وَرَدَ لفظُ: (الانتصار)، أو (الانتصار للمذهب)، أو (نصرة المذهب) في تضاعيف مؤلفاتِ العلماءِ في وقتٍ مبكرٍ، يقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ): "ثمَّ خَالفَ جميعُ متأخريهم - أي: متأخري الحنفية، فقالوا: بعدمِ مشروعيةِ التحبيسِ - هذا الإجماعَ، وخرقوه، وابتدعوا ضلالةً لم يسبقْهم إليها أحدٌ قبلَهم، فصاروا فرقتين الأخرى جعلتْ شغلها في دينِها البحثَ عمَّا ينصرون به أقوالَ أبي حنيفةَ" (^٤).
ويقولُ أبو الوفاء بنُ عقيلٍ (ت: ٥١٣ هـ): "فصل: في نصرةِ كلامِه - أي: الإمام الشافعي في تفسيره للبيان - والردِّ على مَن اعترضه" (^٥).
ويقولُ الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "وأدلةُ الفورِ والتراخي مِن الطرفين متقاربةٌ في القوة، ولكلٍّ منها اتجاه، فإنْ جازَ لنا نصرةُ المذهبِ الظاهرِ - وهو الفور - أجبنا عن أدلةِ أصحابِ التراخي" (^٦).
ويظهرُ أنَّ المرادَ بنصرةِ القولِ في كلامِ العلماءِ آنفِ الذِّكرِ هو
_________________
(١) = (١٨/ ١٢٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٣/ ٤٥)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٩٧)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٢٩)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٦٠٣)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٥).
(٢) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، مادة: (نصر)، (ص/ ٨٠٩).
(٣) من الآية (٤١) من سورة (الشورى).
(٤) الآية (١٠) من سورة (القمر).
(٥) الإعراب عن الحيرة والالتباس (٣/ ١٠٩٦).
(٦) الواضح في أصول الفقه (١/ ١٨٥).
(٧) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٤٥ ]
الاستدلالُ للمذهبِ، والردُّ على أدلةِ المذاهبِ الأخرى (^١).
وهناك كلامٌ للشيخِ عبد القادر بنِ بدران يمكنُ الإفادةُ منه في تعريفِ الانتصارِ للمذهبِ، يقولُ: "وقد سمَّى أبو الخطابِ كتابَه بـ (الانتصار في المسائل الكبار)، وكلاهما - أيْ: كتاب أبي الخطاب، وكتاب المفردات للقاضي أبي يعلى - يذكرانِ أفرادَ المسائلِ الكبارِ مِن الخلافِ بين الأئمةِ، وينتصرانِ لمذهبِ الإمامِ أحمدَ، مع ذكر ما استدلَّ به أصحابُ كلِّ إمامٍ؛ لنصرةِ إمامِه وهدمِه" (^٢).
فيمكنُ تعريف الانتصارِ بناءً على ما قاله ابنُ بدران بأنَّه: الاستدلالُ لقولِ إمامِ المذهبِ في المسائلِ الخلافية، وذكرُ أقوالِ المخالفين، وأدلتِهم، والإجابةُ عنها.
وقد عرَّفَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان الانتصارَ للمذهبِ بأنَّه: ترجيحُ المذهبِ الفقهي، والذبُّ عنه، ودعمه بالأدلةِ الشرعيةِ (^٣).
وبناءً على ما تقررَ آنفًا: فلا ينهضُ للانتصارِ للمذهبِ على الوجهِ الأمثل، إلا المتضلعُ في الأصولِ والفروعِ، المستوعبُ لأَصولِ مذهبِه وفروعِه، العارفُ بأصولِ المذاهبِ الأخرى، وفروعها (^٤).
_________________
(١) يؤكد ذلك أيضًا النظر في الكتب المؤلفة المعنونة بـ "النصرة أو الانتصار"، ككتاب (الانتصار لأهل المدينة) لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الفخار المالكي (ت: ٤١٩ هـ) وكتاب (تهديب المسالك في نصرة مذهب مالك على منهج العدل والإنصاف في شرح مسائل الخلاف) لأبي الحجاج يوسف الفندلاوي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ).
(٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٥٣).
(٣) مناصرة المذهب وأثرها العلمي (ص/ ١٤١)، مطبوع ضمن مجلة جامعة الزيتونة، العدد الأول، السنة الأولى عام ١٩٩٢ م. وانظر: تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٠).
(٤) انظر: ظاهرة الانتصار للدكتور محمد المصلح (٥/ ٣٦٣) ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.
[ ١ / ١٤٦ ]
وللانتصارِ للمذهبِ صورٌ، منها:
الأولى: التأليفُ في فروعِ المذهبِ، مع الاستدلالِ، ومناقشةِ أدلةِ المخالفين.
الثانية: ترجيحُ التمذهبِ بمذهب إمامٍ معيّنٍ، وذلك بترجيحِ أصولِه على أصولِ غيرِه مِن المذاهبَ، أو بالتأليفِ في مناقبِ الإمامِ، وبيان ما كانَ عليه مِنْ سعةٍ في العلمِ، وَحُسنٍ في الاستنباطِ، وشدة تمسكٍ بالكتابِ والسنةِ.
الثالثة: عقدُ المناظراتِ مع المخالفِ؛ لنصرةِ المذهبِ، بسوقِ الحججِ والبراهين على رجحانِه.
الرابعة: تفسيرُ آياتِ الأحكامِ، وشرحُ أحاديثِ الأحكامِ، واستنباطُ أحكامِ الفروعِ المذهبيةِ منهما (^١).
وقد جَعَلَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان مِنْ صورِ الانتصارِ للمذهبِ: الترجمة لأعلامِ المذهبِ (^٢).
ويظهرُ لي عدمُ دخولِ هذه الصورةِ في الانتصارِ للمذهبِ؛ لخلوها عن معنى الانتصارِ، وقصارى الأمرِ أنْ تكون مِنْ قبيلِ خدمةِ المذهَبِ.