تعددتْ تعريفاتُ الأصوليينَ للاجتهادِ في الاصطلاح، وهي - في الجملة - متقاربةٌ، وسأعرضُ عددًا مِنْها:
التعريفُ الأولُ: بذلُ الجهدِ في استخراجِ الأحكامِ مِنْ شواهدِها الدالّةِ عليها، بالنظرِ المؤدي إليها.
وهذا تعريفُ أبي المظفرِ السمعاني (^٧).
التعريفُ الثاني: بذلُ المجهودِ في طلبِ العلمِ بأحكامِ الشريعةِ.
وهذا تعريفُ أبي حامد الغزالي (^٨).
وقد ذكره ابنُ قدامةَ مع اختلافٍ يسيرٍ، فعرّفه بأنَّه: بذلُ المجهودِ في العلمِ بأحكامِ الشرعِ (^٩).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٦٣).
(٣) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٥٩).
(٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).
(٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٥).
(٦) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٦٣).
(٧) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ١)
(٨) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢).
(٩) روضة الناظر (٣/ ٩٥٩).
[ ١ / ١٠٩ ]
التعريفُ الثالثُ: استفراغُ الوسعِ في طلب الظنِّ بشيءٍ مِنْ الأحكامِ الشرعيةِ، على وجهٍ يحسُّ مِنْ نفسِه العجزَ عن المَزيدِ عليه.
وهذا تعريفُ الآمدي (^١).
وقد عرَّفَ ابنُ الحاجبِ الاجتهادَ يتعريفٍ قريبٍ مِنْ تعريفِ الآمدي، فعرَّفه بأنَّه: استفراغُ الفقيه الوَسعَ؛ لتحصيلِ ظنٍّ بحكمٍ شرعي (^٢).
التعريفُ الرابعُ: استفراغُ الجهدِ في دَركِ الأحكامِ الشرعيةِ.
وهذا تعريفُ تاجِ الدِّينِ الأرموي (^٣).
واختاره: القاضي البيضاوي (^٤)، إلا أنَّه أبدلَ لفظةَ: (الجهدِ) بـ (الوسعِ).
التعريفُ الخامسُ: استفراغُ الفقيه وسعَه لدَركِ حكمٍ شرعي.
وهذا تعريفُ ابنِ مفلحٍ (^٥)، والمرداوي (^٦)، وابنِ النجارِ (^٧).
التعريفُ السادسُ: بذلُ الوسعِ في نيلِ حكمٍ شرعي عَمَلي، بطريقِ الاستنباطِ.
_________________
(١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).
(٢) مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٠٤).
(٣) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ١٠٠٠). وتاج الدين الأرموي هو: محمد بن الحسين بن عبد الله الأرموي، أبو الفضائل، من تلاميذ الفخر الرازي، كان علامةً متكلمًا أصوليًا بارعًا في العقليات، من فرسان المناظرات، له حشمة وثروة ووجاهة وتواضع، درَّس بالمدرسة الشرفية، من مؤلفاته: الحاصل من المحصول، توفي ببغداد، واختلف في سنة وفاته، فقيل: توفي سنة ٦٥٥ هـ وهو ابن ثمانين عامًا، وقيل: توفي سنة ٦٥٣ هـ وهو ابن نيف وثمانين عامًا، وقيل: سنة ٦٥٦ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٣٤)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٧٨٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٢٥٣)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤٥١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢٥٢).
(٤) انظر: منهاج الوصول (٨/ ٢٨٦٣) مع شرحه الإبهاج.
(٥) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٤٦٩).
(٦) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٦٥).
(٧) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٥٨).
[ ١ / ١١٠ ]
وهذا تعريفُ بدرِ الدِّينِ الزركشي (^١).
وذَكَرَ الشوكانيُّ أنَّ بعضَ الأصوليين زاد على تعريفِ الزركشي، لفظةَ (الفقيه)، فيكون التعريفُ: بذلُ الفقيه الوسعَ في نيلِ حكمٍ شرعي عملي، بطريقِ الاستنباطِ (^٢).
وهناك تعريفاتٌ اصطلاحيةٌ أخرى للاجتهادِ، لم أُوردْها؛ لأن المقامَ ليس مقامَ بسطٍ واستقصاءٍ لها، وكذلك لم أقفْ مع التعريفاتِ السابقةِ، إذ ما مِنْ تعريفٍ إلا ووَرَد عليه اعتراضٌ أو أكثر، وأُجيبَ عن الاعتراضِ؛ وليس المقامُ مقامَ عرضِها، كما ذكرتُ آنفًا.
وأنبّه إلى أنَّ مقصدَ الأصوليينَ حين عرّفوا الاجتهادَ في المدونات الأصولية، هو الاجتهاد في الفروع (^٣)؛ لذا يحسنُ اشتمال التعريفِ على قيدِ: فروعي أو عملي؛ لإخراجِ الأَحكامِ الشرعيةِ: الاعتقاديةِ، والأصوليةِ، على أن بعضَ الأصوليين أخرجَ الأحكامَ الاعتقاديةِ، والأصوليةِ بقيدِ: "حكم شرعي" على اعتبار أنَّ الحكمَ الشرعيَّ هو خطابُ الله المتعلقِ بفعلِ المكلفِ بالاقتضاءِ، أو التخييرِ، أو الوضعِ (^٤).
ويمكنُ القولُ بأنَّ التعريفَ السادسَ مِنْ أجودِ تعريفاتِ الاجتهادِ، وقد اشتملَ على قيدِ: "بطريقِ الاستنباطِ"، وهو قيدٌ مهمٌ - لم يُذكرْ في التعريفاتِ قبله - وفائدته: إخراجُ بذلِ الوسعِ في نيلِ الأحكامِ مِن النصوصِ الدالّةِ عليها صراحةً، أو بحفظِ المسائلِ مِنْ كتبِ الفقهِ (^٥).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٧).
(٢) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٢٦).
(٣) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٢٥).
(٤) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٢٥)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٢٥). وانظر تعريف الحكم الشرعي في: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٧).
[ ١ / ١١١ ]