سأبيّنُ المرادَ بالفروعي قبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بينه وبين المتمذهبِ؛ ليتسنى لنا معرفة العلاقةِ بينهما.
الفروعي هو: الشخصُ الحافظ لأحكام الفروع، مِنْ غير معرفةٍ بالأصولِ.
وهذا تعريفُ الموفقِ بنِ قدامة (^٢)، والآمدي (^٣).
وقريبٌ منه ما ذكره عبدُ العزيز البخاري، إذ عرَّفه بأنه مَنْ يحفظُ أحكامَ الفروعِ، ولا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ (^٤).
وقريبٌ مِنْ هذين التعريفين تعريفُ أبي علي الشوشاوي (^٥)، إذ عرفَّه بأنَّه: العالمُ بالفروعِ خاصة، دونَ الأصولِ (^٦).
وهذه التعريفات جميعُها تسير في اتجاهٍ واحدٍ، وتجعلُ للفروعي سمتين:
الأُولى: حفظُ أحكامِ فروعِ المذهب، بمعنى أنَّه يتصورُ المسألةَ، ويعرفُ حكمَها فقط، دونَ أنْ يعرفَ دليلَ الَفرعِ (^٧).
_________________
(١) المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٤).
(٢) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).
(٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨).
(٤) انظر: كشف الأسرار (٣/ ٢٤٠).
(٥) هو: حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الوصيلي الشوشاوي، أبو علي، من علماء القرن التاسع، كان مالكي المذهب، أشعري العقيدة، صالحًا تقيًا، مشهورًا بالعلم والدين واتباع السنة، من مؤلفاته: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب، والأنوار السواطع على الدرر اللوامع، ونوازل في الفقه المالكي، والفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، توفي بتاردنت من سوس آخر القرن التاسع سنة ٨٩٩ هـ. انظر ترجمته في: درة الحجال لابن القاضي (١/ ٢٤٤)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ١٦٣)، وكشف الظنون لحاج خليفة (٢/ ١٢٩٦)، وطبقات الحضيكي (١/ ١٨٩)، ومقدمة تحقيق رفع النقاب (١/ ١٧).
(٦) انظر: رفع النقاب (٤/ ٦٦٧).
(٧) انظر: قواطع الأدلة (٣/ ٣٤٤).
[ ١ / ٣٤٦ ]
والتعريفات وإن لم تنصَّ على أنَّ الفروعَ التي يعرفُها الفروعي داخلةٌ تحتَ مذهبٍ معيّنٍ، إلا أنَّ واقعَ الفروعيين أنَّهم يقتصرون في معرفةِ الفروع على مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ.
الثانية: عدمُ معرفةِ الفروعي بأصولِ الفقهِ.
وقد أطلقَ بعضُ الأصوليين على الفروعي لفظ: (الفقيه)، ومِنْ هؤلاءِ: أبو حامدٍ الغزالي (^١)، والموفق بن قدامة (^٢)، والآمدي (^٣).
ورَفَضَ جمعٌ آخر مِن الأصوليين إطلاقَ لفظِ: (الفقيه) على الفروعي، ومِنْ هؤلاءِ: العبدري (^٤)، والعزُّ بنُ عبد السلام (^٥)، وابنُ الهمام الحنفي (^٦)، وأمير باد شاه (^٧).
يقولُ العبدريُّ: "وإنَّما هي - أيْ: المسائلُ المدونةُ في كتب الفقهِ - نتائجُ الفقهِ، والعارفُ بها فروعي، وإنَّما الفقيه هو: المجتهد الَذي ينتجُ تلك الفروع عن أدلةٍ صحيحةٍ، فيتلقاها منه الفروعي تقليدًا، ويدوِّنُها، ويحفظُها" (^٨).
_________________
(١) انظر: المنخول (ص/ ٣١١).
(٢) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).
(٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣). والعبدري هو: محمد بن محمد بن محمد العبدري الفارسي، أبو عبد الله، المعروف بابن حاج المالكي، كان فقهيًا عالمًا زاهدًا، متمكنًا من معرفة مذهبه، اشتهر بالخير والصلاح، تفقه بالمغرب، ثم سمع الموطأ بالقاهرة، صحب جماعة من المتصوفة، وتخلق بأخلاقهم، وأخذ عنهم الطريقة الصوفية، من مؤلفاته: الأزهار الطيبة النشر، وبلوغ القصد والمنى في خواص أسماء الله الحسنى، والفوائد المنتحلة - وقد وصفه ابن فرحون بأنه كتاب حفيل، جمع فيه علمًا غزيرًا - والمدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة، توفي سنة ٧٣٧ هـ وقد بلغ الثمانين عامًا أو تجاوزها. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٢١)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٢٣٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢١٨)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٥).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣).
(٦) انظر: التحرير (٤/ ١٧٩) مع شرحه تيسير التحرير.
(٧) انظر: تيسير التحرير (٤/ ١٧٩).
(٨) نقل كلامَ العبدري الزركشيُّ في: البحر المحيط (١/ ٢٣).
[ ١ / ٣٤٧ ]
ويظهر لي أنَّ الأقربَ عدمُ إطلاقِ لفظِ: (الفقيه) على الفروعي؛ ولعل مَنْ أطلق عليه لفظ: (الفقيه) اتجه نظرُه إلى حفظِ الفروعي للمسائلِ الفقهيةِ، فناسَبَ مِنْ هذه الجهةِ تسميته بالفقيه؛ لحفظِه للفقه، والمسألةُ - كما هي ظاهرة - لفظيةٌ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.
ويمكنُ القول في بيانِ العلاقة بين المتمذهب والفروعي: إنَّ المتمذهبَ والفروعي يجتمعان في أنَّ كلًّا منهما يلتزمُ أقوالَ إمامٍ معيّنٍ في الفروعِ.
والفرق بينهما يظهر في أنَّ الفروعي يمثلُ طبقةً مِنْ طبقاتِ المتمذهبين - وهي الطبقةُ الدُنيا - إذ المتمذهبون طبقاتٌ، وأدنى هذه الطبقات مَن اكتفى بحفظِ فروعِ مذهبِه مجردةً عن أدلتِها، دونَ معرفةٍ بأصولِ الفقهِ.
وبناءً على ما تقدم آنفًا، فكلُّ فروعي متمذهبٌ، دونَ العكسِ، والنسبة بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ.