اختلفَ العلماءُ في تعريفِ الاتباعِ في الاصطلاحِ، ومردُّ ذلك إلى سؤالٍ، وهو: هل هناك فرقٌ بين الاتباعِ والتقليدِ؟
فمَنْ لم يُفَرِّقْ بينهما، عرِّف الاتباعَ بالتقليدِ.
وقد سارَ على هذا الأمرِ كثيرٌ مِنْ الأصوليين.
ويدلُّ عليه: إتيانُ كثيرٍ مِن العلماءِ بلفظةِ: (الاتباع) عند تعريفِهم للتقليدِ (^٤).
إضافةً: إلى عدمِ نصِّ كثيرٍ مِن الأصوليين على التفريقِ بين الاتباعِ والتقليدِ.
وممَّنْ سار على عدم التفرقة بينهما: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (^٥)، وإمامُ الحرمين الجويني (^٦)، وأبو بكرٍ السمرقندي (^٧)،
_________________
(١) انظر: الصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٣)، والقاموس المحيط مادة: (تبع)، (ص/ ٩١١).
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: الصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٧).
(٤) انظر: التقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ٣٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٧٤).
(٦) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤٢٥).
(٧) انظر: ميزان الأصول (٢/ ٩٥٠). وأبو بكر السمرقندي هو: محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي، أبو بكر علاء الدين، من علماء المذهب الحنفي ومحققيه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا جليل القدر، وقد تفقه على أبي اليسر البزدوي، وتفقه عليه الكاساني، من مؤلفاته: تحفة الفقهاء، وميزان الأصول في نتائج العقول، واللباب في الأصول، توفي سنة ٥٥٣ هـ. =
[ ١ / ١١٥ ]
والنسفيُّ (^١)، واللامشيُّ (^٢)، وهو ظاهرُ كلامِ تقي الدين بنِ تيمية (^٣).
وبناءً على عدمِ التفريقِ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فإنَّ الناسَ عند هؤلاءِ: إمَّا مقلدون، وإمّا مجتهدون، ولا يُوجد بينهما واسطةٌ.
فمَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، فهو مقلِّدٌ، لا فرقَ بين العالمِ الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، والعامي الصِرفِ، في انطباقِ وصفِ التقليدِ عليهما.
ويرى آخرون التفريقَ بين الاتباعِ، والتقليدِ:
فالاتّباعُ هو: أخذُ قولِ المجتهدِ؛ مع معرفةِ دليلِ قولِه.
والتقليد: أخذُ القولِ؛ لأنَّ فلانًا قاله، دونَ علمٍ ومعرفةٍ بدليلِ قولِه.
وقد ذَهَبَ إلى التفريق بين الاتباعِ، والتقليدِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ خويز منداد (^٤)،
_________________
(١) = انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٣/ ٦٤، ٨٣)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٥٧)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٢٠٥).
(٢) انظر: كشف الأسرار (٢/ ١٧٢). والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات حافظ الدين، أحد أئمة المذهب الحنفي، عديم النظير في زمانه، علامة الدنيا، ورأس في الفقه وأصوله، بارع في التفسير والحديث ومعانيه، زاهد ورع عامل، من مؤلفاته: التفسير، والمنار في أصول الفقه، والكافي شرح الوافي، وكشف الأسرار شرح المصنف على المنار، وكنز الدقائق، توفي سنة ٧١٠ هـ، وقيل: ٧٠١ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ٢٩٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٢٤٧)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٧٤)، والطبقات السنية للغزي (٤/ ١٥٤)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٣٠)، والأعلام للزركلي (٤/ ١٩٢).
(٣) انظر: كتاب في أصول الفقه (ص/ ٢٠٠). واللامشي هو: محمود بن زيد اللامشي، أبو الثناء، من علماء المذهب الحنفي، كان عالمًا بالفقه والأصول، من مؤلفاته: كتاب في أصول الفقه، وتوفي في أوائل القرن السادس الهجري. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٣/ ٤٣٧)، و(٤/ ٣٤٥)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٩٠).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٥ - ١٦).
(٥) انظر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٣). وابن خويز هو: محمد بن أحمد بن عبد الله - وقيل: ابن علي بن إسحاق - أبو بكر البصري، ويقال: أبو عبد الله، المعروف بابن خويز =
[ ١ / ١١٦ ]
وابنُ عبد البر (^١)، وابنُ القيمِ (^٢)، وابنُ أبي العزِّ الحنفي (^٣)، والشوكاني (^٤).
وقد نَسَبَ ابنُ القيّمِ إلى الإمامِ أحمدَ أنَّه يفرِّق بين التقليدِ والاتباعِ (^٥)؛ أخذًا مِنْ قولِ الإمامِ أحمدَ في روايةِ أبي داودَ: "الاتِّباعُ: أنْ يَتّبعَ الرجلُ ما جاء عن النبي - ﷺ -، وعن أصحابِه، ثمَّ هو بعدُ في التابعين مخيّرٌ" (^٦).
واختارَ التفريقَ بين التقليدِ، والاتباعِ جمعٌ مِن المعاصرين، منهم: الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي (^٧)، والدكتورُ محمد مدكور (^٨)، والدكتورُ عياض السلمي (^٩)، والدكتورُ جبريل ميغا (^١٠)، والأستاذ محمد عيد
_________________
(١) = منداد، ويقال: ابن خواز منداد، من علماء المالكية، وأحد أعلام الأصوليين، له اختيارات في الفقه والأصول خالف فيها مذهبه، وقد وصفه القاضي عياض بأنه لم يكن جيدًا في النظر، ولا بالقوي في الفقه، كان يجانب علم الكلام، وينافر أهله، ويحكم عليهم بأنهم من أهل الأهواء، من مؤلفاته: كتاب كبير في مسائل الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن، توفي سنة ٣٩٠ هـ تقريبًا. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٧٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٦٨٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٥٢)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٢٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٧/ ٣٥٩)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٧٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٠٣).
(٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٨٧).
(٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٤ وما بعدها).
(٤) انظر: الاتباع (ص/٢٣). وابن أبي العز هو: علي بن علي بن محمد بن محمد بن أبي العز الدمشقي الصالحي، صدر الدين أبو الحسن، ولد سنة ٧٣١ هـ فقيه حنفي حافظ، مشارك في عدة فنون، وكان قاضي القضاة بالديار المصرية، ثم بدمشق، تولى التدريس والإفتاء، وكان على عقيد السلف الصالح، من مؤلفاته: التنبيه على مشكلات الهداية، وشرح العقيدة الطحاوية، والاتباع، توفي سنة ٧٩٢ هـ. انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (٣/ ٥٠)، والدرر الكامنة له (٣/ ٨٧)، ووجيز الكلام للسخاوي (١/ ٢٩٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥٥٧).
(٥) انظر: القول المفيد (ص / ١٦١ وما بعدها).
(٦) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩).
(٧) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص/ ٣٦٨).
(٨) انظر: أضواء البيان (٨/ ٥٨١ وما بعدها).
(٩) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/ ٤٣٠).
(١٠) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٧٨).
(١١) انظر: دراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول (ص/ ٧٤٤).
[ ١ / ١١٧ ]
عباسي (^١).
يقولُ ابنُ خوير منداد: "التقليدُ معناه في الشرعِ: الرجوعُ إلى قولٍ لا حجةَ لقائلِه عليه، وهذا ممنوعٌ منه في الشريعةِ؛ والاتّباعُ: ما ثَبَتَ عليه حجةٌ" (^٢).
ويقولُ ابنُ عبدِ البر: "التقليدُ عند العلماءِ غيرُ الاتّباعِ؛ لأنَّ الاتباعَ هو تَتَبّعُ القائلِ على ما بان لك مِنْ فضلِ قولِه، وصحةِ مذهبِه" (^٣).
ويقول ابنُ أبي العزِّ الحنفي: "وإنْ قلَّده - أيْ: قلَّد إمامَه - فيما تبيّنَ له فيه مِن الدليلِ، موافق (^٤) له، فليس ذلك بتقليدٍ له، بلْ يكونُ في ذلك متبِعًا للدليلِ، إلا أنْ ينويَ تقليدَ الإمامِ دونَ متابعةِ الدليلِ" (^٥).
وبناءً على التفريقِ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فالنّاسُ: إمَّا مقلدون، وإمَّا متبعون، وإمَّا مجتهدون.
وليس المقامُ هنا مقامَ استقصاءٍ للخلافِ في معنى الاتباعِ في الاصطلاحِ؛ إذ المسالةُ خارجة عمَّا نحنُ فيه، هذا مِنْ جهةٍ.
ومِنْ جهةٍ أخرى: فالمسالةُ لا تَعْدُو أنْ تكونَ اصطلاحًا، ولا مشاحةَ في الاصطلاحِ، كما هو معلومٌ (^٦).