النوع الثاني: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ العلمي للمجتهدِ (^٤).
وسأعرضُ أهمَّ الشروطِ المندرجةِ تحتَ هذينِ النوعينِ، مع ذكرِ ما لا يُشترط ممَّا نصَّ الأصوليون على عدمِ اشتراطِه.
النوع الأول: الشروط المتعلقة بالجانب الشخصي للمجتهد:
هناك شروطٌ للاجتهادِ تتعلقُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ، وأهمُّها:
الشرط الأول: العقل (^٥).
_________________
(١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢).
(٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).
(٣) انظر: الموافقات (٥/ ٤١).
(٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب للباحسين (ص/ ٣٢٣).
(٥) انظر في تفسير العقل: التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ١٩٥)، والعدة (١/ ٨٥)، والبرهان (١/ ٩٥)، والبحر المحيط (١/ ٨٥)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢) بحاشية البناني، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٥).
[ ١ / ١٦٣ ]
مِنْ شروطِ الاجتهادِ البدهيةِ: العقلُ، والمرادُ باشتراطِه في المجتهدِ أنْ يكونَ سليمَ الإدراكِ، خاليًا عمَّا يُعْتَبرُ عيبًا فيه؛ كالجنونِ والعتهِ والسفهِ (^١)، فلا يَتَأتَّى الاجتهادُ مِنْ غيرِ العاقلِ.
ولا يُكتفى بالعقلِ الذي يتعلقُ به التكليفُ، بلْ لا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ صحيحَ التمييزِ، جيدَ الفطنة، بعيدًا عن السهوِ (^٢).
ويدلُّ على اشتراطِ العقلِ في المجتهدِ أدلةٌ، منها:
الدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على أنَّ الجنونَ مانعٌ مِن الاجتهادِ (^٣).
الدليل الثاني: أنَّ غيرَ العاقلِ لا يُدْرِكُ علمًا ولا فقهًا، ولا غيره (^٤)، ولا تمييزَ له يهتدي به لما يقولُه حتى يصحَّ نظرُه (^٥).
الشرط الثاني: البلوغ.
لا بُدَّ أنْ يكونَ المجتهدُ بالغًا.
ودليلُ اشتراطِ البلوغِ: أنَّ الصبيَّ غيرُ مكتملِ العقلِ؛ فلا يصحَّ نظرُه (^٦).
وقد ذَهَبَ بعضُ الأصوليين إلى تصوّرِ الاجتهادِ مِن الصبي. يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "إنَّ الصبيَّ، وإنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وتيسَّر عليه دَركُ الأحكام، فلا ثقةَ بنظرِه وطلبِه، فالبالغُ هو الذي يُعْتَمدُ قولُه" (^٧).
_________________
(١) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ١٦٣).
(٢) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩).
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٨٨)، والمفتي في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الربيعة (ص/ ٢٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٩)، والتحبير (٨/ ٣٨٧٠).
(٥) انظر: حاشية البناني على شرح جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢).
(٦) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢) بحاشية البناني.
(٧) البرهان (٢/ ٨٦٩).
[ ١ / ١٦٤ ]
وجَنَحَ بعضُ الأصوليين إلى صحةِ اجتهادِ الصبي! (^١).
الشرط الثالث: الإسلام.
يُعَدُّ اشتراطُ الإسلامِ في المجتهدِ مِن الشروطِ المعلومةِ بداهةً؛ وقد نصَّ عليه طائفةٌ مِن الأصولَيين، في حين أَغْفَلَ ذكرَه كثيرٌ مِنْهم (^٢).
يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "الإسلامُ شرطٌ في المفتي لا محالةَ" (^٣).
ويقولُ الآمديُّ في سياقِ حديثِه عن شروطِ المجتهدِ: "الشرطُ الأولُ: أنْ يعلمَ وجودَ الربِّ تعالى، وما يجبُ له مِن الصفاتِ، ويستحقه مِن الكمالاتِ، وأنَّه واجبُ الوجودِ بذاتِه وأنْ يكونَ مصدِّقًا بالرسولِ، وما جاءَ به الشرعُ المنقولُ" (^٤).
ويدلُّ على اشتراطِ الإسلامِ في الاجتهادِ أدلةٌ، منها:
الدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على اشتراطِ الإسلامِ في المجتهدِ، حكاه ابنُ حمدان، فقالَ عن المجتهدِ: "أمَّا اشتراطُ إسلامِه فبالإجماعِ" (^٥).
الدليل الثاني: أنَّ الإسلامَ شرطٌ لكلِّ العباداتِ، والاجتهادُ عبادةٌ، فلا بُدَّ في صحتِه مِن الإسلامِ (^٦).
ومَعَ ظهورِ اشتراطِ الإسلامِ في المجتهدِ، إلا أنَّ أبا إسحاق الشاطبيَّ
_________________
(١) انظر: المسودة (٢/ ٨٤٢)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٥٧).
(٢) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٢٤).
(٣) المستصفى (٢/ ٣٨٦).
(٤) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢ - ١٦٣). وانظر: الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/١٥٧).
(٥) صفة الفتوى (ص/ ١٣). وانظر: المفتي في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الربيعة (ص/٢٠).
(٦) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٣٦٣)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٥٣).
[ ١ / ١٦٥ ]
قرّرَ صحةَ اجتهادِ الكافرِ في الشريعةِ الإسلاميةِ، يقولُ: "وقد أجازَ النظارُ وقوعَ الاجتهادِ في الشريعةِ مِن الكافرِ المنكرِ لوجودِ الصانعِ والرسالةِ والشريعةِ؛ إذ كانَ الاجتهادُ إنَّما يَنْبَنِي على مقدماتٍ تفْرَضُ صحتها" (^١).
وقد نُوقِشَ رأيُ أبي إسحاقَ الشاطبي مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ:
الوجه الأول: ما الثمرةُ الموجوة لاجتهادِ الكافرِ؟ فهلْ سيقلّدُه المسلمون فيما ذَهَبَ إليه؟ ! وهل سيعملُ بما أدّاه إليه اجتهادُه؟ ! (^٢).
الوجه الثاني: مِنْ شروطِ صحةِ استنباطِ الحكمِ: اعتقادُ صحتِه، أو ظنُّها، والكافرُ لا يعتقدُ صحةَ مقدِّماتِ الحُكمِ - وهي: الكتابُ والسنةُ وما يرجعُ إليهما - التي بَنَى عليها حكمَه (^٣).
الوجه الثالث: يلزمُ مِن الأخذِ برأي أبي إسحاقَ الشاطبي، القولُ بصحةِ آراء المستشرقين، والمنكرين للإسلامِ، ولنبوة النبيِّ - ﷺ -، وهذا باطلٌ قطعًا (^٤).
الشرط الرابع: الملكة (^٥).
يُشْتَرطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ وجودُ الملكةِ الفقهيةِ في العالم، والتي يُعَبّرُ عنها بفقهِ النفسِ (^٦).
_________________
(١) الموافقات (٥/ ٤٨ - ٤٩).
(٢) انظر: تعليق دراز على الموافقات (٥/ ٨٤).
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٢٤).
(٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٢٧)، والبحر المحيط (٦/ ١٩٩).
(٦) انظر: المنخول (ص/ ٤٦٤)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٦). ولابن خلدون كلام جيد في توضيح المراد بالملكة، يقول في مقدمته (٣/ ١٠١٩): "وذلك أنَّ الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلًا. =
[ ١ / ١٦٦ ]
يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني متحدّثًا عن أهميةِ الملكةِ الفقهيةِ: "ثمَّ يُشترطُ: فقهُ النفسِ؛ فهو رأسُ مالِ المجتهدِ، ولا يَتَأتَّى كسبُه؛ فإنْ جُبِلَ على ذلك فهو المرادُ، وإلا فلا يَتَأتَّى تحصيلُه مِن الكتبِ" (^١).
والمرادُ بـ (فقهِ النّفسِ): أنْ يكونَ الفقهُ سجيةً وطبعًا في نفسِ المجتهدِ (^٢)، فيكون شديدَ الفهم بالطَّبع لمقاصدِ الكلامِ (^٣)، وتكون له قدرةٌ على استخراجِ أحكامِ الفقهِ مِنْ أَدلتِها (^٤).
ودليلُ اشتراطِ الملكةِ في المجتهدِ: الاشتقاقُ على القاعدةِ الصرفيةِ؛ لأنَّ الفقيهَ - وهو المجتهد - اسمُ فاعلٍ من (فقُه) - بضم القاف - إذا صار الفقهُ سجيةً له (^٥).
تلك هي أهمُّ شروطِ الاجتهادِ المتعلقةِ بالجانب الشخصي للمجتهدِ، وبقي أنْ أقولَ: إنَّ ثمَّةَ أوصافًا متعلقةً بالجانبِ الشَخصي للمجتهدِ، لا تُشترطُ فيه، وقد نصَّ بعضُ الأصوليين على عدمِ اشتراطِها، وهي:
أولًا: العدالة.
ثانيًا: الذكورية.
ثالثًا: الحرية.
_________________
(١) = وهذه الملكة غير الفهم والوعي؛ لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركًا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العامي الذي لم يحصَل علمًا وبين العالم النحرير، والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون، دون من سواهما، فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي". وانظر: المصدر السابق (٣/ ١٢٨٦ وما بعدها).
(٢) البرهان (٢/ ٨٧٠) بتصرف يسير. وانظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦).
(٣) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٥٩٢).
(٤) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧٠)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٦).
(٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢) بحاشية البناني.
(٦) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٥٩٢)، والفرائد الجديدة للسيوطي (٢/ ٦٧٥).
[ ١ / ١٦٧ ]
أولًا: العدالة.
عُرِّفَتْ العدالةُ بتعريفاتٍ متعددةٍ، ومِنْ أشهرِ التعريفاتِ، أنَّها: ملكةٌ تحملُ صاحبَها على ملازمةِ التقوى والمروءةِ (^١).
وقد ذَهَبَ جمهورُ الأصوليين إلى أنَّ العدالةَ ليستْ مِنْ شروطِ الاجتهادِ في الشريعةِ، فقد يبلغُ الفاسقُ درجةَ الاجتهادِ.
وممَّنْ نصَّ على عدم اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ: أبو بكرٍ الجصاص (^٢)، وإمامُ الحرمين الجويني (^٣)، وأبو المظفرِ السمعاني (^٤)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٥)، والموفقُ بنُ قدامة (^٦)، والطوفيُّ (^٧)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (^٨)، وبدرُ الدينِ الزركشي (^٩)، والمرداويُّ (^١٠)، وجلالُ الدينِ السيوطي (^١١)، وابنُ
_________________
(١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٩)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ٧٦ - ٧٧)، وشرح تنقيح الفصول (ص / ٣٦١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٣)، والبحر المحيط (٣/ ٢٧٣)، والتحبير (٤/ ١٨٥٨)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ٣٨٤).
(٢) انظر: الفصول في الأصول (٤/ ٢٧٣).
(٣) انظر: الغياثي (ص / ٤٠٤)، والبرهان (٢/ ٨٧١).
(٤) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٩).
(٥) انظر: المنخول (ص/ ٤٦٣)، والمستصفى (٢/ ٣٨٢).
(٦) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٦٠).
(٧) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٨).
(٨) انظر: جمع الجوامع (ص / ١١٩).
(٩) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٧٣).
(١٠) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٨٠).
(١١) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٢٥). وجلال الدين السيوطي هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي أو الأسيوطي، أبو الفضل جلال الدين، ولد سنة ٨٤٩ هـ من علماء المذهب الشافعي، وقد ادعى بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق في الشريعة مع انتسابه إلى المذهب الشافعي، كان مكثرًا من التأليف، مشاركًا في كثيرٍ من العلوم، يقول عن نفسه: "رُزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، على طريقة العرب البلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة"، وقد تفرغ بعد سن الأربعين للعبادة والتصنيف، من مؤلفاته: الرد على من أخلد إلى الأرض، والأشباه والنظائر، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، والدر المنثور في التفسير بالمأثور، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، والكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع في أصول الفقه، وشرح الكوكب الساطع، . والجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، والجامع الكبير، والإتقان في علوم القرآن، توفي سنة ٩١١ هـ. انظر ترجمته في: الكواكب السائر للغزي (١/ ٢٢٦)، =
[ ١ / ١٦٨ ]
عبد الشكور (^١).
وقد أشارَ أبو المظفرِ السمعاني إلى الحدِّ الذي يُمكنُ معه صحةُ اجتهادِ الفاسقِ، بقولِه: "اعلمْ أنَّ الثقةَ والأمانةَ في أنْ لا يكونَ متساهلًا في أمرِ الدّينِ، لا بُدَّ منه؛ لأنَّه إذا لم يكنْ كذلك لا يستقصي في النظرِ في الدلائلِ، ومَنْ لا يستقصي النظرَ في الدلائلِ، لا يصلْ إلى المقصودِ.
وأمَّا الذي ذكره الأصحابُ أنَّه لا تُعتبرُ العدالةُ، فيجوز أنْ يكونَ المرادُ ما وراءَ هذا، وأمَّا هذا القدرُ فلا بُدَّ منه" (^٢).
والدليل على عدم اشتراط العدالة: جوازُ تحصيلِ الفاسقِ قوةَ الاجتهادِ؛ باجتماعِ شروطِ الاجتهادِ الباقيةِ فيه (^٣).
وقد ذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ (^٤).
والذي يظهرُ لي أنَّه لا خلافَ بين الأصوليين في عدمِ اشتراطِ العدالةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وأنَّ مرادَ مَنْ قال باشتراطها، اشتراطُها لقَبولِ فتوى
_________________
(١) = والضوء اللامع للسخاوي (٤/ ٦٥)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣١٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٧٤)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٣٣٧)، وجامع كرامات الأولياء للنبهاني (٢/ ٦٢)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).
(٢) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٣٦٤) مع شرحه فواتح الرحموت. وابن عبد الشكور هو: محب الله بن عبد الشكور البهاري الهندي، يلقب بفاضل خان، ولد في كره في الهند، أحد علماء المذهب الحنفي، فقيه وأصولي ومنطقي، اشتهر بالذكاء، وقد تولى القضاء في لكنهو، من مؤلفاته: مسلم الثبوت شرح فواتح الرحموت، وسلم العلوم في المنطق، ورسالة في إثبات أنَّ مذهب الحنفية أبعد عن الرأي من مذهب الشافعية، توفي سنة ١١١٩ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة فواتح الرحموت (١/ ٧)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٥)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص / ٧٠٣)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٦/ ٧٣٩)، والأعلام للزركلي (٥/ ٢٨٣)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٧).
(٣) قواطع الأدلة (٥/ ١٠)، بتصرف يسير.
(٤) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٥) بحاشية البناني، وغاية الوصول للأنصاري (ص / ١٤٨).
(٥) انظر: تقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٢٧)، وجمع الجوامع لابن السبكي (ص/ ١١٩).
[ ١ / ١٦٩ ]
المجتهدِ (^١).
يدلُّ على هذا: كلامُ الأصوليين في الموطنِ الذي يوردونَ فيه شروطَ الاجتهادِ، وذلك بجعلِ الشروطِ - ومنها: العدالة - شروطًا للمفتي، أو بذكرِ شروطِ الاجتهادِ - ومنها: العدالة - وإردافها بأنْ مَن اجتمعتْ فيه، ساغَ له الاجتهادُ والإفتاءُ.
ويدلُّ على الاتفاقِ على عدمِ اشتراطِ العدالةِ في المجتهدِ أمورٌ، منها:
الأمر الأول: لمَّا ساق أبو المظفرِ السمعاني شروطَ الاجتهادِ، ذَكَرَ منها العدالةَ، ثم بيَّنَ أنَّ العدالةَ إنَّما تُعتبرُ في الحكمِ والفتوى، دونَ الاجتهادِ (^٢).
الأمر الثاني: لمَّا ساقَ أبو حامدٍ الغزالي شروطَ الاجتهادِ، ذَكَرَ منها: العدالةَ، ثمَّ أعقبَ ذلك ببيانِ أنَّ العدالةَ شرطٌ لجوازِ الاعتمادِ على فتوى المجتهدِ، أمَّا في اجتهادِه، فليستْ بشرطٍ (^٣).
والأمرانِ السابقانِ يدلانِ على أنَّ مرادَ مَنْ نصَّ على اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ، اشتراطُها في قبولِ فتوى المجتهدِ.
الأمر الثالث: نصَّ جمعٌ مِن الأصوليين على عدمِ وجودِ خلافٍ في المسألةِ، وأنَّ مرادَ مَنْ قال باشتراطِ العدالةِ، اشتراطُها في قبولِ فتوى الفاسقِ.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٦٠)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وإحكام الفصول (ص/ ٧٢٢)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٢).
(٢) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٩).
(٣) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣). ويقول أبو حامد الغزالي في: المنخول (ص / ٤٦٣): "ولا بُدَّ من الورع؛ فلا يصدق الفاسق، ولا يجوز التعويل على قوله".
[ ١ / ١٧٠ ]
يقولُ الشيخُ زكريا الأنصاري (^١): "يُعتبرُ؛ ليُعتمد على قولِه.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لا تخالف بين القولين؛ إذ اعتبار العدالةِ؛ لاعتمادِ قولِه، لا ينافي عدمَ اعتبارِها لاجتهادِه؛ إذ الفاسقُ يعملُ باجتهادِ نفسِه، وإنْ لم يُعْتَمْد قولُه اتفاقًا" (^٢).
وكذلك نفى الخلاف: وليُّ الدين العراقي (^٣)، وجلالُ الدين السيوطي (^٤)، والبنانيُّ (^٥)، وعبدُ الله العلوي (^٦).
_________________
(١) هو: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري المصري، أبو يحيى، ولد بسكينة سنة ٨٢٦ هـ كان إمامًا محققًا متكلمًا فقهيًا أصوليًا منطقيًا، بارعًا في المنقول والمعقول، متمذهبًا بالمذهب الشافعي، عظيم الشأن عن الوالي، من مؤلفاته: لب الأصول، وغاية الوصول شرح لب الأصول، ومنهج الطالبين، وشرح ايساغوجي في المنطق، توفي بالقاهرة سنة ٩٢٦ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٣/ ٢٣٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ١٨٦)، والكواكب السائرة للغزي (١/ ١٩٨)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٢٦٤).
(٢) غاية الوصول (ص/ ١٤٨)، والاتفاق المحكي عائد إلى عدم العمل بفتوى الفاسق.
(٣) انظر: الغيث الهامع (٣/ ٨٧٨).
(٤) انظر: شرح الكوكب الساطع (٢/ ٧٣٨).
(٥) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٥). والبناني هو: عبد الرحمن بن جاد الله أبو زيد البناني المغربي، أحد علماء المذهب المالكي ومحققيه، كان علامةً فهامةً فقيهًا أصوليًا مدققًا محققًا، ماهرًا في المنقول والمعفول، قدم مصر، ودَرَسَ بالجامع الأزهر، ودرَّس برواق المغاربة، وانتفع به الطلاب، وتولى مشيخة رواقهم، لم يتزوج حتى مات، من مؤلفاته: حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع، وحاشية على المقامة التصحيفية، توفي سنة ١١٩٨ هـ. انظر ترجمته في: عجائب الآثار للجبرتي (١/ ٥٨٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٤٢)، والأعلام للزركلي (٢/ ٣٠٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٨٦).
(٦) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٢١). وعبد الله العلوي هو: عبد الله بن الحاج إبراهيم بن أحمد العلوي، أبو محمد الشنقيطي، ولد بعد منتصف القرن الثاني عشر بقرية تججكة بشنقيط، دَرَسَ على علماء قطره، ثم توجه إلى فاس ومراكش بالمغرب، فأقام بهما سنوات، تجرد أربعين سنة لطلب العلم في الصحاري والمدن، وكان مالكي المذهب، ومن علماء عصره البارزين، ومن الأصوليين المعروفين، مشاركًا في الحديث واللغة، من مؤلفاته: مراقي السعود - منظومة في أصول الفقه - ونشر البنود شرح مراقي السعود، ونيل النجاح، ونَوْر الأقاح - منظومة في علم البيان - وفيض الفتاح شرح نور الأقاح، توفي في حدود سنة ١٢٣٠ هـ عن عمرٍ يناهز الثمانين عامًا. انظر ترجمته في: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط للشنقيطي (ص/ ٣٧)، والأعلام للزركلي (٤/ ٦٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٢٢٠).
[ ١ / ١٧١ ]
ثانيًا: الذكورية.
ثالثًا: الحرية.
لا يُشترطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ أنْ يكونَ المجتهدُ ذكرًا، ولا أنْ يكونَ حرًّا؛ فيصحُّ الاجتهادُ مِن المرأةِ، ومِن الرقيقِ (^١).
ويدلُّ على عدم اشتراط الذكورية والحرية في الاجتهاد: رجوعُ الصحابةِ - ﵃ - إلى قولِ عائشة - ﵂ - وإلى قولِ سائرِ أزواجِ النبي - ﷺ -، وقد أخذَ التابعون بقولِ نافع (^٢) - مولى عبد الله بن عمر - ﵄ - وبقولِ عكرمةَ (^٣) - مولى عبد الله بن عباس - ﵄ - قبلَ عتقِهما (^٤).