محلُّ حديثي في هذا المبحثِ عن التعصبِ المذهبي، لا عن مطلقِ التعصبِ للآراءِ أو الفِرَقِ.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٨)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢).
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: المصادر السابقة.
(٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٦)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢).
(٥) هو: القاسم بن سلام، أبو عبيد، ولد بهراة سنة ١٥٧ هـ كان إمامًا حافظًا فقيهًا محدثًا، لغويًا مشهورًا، دينًا عابدًا ورعًا، كبير الشأن، أحد العلماء المبرزين، ولي قضاء طرطوس، له مصنفات سارت بها الركبان، منها: الغريب المصنف في علم اللسان، وكتاب الأموال، وفضائل القرآن، والطهور، توفي بمكة سنة ٢٢٤ هـ وقيل: ٢٢٣ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٣٥٥)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٤/ ٣٩٢)، ونزهة الألباء للأنباري (ص/ ١٠٩)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ١٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٦٠)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٧٢).
(٦) نقل كلام أبي عبيد ابنُ فارس في: مقاييس اللغة، مادة: (عصب)، (٤/ ٣٣٦).
(٧) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٦)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢).
(٨) انظر: المصادر السابقة، وشمس العلوم للحميري، مادة: (عصب)، (٧/ ٤٥٧٠).
(٩) مقاييس اللغة، مادة: (عصب)، (٤/ ٣٣٨).
(١٠) انظر: المصدر السابق، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٧٢)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (عصب)، (٧/ ٤٥٦٤).
[ ١ / ١٢٨ ]
لقد كثرَ ورودُ لفظِ: (التعصب) عند العلماءِ بمختلفِ مذاهبِهم وفنونِهم، ومع كثرةِ ورودِه لم يهتم كثيرٌ مِن العلماءِ - فيما رجعتُ إليهِ منْ مصادر - بتعريف التعصب بحدٍّ معين؛ ولعل ذلك عائدٌ إلى ظهورِ معناه عندهم.
وقد عرَّف بعضُ العلماء مصطلحَ: (التعصب)، فمن هذه التعريفات:
التعريف الأول: عدمُ قبولِ الحقِّ عند ظهور الدليل، بناء على ميلٍ إلى جانب.
وهذا تعريف سعد الدين التفتازاني (^١)، وابن أمير الحاج (^٢)، وأمير باد شا (^٣).
واختاره بعضُ الحنفيةِ (^٤)، وبعضُ المعاصرين (^٥).
التعريف الثاني: الميلُ مع الهوى؛ لأجلِ نصرةِ المذهبِ، ومعاملة الإمامِ الآخر، أو مقلِّديه بما يغُضُّ منهم.
_________________
(١) انظر: التلويح على التوضيح (٢/ ٤٦).
(٢) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٩٦). وابن أمير الحاج هو: محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي الحلبي، أبو عبد الله شمس الدين، المعروف بابن أمير الحاج، وبابن الموقّت، ولد بحلب سنة ٨٢٥ هـ طلب العلم في حلب وحماة والقاهرة، وسمع من الحافظ ابن حجر، ولزم ابن الهمام، كان فاضلًا دينًا قوي النفس، فقهيًا أصوليًا، من علماء المذهب الحنفي البارزين، وقد برع في فنون عدة، وتصدى للإقراء والإفتاء، من مؤلفاته: التقرير والتحبير شرح التحرير، وشرح منية المصلي، وذخرة العصر في تفسير سورة العصر، توفي سنة ٨٧٩ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٩/ ٢١٠)، ووجيز الكلام له (٢/ ٨٥٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٤٩٥)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٧٧١)، والأعلام للزركلي (٧/ ٤٩).
(٣) انظر: تيسير التحرير (٣/ ٢٣٩). وأمير باد شاه هو: محمد أمين بن محمود الحسيني البخاري، المعروف بأمير باد شاه، ولد بخراسان، ونشأ ببخارى، واستقر بمكة، من علماء المذهب الحنفي، فقيه وأصولي ومفسر، كان فيه شيء من التصوف، من مؤلفاته: تيسير التحرير، وتفسير سورة الفتح، وشرح تائية ابن الفارض، توفي في حدود سنة ٩٧٢ هـ، وقيل: في حدود ٩٨٧ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة تيسير التحرير (١/ ٢)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٢٤٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ٤١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٤٨).
(٤) انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (١/ ٤٥٨).
(٥) انظر: أثر العرف في تغير الفتوى لجمال كركار (ص/ ١٤٦).
[ ١ / ١٢٩ ]
وهذا تعريفُ الشيخِ محمد بن المُلّا فرّوخ (^١)، وتبعه بعض المعاصرين (^٢).
التعريف الثالث: أنْ تجعل ما يصدرُ عن إمامِ المذهب مِن الرأي، ويروي لك مِنْ الاجتهادِ، حجة عليك، وعلى سائرِ العبادِ.
وهذا تعريفُ الإمامِ محمدٍ الشوكاني (^٣).
التعريف الرابع: الدفاعُ عن المذهبِ، والمحاماةُ عنه، سواء أكانَ على خطإٍ، أم على صوابٍ، مع اعتقادِ فسادِ غيرِه مِن المذاهبِ.
وهذا تعريفُ الباحثِ محمدٍ المامي (^٤).
وقد يُشكلُ على التعريفِ الرابعِ أن الدفاعَ عن المذهب إذا كان صوابًا لا يتطرقُ إليه ذمٌّ، إذا لم يتضمّن الحطَّ مِنْ قدرِ المذاهبِ الأخرى، والطعنَ فيها.
ومهما يكنْ مِنْ أمرٍ: فإنَّ التعريفاتِ السابقةَ لمصطلحِ: (التعصب)، واستعمالاتِ العلماءِ له تدل على أنَّ التعصبَ: دفاعٌ عن المذهبِ، مع هوىً - أيْ: أن المتمذهبَ سيدافعُ عن مذهبِه، بغضِّ النظرِ أكانَ الصَوابُ معه، أم لا - واعتقاد خطأ كل ما خالفَ المذهبَ؛ لمجرَّدِ المخالفةِ، دونَ اعتبارٍ للنظرِ في الأدلةِ، مع ما يَتْبَعُ ذلك مِنْ رَدِّ الصوابِ، وعدم قبوله،
_________________
(١) انظر: القول السديد (ص/ ١١٤). ومحمد فروخ هو: محمد بن عبد العظيم بن الملا فروخ الموروي، أبو عبد الله، ولد بمكة سنة ٩٦٦ هـ كان أحد الحنفية المعروفين في زمنه، عارفًا بالفقه والأصول، والعقل والنقل، تولى إفتاء الناس بمكة، من مؤلفاته: القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد، ورسالة في صلاة التسابيح، وإعلام القاصي والداني بمشروعية تقبيل الركن اليماني، توفي سنة ١٠٥١ هـ وقيل: ١٠٦١ هـ. انظر ترجمته في: إيضاح المكنون للبغدادي (٢/ ٢٤٩)، وهدية العارفين له (٢/ ٢٨٠)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢١٠)، ومقدمة تحقيق رسالة القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد (ص/ ١٣).
(٢) انظر: التعارض في الحديث للدكتور لطفي الزعير (ص/ ٩٦).
(٣) انظر: أدب الطلب (ص/ ٨٦).
(٤) انظر: المذهب المالكي - مدارسه ومؤلفاته (ص/ ٥١٧).
[ ١ / ١٣٠ ]
والاستمرارِ على القولِ المرجوحِ، والاعتداءِ على المخالفين، والحطِّ مِنْ قدرِهم، ثمَّ الوقوع في التفرّقِ.