التَّقْليدُ: مصدرٌ مِن الفعلِ الثلاثي: قَلَّدَ - بالتشديد - يُقالُ: قَلَّدَ يُقَلِّدُ تَقْلِيدًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ في مصدرِ الثلاثي المشدّدِ العينِ إذا كان صحيحَ اللامِ، فإنَّ مصدرَه التَّفْعِيل (^١).
والقَلْد أصله: الفَتْلُ (^٢)، يُقال: قَلَدتُ الحبلَ، أقْلِدُه قَلْدًا، إذا فتلتُه (^٣).
ولمادة: (قلد) عدة معان في اللغة، منها:
المعنى الأول: وضعُ الشيءِ في العنقِ، محيطًا به. يقولُ ابنُ فارسٍ: "القافُ واللامُ والدالُ أصلانِ صحيحانِ، يدلُّ أحدُهما على: تعليقِ شيءٍ
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٢٣٨).
(٢) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (قلد)، (٥/ ١٩).
(٣) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ٩٣ ]
على شيءٍ، وليّه به" (^١).
ومِنْ هذا المعنى: القِلادةُ التي في العنقِ، وجمعُها قلائد (^٢)، يُقالُ: قَلّدَ فلانٌ فلانًا قِلادةَ سوءٍ، إذا هجاه بما يبقى عليه وسْمُه (^٣)، ويُقالُ: قَلَّدتُ المرأةَ قلادةً، إذا جعلتُها في عنقِها (^٤).
المعنى الثاني: الحظُّ والنصيبُ مِن الماءِ. يقول ابنُ فارسٍ: "والأصلُ الآخرُ القِلْدُ: الحظُّ مِن الماءِ، يُقالُ: سقينا أرضَنا قِلْدَها، أيْ: حظَّها، وسقتنا السماءُ قِلْدًا كذلك، أراد حظًّا" (^٥).
ويقولُ ابنُ منظورٍ (^٦): "القِلْد: الحظُّ مِن الماءِ، والقِلْدُ: سقْيُ السماءِ، وقد قلَّدَتْنا وسقتنا السماءُ قِلْدًا في كل أسبوعٍ، أيْ: مطرتنا لوقتٍ" (^٧).
المعنى الثالث: التفويض. وهذا الاستعمالُ على سبيلِ المجازِ (^٨)،
_________________
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (قلد)، (٩/ ٣٢)، والصحاح، مادة: (قلد)، (٢/ ٥٢٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (قلد)، (٥/ ١٩)، والقاموس المحيط، مادة: (قلد)، (ص/ ٣٩٨).
(٣) انظر: المصادر السابقة، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (قلد)، (ص/ ٥١٩).
(٤) انظر: القاموس المحيط، مادة: (قلد)، (ص/ ٣٩٩).
(٥) مقاييس اللغة، مادة: (قلد)، (٥/ ٢٠).
(٦) هو: محمد بن مكرَّم بن علي - وقيل: ابن رضوان - بن أحمد بن أبي القاسم بن منظور الأنصاري الأفريقي، أبو الفضل جمال الدين، ولد سنة ٦٣٠ هـ كان من كبار علماء اللغة والنحو، فاضلًا في الأدب، مليح الإنشاء، عارفًا بالتاريخ، كثير الحفظ، وقد ولي قضاء طرابلس، وقد كان مغرمًا باختصار الكتب المطولة، لا يمل من ذلك، وفيه تشيع بلا رفض، من مؤلفاته: لسان العرب، ومختصر الأغاني، ومختصر تاريخ دمشق، توفي بمصر سنة ٧١١ هـ. انظر ترجمته في: فوات الوفيات لابن شاكر (٤/ ٣٩)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٥٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٢٦٢)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٤٨)، وحسن المحاضرة له (١/ ٥٠٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٤٨).
(٧) لسان العرب، مادة: (قلد)، (٣/ ٣٦٧).
(٨) انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة: (قلد)، (ص/ ٥١٩)، وتاج العروس، مادة: (قلد)، (٩/ ٦٧).
[ ١ / ٩٤ ]
يُقالُ: أعطيتُه قِلْدَ أمري، إذا فوضتُه إليه (^١)، وقَلَّدَه الأمرَ، أي: فوَّضه؛ كأنَّه رَبَطَ الأمرَ بعنقِه (^٢)، ومنه: تقليدُ الولاةِ الأعمال (^٣).
ومنه أيضًا: قول الشاعر (^٤):
فقلِّدوا أمرَكم لله دَرُّكُمُ رَحْبَ الذِّراعِ بأمرِ الحربِ مضطلعا
المعنى الرابع: اللّزوم. واستعمالُ التقليدِ بمعنى اللزومِ استعمالٌ مجازي (^٥)، يُقالُ: قَلَّدَه الأمرَ، أيْ: ألزمه إيّاه (^٦)، ومنه: حديثُ النبي - ﷺ - (قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها الأوتارَ) (^٧)، أيْ: اجعلوا طلبَ أعداءِ الدِّين،
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين.
(٢) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٦).
(٣) انظر: الصحاح، مادة: (قلد)، (٢/ ٥٢٧)، والقاموس المحيط، مادة: (قلد)، (ص/ ٣٩٩).
(٤) البيت للقيط بن يَعْمَر - وبعضهم يقول: ابن مَعْمَر - الإيادي، والبيت في: ديوانه (ص/ ٤٧). وقد نسبه إلى لقيط بن يَعْمَر: ابنُ قتيبة في: الشعر والشعراء (١/ ٢٠١)، وأبو العباس المبرّد في: الكامل (٢/ ٦٨٢)، وأبو هلال العسكري في: ديوان المعاني (١/ ١٧٨)، وعلي البصري في: الحماسة البصرية (١/ ٢٨٣). وقد ورد البيت في بعص المصادر: "وقلدوا".
(٥) انظر: تاج العروس، مادة: (قلد)، (٩/ ٦٩).
(٦) انظر: لسان العرب، مادة: (قلد)، (٣/ ٣٦٧).
(٧) جاء الحديث بهذا اللفظ عن مكحولٍ عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وأخرجه: سعيد بن منصور في: سننه، كتاب: الخيل، باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢/ ٢٠٠)، برقم (٢٤٣٣) ط/ الأعظمي، ولفظه: (قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها بالأوتار)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: السير، باب: في النهي عن تقليد الإبل الأوتار (١٨/ ١٥٢ - ١٥٣)، برقم (٣٤١٨٣، ٣٤١٨٥). وجاء الحديث بلفظ: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها معانٌ عليها، فقلِّدوها، ولا تقلِّدوها الأوتار)، وأخرجه: سعيد بن منصور في: سننه، كتاب: الخيل، باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢/ ٢٠٠)، برقم (٢٤٢٩) ط/ الأعظمي، مرسلًا عن مكحول؛ وأحمد في: المسند (٢٣/ ١٠٤)، برقم (١٤٧٩١) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من نهيه عن تقليد الخيل الأوتار (١/ ٢٩٤)، برقم (٣٢٣) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ وفي: شرح معاني الآثار، كتاب: السير، باب: إنزال الحمير على الخيل (٣/ ٢٧٤) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ والطبراني في: الأوسط (٩/ ١٣)، برقم (٨٩٨٢) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -. =
[ ١ / ٩٥ ]
والدفاعَ عن المسلمين لازمًا لها في أعناقِها لزومَ القلائدِ للأعناقِ (^١).