الانتصارُ: مصدرٌ مِن الفعلِ: انْتَصرَ (^١)، يُقالُ: انْتَصرَ يَنْتَصِرُ انْتِصَارًا.
والانتصار عائد إلى مادة: (نصر)، ولهذه المادةِ عدّةُ معانٍ في اللغةِ، منها:
المعنى الأول: الإتيانُ، أو إتيانُ خيرٍ (^٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: "النونُ والصادُ والراءُ، أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على إتيانِ خيرٍ" (^٣).
يُقالُ: نَصَرَ اللهُ المسلمين، أيْ: آتاهم الظَفَرَ على عدوِّهم (^٤)، ونَصرْتُ بلدَ كذا، إذا أتيتُه (^٥).
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط، مادة: (نصر)، (ص/ ٦٢٢).
(٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٥٩)، والصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (نصر)، (١٠/ ٦٦٢٨).
(٣) مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥).
(٤) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٦٠)، ولسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١١).
(٥) انظر: المصادر السابقة، والصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩).
[ ١ / ١٤٢ ]
المعنى الثاني: العطاء، والإيتاء (^١). ومن هذا المعنى: النصائر، وهي: العطايا (^٢). ومنه: قولُ الشاعر (^٣):
إنِّي وأسطارٍ سُطِرْن سطرًا لقائلٌ يا نصرُ نَصْرًا نَصْرا
المعنى الثالث: العون (^٤). يقالُ: نَصَرَه اللهُ على عدوِّه، أيْ: أعانه (^٥)، ونَصَرَ الغيثُ البلدَ، إذا أعانه على الخصب (^٦). ومِنْ هذا المعنى: قولُه تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (^٧)، وقول النَّبي - ﷺ -: (أنصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا) (^٨).
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥)، والصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (نصر)، (١٠/ ٦٦٢٠).
(٢) انظر: لسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١١)، وتاج العروس، مادة: (نصر)، (١٤/ ٢٣٤).
(٣) هذا البيت لرؤبة بن العجاج، كما في: ديوانه (ص/ ١٧٤). وقد أورده سيبويه في: الكتاب (٢/ ١٨٥)، وابنُ جني في: الخصائص (١/ ٣٤١)، والجوهريُّ في: الصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، وابنُ فارس في: مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٦)، وابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١١). وبعضهم يورد الشطر الثاني: لقائلٌ يا نصرُ نَصْرٌ نَصْرا ويقول الأستاذُ عبد السلام هارون في تعليقه على: الكتاب لسيبويه (٢/ ١٨٥)، حاشية (٣): "سُطِرن: كتبن، ويعني بالأسطار: آيات الكتاب الكريم. ونصر هذا هو نصر بن سيار وقال الجرمي: النصر: العطية، فيريد: يا نصرُ عطيةً عطيةَ ".
(٤) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصبهاني، مادة: (نصر)، (ص/ ٨٠٨)، ولسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١٠).
(٥) انظر: لسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١٠)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (نصر)، (١٠/ ٦٦٢٠).
(٦) انظر: المصدرين السابقين.
(٧) من الآية (١٣) من سورة (الصف).
(٨) أخرج الحديثَ: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: المظالم، باب: أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (ص/ ٤٦١)، برقم (٣٤٤٣) من حديث أنس بن مالك رضي الله. وأخرجه مسلمٌ في: صحيحه، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (٢/ ١٢٠٠)، برقم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله، ولفظه: (ولْيَنْصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا).
[ ١ / ١٤٣ ]
وهذا المعنى قريبٌ من المعنى الأولِ.
يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ (^١): "النصرُ: عونُ المظلومِ" (^٢).
المعنى الرابع: الانتقام (^٣). يُقالُ: انْتَصَرَ الرجلُ، إذا امتنعَ عن ظالِمه (^٤). يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ: "ويكونُ الانتصارُ مِن الظالمِ: الانتصاف والانتقام منه" (^٥).
وجعلَ ابنُ فارسٍ المعنى الرابع مِن المعنى الأول، ولم يُبيّنْ وجهَ ذلك (^٦).
وجَعَلَ الراغبُ الأصبهاني (^٧) الانتصارَ بمعنى طلبِ النصرة، وهي:
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري الهروي، أبو منصور، ولد سنة ٢٨٢ هـ كان علامةً ثبتًا ثقةً دينًا ورعًا، رأسًا في اللغة والفقه، شافعي المذهب، عارفًا بالحديث، عالي الإسناد، مهتمًا بالتفسير وعلل القراءات، من مؤلفاته: تهذيب اللغة، والتقريب في التفسير، وتفسير ألفاظ المزني، وشرح ديوان أبي تمام، توفي سنة ٣٧٠ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ٢٣٧)، وإرشاد الأريب لياقوت (٥/ ٢٣٢١)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٣٣٤)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٤٥)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٦٣)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤٩)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٨٦)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ١٩).
(٢) تهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٦٠).
(٣) انظر: الصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥)، ولسان العرب، مادة: (نصر)، (١٢/ ٢١٠).
(٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٦٠).
(٥) المصدر السابق.
(٦) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥).
(٧) هو: الحسين - وقيل: محمد، وقيل: المفضل - بن محمد بن المفضل الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بالراغب، عاش في أوائل القرن الخامس الهجري، وقيل: عاش في القرن الرابع، كان علامة ماهرًا محققًا باهرًا، من أذكياء المتكلمين، يقول عنه شمس الدين الذهبي: "لم أظفر له بوفاةٍ، ولا بترجمة"، وقد ذكر جلال الدين السيوطي أنَّ كثيرًا من الناس يظنون الراغب معتزليًا، وتعقب ذلك، وبيَّنَ أنَّه من أهل السنة، من مؤلفاته: مفردات ألفاظ القرآن، ومحاضرات الأدباء ومحاورات البلغاء، والذريعة إلى مكارم الشريعة، وأفانين البلاغة، اختلف في سنة وفاته: قيل: سنة ٥٠٣ هـ وقيل: ٤٠٢ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء =
[ ١ / ١٤٤ ]
العونُ (^١).
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (^٣).