائلِ، والذي يبعدُ معه كونُ كلِّ مسائلِ أصولِ الفقه قطعية.
وقد نصَّ غيرُ واحدٍ مِن الأصوليين على إدخالِ أصولِ الفقهِ في المجتَهَدِ فيه، يقول بدرُ الدين الزركشي: "المجتَهَد فيه: كلُّ حُكْمٍ شرعي عملي أو علمي - يُقصد به العلم - ليس فيه دليلٌ قطعي
والمراد بالعلمي: ما تضمنّه علمُ الأصولِ مِن المظنوناتِ التي يستندُ العملُ إليها" (^١).
ويقولُ الطوفيُّ: "أحكامُ الشريعةِ أقسامٌ منها: أنْ يستندَ إلى دليلٍ ظني - يحتمل النقيضَ احتمالًا قويًا - فهو اجتهادي، كأحكامِ الفروعِ الفقهيةِ، وأكثرِ أصولِ الفقهِ" (^٢).
ويقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: "إنَّ أصولَ الفقهِ لا يُطلبُ لها القطعيات مِن الأدلة؛ إذ كانتْ إلى إثباتِ الأحكامِ أقرب، وعن أصولِ الدينِ أبعد" (^٣).
وحين عَرَض جمعٌ مِن الأصوليين مسألة: (المجتَهَد فيه)، أغفلوا قيدَ: (عملية)؛ بحيثُ تدخلُ المسائلُ العلميةُ - كأصولِ الفقهِ - التي ثبتتْ بدليلٍ غيرِ قاطعٍ في المجتَهَدِ فيه، ومن هؤلاءِ: أبو حامدٍ الغزالي (^٤)، والفخرُ
_________________
(١) = في علم أصول الفقه للرازي (١/ ٨٠)، ونفائس الأصول (١/ ٤٧)، ونهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٨٢٧)، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (٥/ ٩١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٢٢٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦١٦)، والموافقات (١/ ١٧).
(٢) البحر المحيط (٦/ ٢٢٧).
(٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦١٦).
(٤) الواضح في أصول الفقه (٥/ ٣٣١)، وانظر منه: (٤/ ١٨٢).
(٥) انظر: المستصفى (٢/ ٣٩٠).
[ ١ / ٤١٠ ]
الرازي (^١)، والآمديُّ (^٢)، وصفيُّ الدين الهندي (^٣).
وقد يُقالُ: إنَّ بعضَى هؤلاءِ صرَّحَ في موطنٍ آخر بأنَّ أصولَ الفقهِ قطعيةٌ.
وبعد هذا أقول: محلُّ التمذهبِ هو أصولُ الفقهِ والفقهُ (^٤)، ممَّا لم يقمْ عليه دليلٌ قاطعٌ. وهذا يشملُ أمورًا:
أولًا: مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ (^٥).
ممَّا هو محلٌّ للاجتهادِ مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ، وبناءً عليه، فهي محلٌّ للتمذهبِ.
وهذا التقريرُ آنفُ الذكرِ بناءً على أنَّ مِنْ أصولِ الفقهِ ما هو ظني، كحجيةِ القراءةِ الشاذةِ وعملِ أهلِ المدينةِ (^٦) ومفهومِ المخالفةِ وحجيةِ
_________________
(١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٧).
(٢) انظر: الإحكام في أصول الإحكام (٤/ ١٦٤).
(٣) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٧٨٧).
(٤) لم أدخل مسائل أصول الدين التي ثبتت بدليل ظني؛ لأنها خارجة عن مجال بحثي.
(٥) انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٨٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص / ٢٠)، وأبحاث معاصرة في الفقه الإسلامي وأصوله للدكتور محمد منصور (ص/ ٤٠).
(٦) أوضح الدكتور عبد الرحمن الشعلان في كتابه: أصول الإمام مالك (٢/ ١٠٣٩) أنَّ متقدمي أهل العلم لم يعرَّفوا مصطلح عمل أهل المدينة. وقد ذكر عددٌ من الباحثين تعريفات لعمل أهل المدينة، منها: التعريف الأول: ما نقله أهل المدينة من سُننٍ نقلًا مستمرًا عن زمن النبي - ﷺ -، أو ما كان رأيًا واستدلالًا لهم. وهذا تعريف الدكتور أحمد نور سيف في كتابه: عمل أهل المدينة (ص/ ٤٤٣ - ٤٤٤). التعريف الثاني: عمل أهل المدينة عبارة عن أقاويل أهل العلم بالمدينة، بعضه أُجمع عليه عندهم، وبعضه عمل به بعضُ الولاة والقضاة حتى اشتهر، وكله سمي إجماع أهل المدينة، وأنَّ منه ما كان أصله سنة عن النبي - ﷺ -، ومنه ماكان سنة خلفائه الراشدين - ﵃ -، ومنه ما كان اجتهادًا ممن بعدهم. وهذا تعريف الدكتور حسان فلمبان في كتابه: خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة (ص/٩٩ - ١٠٠). =
[ ١ / ٤١١ ]
الاستحسانِ (^١).
ويُلحقُ بالأصولِ القواعدُ والضوابطُ الفقهيةُ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ؛ كقاعدة: (الغالبُ كالمحققِ)، و(الحوالةُ بيعٌ).
يقولُ الطوفيُّ حين مثّلَ للظنيات: "وبعضُ المسائلِ الأصوليةِ، كقولِنا: الأمرُ للوجوبِ والفورِ ونحوِه؛ فإنَّ قائلَ ذلك لا يقطعُ به، بل يترجحُ عند" (^٢).
_________________
(١) = التعريف الثالث: ما اتفق عليه أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وعملوا به، سواءٌ كان توقيفًا، أو رأيًا واستدلالًا لهم. وهذا تعريف الباحث موسى إسماعيل في كتابه: عمل أهل المدينة (ص/ ٢٣٨). التعريف الرابع: ما اتفق عليه العلماء والفضلاء بالمدينة كلهم، أو أكثرهم، في زمن مخصوص، سواء أكان سنده نقلًا، أم اجتهادًا. وهذا تعريف الدكتور عبد الرحمن الشعلان في كتابه: أصول الإمام مالك (ص/ ١٠٤٢).
(٢) عُرِّف الاستحسان بعدة تعريفات، منها: التعريف الأول: دليل ينقدح في نفس المجتهد، تعسر عبارته عنه. ذكر هذا التعريف عددٌ من الأصوليين منسوبًا إلى بعض الحنفية، منهم: أبو حامد الغزالي في: المستصفى (١/ ٤١٣)، والآمديُّ في: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٧)، والزركشي في: البحر المحيط (٦/ ٩٣)، والمرداوي في: التحبير (٨/ ٣٨٢٥). التعريف الثاني: تخصيص القياس بأقوى منه. ذكر هذا التعريف الأسمنديُّ في: بذل النظر (ص/ ٦٤٧)، والآمديُّ في: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٨). التعريف الثالث: العدول في مسألة عن مثل ما حُكِم به في نظائرها إلى خلافه؛ لوجهٍ هو أقوى. وهذا تعريف أبي الحسن الكرخي، كما نسبه إليه جمعٌ من الأصوليين، منهم: أبو إسحاق الشيرازي في: شرح اللمع (٢/ ٩٦٩)، وأبو حامد الغزالي في: المستصفى (١/ ٤١٤)، والأسمنديُّ في: بذل النظر (ص/ ٦٤٧)، والآمديُّ في الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٨). وللتوسع في تعريفات الاستحسان، وما ورد عليها من مناقشات انظر: نظرية الاستحسان في التشريع للدكتور محمد الفرفور (ص/ ٦٠ - ٦٤)، ونظرية الاستحسان لأسامة الحموي (ص/ ٢٥ - ٣١، ٤٩ - ٥٢، ٧٠ - ٧٢)، ورأي الأصوليين في المصالح المرسلة والاستحسان للدكتور زين العابدين محمد النور (٢/ ١٣ - ١٦٧)، والاستحسان للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٤ - ٤١)، والمصلحة المرسلة والاستحسان للدكتور عبد اللطيف العلمي (ص/ ١٣٤ - ١٤١).
(٣) شرح مختصر الروضة (١/ ١٧٤). وقد وصف الآمدي عددًا من المسائل الأصولية بأنها ظنية، انظر على سبيل المثال: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨)، و(٢/ ٨٠ و١١٧).
[ ١ / ٤١٢ ]
ويقولُ الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور عن الأصوليين: "لم نرَهم دوّنوا في أصولِ الفقهِ أصولًا قواطع يُمكنُ توقيف المخالفِ عند جريه على خلافِ مقتضاها، كما فعلوا في أصولِ الدّينِ، بلْ لم نجد القواطعَ إلا نادرةً! مثلُ: ذكر الكليات الضرورية وما عدا ذلك فمعظمُ أصولِ الفقهِ مظنونةٌ" (^١).
ويقولُ الدكتورُ محمدٌ الدسوقي: "مِن المعروفِ أنَّ لبعضِ المذاهب الفقهيةِ أصولًا فقهيةً، يعوَّلُ عليها في استنباطِ الأحكامِ، فالأحنافُ لهَم أصولٌ تختلفُ في بعضِها عن غيرِهم مِن الفقهاءِ، وللإمامِ مالكٍ بعضُ القواعدِ التي يقومُ عليها مذهبُه، كعملِ أهلِ المدينةِ، فضلًا عن أنَّ الفقهاءَ يختلفون حولَ طرقِ الاجتهادِ: كالقياسِ والاستحسانِ فمثلُ هذه القضايا الأصولية ظنيةٌ، وليست قطعيةً، ومِنْ ثمَّ اختلفتْ حولها الآراءُ، وكانت مجالًا للاجتهادِ" (^٢).
ثانيًا: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ نقلي ظني، وهي على ثلاثةِ أنواعِ:
النوع الأول: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، ظني الدلالةِ (^٣).
إذا ثبتَ حكمُ مسألةٍ فقهيةٍ؛ بدليلٍ ظني الثبوتِ، كخبرِ الواحدِ الذي لم تحتفَّ به قرائنُ، وظني الدلالةِ، كالعموم: فإنَّ الحكمَ المستفادَ مِن
_________________
(١) مقاصد الشريعة الإسلامية (٣/ ١٨). وانظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ٧٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٨٩).
(٢) الاجتهاد والتقليد (ص/ ٨٦). وانظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/٢٠).
(٣) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ١٣)، والبحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٦)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٣)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام له (ص/ ٣٤٥)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٤)، =
[ ١ / ٤١٣ ]
الدليلِ يعتبرُ محلًا للاجتهادِ في جانبي: الثبوتِ والدلالةِ، وبناءً عليه يكونُ محلًا للتمذهبِ.
وذلك مثلُ: قولِ النبي - ﷺ -: (لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ) (^١)، فالحديثُ مِنْ جهةِ ثبوتِه ظني، لأنَّه خبرٌ واحدٍ، وكذلك الأمر مِنْ جهةِ دلالتِه على إيجابِ قراءةِ الفاتحةِ على المصلي.
النوع الثاني: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ (^٢).
تكونُ المسائلُ الفقهيةُ الثابتةُ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ، محلًا للاجتهادِ في جانبِ الثبوتِ فحسب، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مِن الدليلِ الظني محلًا للتمذهبِ.
مثال ذلك: قولُ النبي - ﷺ -: (ليس فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ (^٣) صدقةٌ) (^٤)،
_________________
(١) = والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣١٤)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقى (ص/ ٨٨)، ودراسات في الاجتهاد للدكتور عبد المجيد السوسوة (ص/ ٤٠).
(٢) جاء الحديث عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، وأخرجه: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم (ص/ ١٥٧)، برقم (٧٥٦)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: وجوب القراءة في كل ركعة (١/ ١٨٤)، برقم (٣٩٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٧)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٣)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٥)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٨)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/٣١٤).
(٤) الذَّوْد: من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (ذود)، (ص/ ٣٣٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (ذود)، (ص/ ١٧٧)، والقاموس المحيط، مادة: (ذود)، (ص/ ٣٥٩).
(٥) هذا الحديث قطعة من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وأخرجه: البخاريُّ في: صحيحه، =
[ ١ / ٤١٤ ]
فالحديثُ مِنْ جهةِ ثبوتِه ظني؛ لأنَّه غيرُ متواترِ، لكنَّه قطعي في دلالتِه، لأنَّ لفظَ العددِ مِن ألفاظِ النصِّ على الحكمِ، ويكون الحكمُ مجالًا للاجتهادِ في ثبوتِه فقط، دونَ دلالتِه.
النوع الثالث: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوت، ظني الدلالة (^١).
ما ثَبَتَ مِن المسائلِ الفقهيةِ بدليلٍ قطعي الثبوت، ظني الدلالة محلٌّ للاجتهادِ في جانبِ الدلالةِ فقط، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مِن الدليلِ محلًا للتمذهبِ.
أمثلة ذلك:
المثال الأول: عدّةُ المطلقةِ، أهي بالحيضِ، أم بالطهرِ؟ ومردُّ الخلافِ إلى تفسيرِ القُرءِ في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢).
المثال الثاني: الخلافُ في مقدارِ ما يمسحُ مِن الرأسِ في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٣).
_________________
(١) = كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز (ص/ ٢٧٤)، برقم (١٤٠٥)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الزكاة (١/ ٣٤٥)، برقم (٩٧٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٧)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٣)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٥)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٨)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/٣١٤).
(٣) من الآية (٢٢٨) من سورة البقرة.
(٤) من الآية (٦) من سورة المائدة.
[ ١ / ٤١٥ ]
ثالثًا: المسائلُ التي لم يَرِدْ فيها دليلٌ نقلي أصلًا (^١).
مِن النوازلِ ما لم يَرِدْ بشأنِه دليلٌ مِن الكتاب، ولا مِن السنةِ، ولا مِن الإجماعِ، فيُطلبُ حكمُها مِن الأدلةِ الأخرى، كالقياس والاستحسان ونحوهما، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مجالًا للاجتهادِ، وبناءً عليه يكون محلًا للتمذهبِ.