التعريف الأول: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبًا معينًا، يعتقدُه أرجح أو مساويًا لغيره.
_________________
(١) انظر: الإِمام أبو الحسن اللخمي للدكتور محمد المصلح (١/ ١٩٠ وما بعدها).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٧٥)، والمنخول (ص/ ٤٩٥).
[ ١ / ٧٧ ]
أورد تاجُ الدينِ بنُ السبكي الكلامَ المذكور في كتابِه: (جمع الجوامع) (^١) على أساسِ أنَّه مسألةٌ مستقلةٌ، ولم ينصَّ على أَنَّه تعريفٌ للتمذهبِ.
وقد جعله بعضُ شرَّاحِ كتاب: (جمع الجوامع)، كبدرِ الدينِ الزركشي (^٢)، وولي الدينِ العراقي (^٣)، وابنِ رسلان الرملي (^٤) تعريفًا للتمذهب.
ومعنى: "الالتزام": أنْ لا ياخذَ المتمذهبُ فيما يقعُ له مِن أمورِ إِلَّا بمذهبٍ معَّينِ (^٥).
التعريف الثاني: الالتزامُ لمذهبِ إِمامٍ معيَّنٍ.
وهذا التعريف ظاهر سياق كلام الشَّيخ حمد بن معمر (^٦).
_________________
(١) انظر: (ص / ١٢٣).
(٢) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦١٩).
(٣) انظر: الغيث الهامع (٣/ ٩٠٥).
(٤) انظر: لمع اللوامع، القسم الثاني (٢/ ٦٧١). وابن رسلان هو: أحمد بن أمين الدين حسين بن حسن بن عليّ بن يوسف بن عليّ بن أرسلان - ويقال: ابن رسلان - أبو العبَّاس، شهاب الدين، ولد في الرملة سنة ٧٧٣ هـ وقيل سنة ٧٧٥ هـ كان شافعي المذهب، كثير الاشتغال بالعلم، مشاركًا في كثير الفنون إِلى أن صار إِمامًا عالمًا في كل منها، لكثرة مذاكرته بما يعرفه، وقصده الخير، ملازمًا للمطالعة، أشعري المعتقد متصوفًا، وكان مقيمًا بالقدس تارة، وبالرملة أخرى، كان في الزهد والورع والتقشف، كلمة إِجماع، من مؤلفاته: تصحيح الحاوي، وإعراب ألفية ابن مالك، وشرح سنن أبي داود، ولمع اللوامع في شرح جمع الجوامع، توفي بالقدس سنة ٨٤٤ هـ. انظر ترجمته في: درر العقود الفريدة للمقريزي (١/ ٢٦٠)، وبهجة الناظرين للعامري (ص/ ١٤٦)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (١/ ٤٥)، والضوء اللامع للسخاوي (١/ ٢٨٢)، ووجيز الكلام له (٢/ ٥٧٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٣٦٢).
(٥) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٠).
(٦) انظر: الدرر السنية (٤/ ٥٩). وابن معمر هو: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي النجدي، ولد في العيينة سنة ١١٦٠ هـ نشأ في مسقط رأسه، ثم انتقل إِلى الدرعية، وتتلمذ للشيخ محمد بن عبد الوهاب في عدد من الفنون، وقد وُصِفَ بالذكاء والنباهة وقوة الحفظ، كان عالمًا حنبليًا جليلًا مدققًا فقيهًا أصوليًا، وقد أخذ عنه العلم خلقٌ كثير، من مؤلفاته: الفواكه العِذاب =
[ ١ / ٧٨ ]
ولا يعني الالتزامُ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ متى ما رأى المتمذهبُ مخالفةَ مذهبِه للدليلِ (^١).
وقد ذَكَرَ الشَّيخ حمدُ بن معمر صورة أخرى للتمذهبِ، فقالَ: "أمَّا لزومُ التمذهبِ بمذهبٍ بعينِه، بحيثُ لا يخرجُ عنه، وإِن خالفَ نصَّ الكتابِ والسنةِ، فهذا مذمومٌ غيرُ ممدوحٍ" (^٢).
ويدلُّ ظاهرُ السياقِ على أنَّ التمذهبَ يشملُ لزومَ المذهبِ دونَ الخروجِ عنه، ولزومَ المذهبِ والخروج عنه، إِنْ خالفَ الدليلَ.
التعريف الثالث: تلقّي الأحكام مِنْ إِمامٍ معيَّنٍ، واعتبار أقوالِه كأنَّها مِن الشارعِ نصوصٌ يلزم المقلِّد اتّباعها.
وهذا تعريف الشَّيخ محمد الخضري (^٣)، وساقه على أنَّه تعريفٌ للتقليدِ الواقعِ في القرنِ الخامسِ إِلى سقوطِ الدولةِ العبَّاسيةِ، وما ذكره يصدق على حقيقة التمذهبِ.
ويظهرُ لي أنَّ ما ذكره الشيخُ الخضري وصفٌ للأمرِ الواقعِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ، لا أنَّه تعريفٌ للتمذهبِ على وجهِ الاستقلالِ.
_________________
(١) = في الرد على من لم يحكم بالسنة والكتاب، ورسالة في الاجتهاد والقليد، توفي بمكة سنة ١٢٢٥ هـ. انظر ترجمته في: الدرر السنية لابن قاسم (١٦/ ٣٨٢)، وتراجم لمتأخري الحنابلة لابن حمدان (ص / ١٤)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٦٣)، وروضة الناظرين للقاضي (١/ ٨٣)، وعلماء نجد لابن بسام (١/ ١٢١)، ومشاهير علماء نجد لآل الشَّيخ (ص/٢٠٢).
(٢) انظر: الدرر السنية (٤/ ٥٩).
(٣) المصدر السابق (٤/ ٦٠).
(٤) انظر: تاريخ التشريع الإِسلامي (ص/ ٣٢٣). ومحمد الخضري هو: محمد بن عفيفي الباجوري المصري، المعروف بالشيخ الخضري، ولد سنة ١٢٨٩ هـ أحد علماء المذهب الشافعي، فقيه أصولي مؤرخ، تخرج في مدرسة دار العلوم، وعُين قاضيًا شرعيًا بالخرطوم، ثم مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة، ثم أستاذًا للتاريخ الإِسلامي في الجامعة المصرية، فوكيلًا لمدرسة القضاء الشرعي، فمفتشًا بوزارة المعارف، من مؤلفاته: أصول الفقه، وتاريخ التشريع الإِسلامي، ومحاضرات في تاريخ الأمم، ومهذب كتاب الأغاني، توفي بالقاهرة سنة ١٣٤٥ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (٣/ ٩٣٢)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٦٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٤٩٠).
[ ١ / ٧٩ ]
التعريف الرابع: السلوكُ في طريقِ الاجتهادِ مسلكَ إِمامٍ معيَّنٍ.
ذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخُ عبد القادر بن بدران (^١)، وسياقُ كلامِه ليس بصريحٍ في كونِه تعريفًا للتمذهب؛ إِذْ يقولُ: "بل المرادُ باختيارِ مذهبِه - أيْ: اختيار بعض العلماء مذهب الإِمام أحمد - إِنَّما هو السلوكُ على طريقةِ أصولِه في استنباطِ الأحكامِ.
وإِنْ شئتَ قُلْ: السلوك في طريقِ الاجتهادِ مسلكه، دونَ مسلكَ غيرِه" (^٢).
وما ذكره يُعَدُّ تعريفًا للاجتهادِ المذهبي.
التعريف الخامس: اتباع أُمَّةٍ كبيرةٍ مِن المسلمين لإِمامٍ معيّنٍ، في العبادات والمعاملات.
وهذا تعريفُ الشيخِ أحمدَ الوزير (^٣).
_________________
(١) انظر: المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص/ ١١١). والشيخ عبد القادر بن بدران هو: عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد الدومي، المعروف بابن بدران، ولد بدومة بالقرب من دمشق سنة ١٢٦٥ هـ وقيل: سنة ١٢٦٧ هـ من أعيان الحنابلة في وقته، كان سلفي المعتقد، فقيهًا أصوليًا مفسرًا، بارعًا في معرفة الكتاب والسُّنَّة النبوية، مع معرفته بالتاريخ والأدب، اشتغل بالتدريس في الجامع الأموي، ثم انتقل إِلى مدرسة عبد الله العظم، ودرَّس بها قرابة نصف قرن من الزمان، وقد أصيب بالفالج في آخر عمره، من مؤلفاته: جواهر الأفكار ومعادن الأسرار في التفسير، والمدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، ونزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر، ومنادمة الأطلال، وتهذيب تاريخ دمشق، توفي بدمشق سنة ١٣٤٦ هـ. انظر ترجمته في: منتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٧٦٢)، وهدية العارفين للبغدادي (١/ ٦٠٢)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٣٤)، والأعلام للزركلي (٤/ ٣٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ١٨٤)، وملحق النعت الأكمل للغزي (ص/ ٤١١)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٧٨١)، ومقدمة تحقيق المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص/ ٢٥).
(٢) المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص / ١١٠ - ١١١).
(٣) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٤). وأحمد الوزير هو: أحمد بن محمد بن عليّ بن محمد الوزير الحسني اليماني، من أسرة الوزير المشهورة في اليمن، ولد باليمن بهجرة السر سنة ١٣٣٧ هـ وقيل: قريبًا من سنة ١٣٣٥ هـ نشأ في مدينة ذمار، وتلقى العلم فيها على علماء =
[ ١ / ٨٠ ]
ويُؤْخَذُ على هذا التعريفِ عدةُ أمورٍ، منها:
أولًا: العمومُ في قولِه: "أمة كبيرة من المسلمين"، إِذ يشملُ العلماءَ والعوامَّ، فيكون التعريفُ تعريفًا غيرَ جامعٍ.
ئانيًا: قَصَرَ الاتِّباعَ على العباداتِ والمعاملاتِ، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ إِذ التمذهبُ - كما يقع في العبادات والمعاملات - يقعُ في الأنكحةِ والأقضيةِ وسائرِ أبوابِ الفقهِ.
ثالثًا: لم يذكر التمذهبَ في الأصول، مع أنَّ أحمدَ الوزير نفسَه يُقِرُّ بوجودِه في الأصولِ (^١).
التعريف السادس: أنْ يقلِّدَ العاميُّ، أو مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهاد مذهبَ إِمامٍ مجتهدٍ، سواء التزم واحدًا بعينه، أو عاش يتحول من واحدٍ إِلى آخر.
وهذا تعريفُ الدكتور محمد البوطي (^٢).
ويؤخذ على تعريفِه أمورٌ، منها:
أولًا: أدخلَ العامي في التمذهبِ - وهي مسألةٌ خلافيةٌ - وما ذكره بعده "من لم يبلغ رتبة الاجتهاد" يغني عن قوله: "العامي".
ثانيًا: ما المقصودُ بقولِه: "أو عاش يتحول من واحد إِلى آخر"؟ أيقصدُ أنَّ العامي، أو مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ يتحولُ مِنْ مذهبِ مجتهدٍ إِلى
_________________
(١) = الزيدية، ثم انتقل إِلى صنعاء، ودَرَسَ على علمائها، ثم رجع إِلى مسقط رأسه، فظل يدرس وينشر العلم فيها، وقد عُرِفَ بمحاربته للتقليد السائد في قطره، كان عالمًا فقيهًا أصوليًا محققًا، من مؤلفاته: المصفى في أصول الفقه، ولم أقف على تاريخ وفاته، وكان حيًا في سنة ١٤١٧ هـ. انظر ترجمته في: هجر العلم ومعاقله في اليمن للأكوع (١/ ٢١٤)، والمستدرك على هجر العلم له (ص/ ٢٠٥)، ومقدمة المعتني بكتاب المصفى في أصول الفقه (ص/ ٩).
(٢) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٦).
(٣) انظر: اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإِسلامية (ص/ ١١)، حاشية رقم (١).
[ ١ / ٨١ ]
مذهبِ مجتهدٍ آخر، أم أنَّه يتحول في آحادِ المسائلِ مِنْ مذهب مجتهدٍ إِلى مذهبِ مجتهدٍ آخر، فيقع في التلفيقِ؟
ثالثًا: قولُه في التعريفِ: "أو عاش يتحول من واحد إِلى آخر" مِنْ أحكامِ التمذهبِ، وليس مِنْ حقيقتِه، وأحكام المعرَّف لا تُذْكَرُ في التعريفِ.
التعريف السابع: تقليدُ طائفةٍ مِن الناسِ لإِمامٍ معيَّنٍ في آرائِه واجتهاداتِه، وكذلك اجتهادات الفقهاءِ الذين أخذوا بمنهج الإِمام في البحثِ الفقهي.
وهذا تعريف الدكتور محمد الدسوقي (^١).
وممَّا يؤخذُ على التعريفِ: أنَّه جعلَ المتمذهبين طائفةً مِن الناسِ، ولم يُحَددْ درجةَ هذه الطائفةِ.
التعريف الثامن: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبَ مجتهدٍ واحدٍ، لا يخرج عنه.
وهذا التعريفُ هو ما يُفهمُ مِنْ سياقِ الدكتور سعد الشثري؛ إِذْ يقولُ تحتَ عنوان: (التمذهب): "المرادُ بالمسألة: هلْ يجبُ على مَنْ لم يبلغْ مرتبةَ الاجتهادِ التزامُ مذهبِ مجتهدِ واحدٍ، لا يخرجُ عنه" (^٢).
وهذا التعريفُ تعريفٌ جيدٌ مِنْ جهةِ تحديدِه للمتمذهبِ، ويُؤْخَذُ عليه:
أولًا: تقييدُه للتمذهبِ بعدمِ الخروجِ عن المذهبِ، وهذا يعدُّ وجهًا للتمذهبِ، في حينِ أنَّ مِن التزمَ مذهبًا، وخَرَجَ عنه في بعضِ المسائلِ، فإِنَّه متمذهبٌ، وغيرُ خارجٍ عن حقيقةِ التمذهبِ؛ بدليل: أنَّ مِنْ أتباعِ المذاهبِ مَنْ خالفَ إِمامَه في مسائل؛ لدليلٍ اقتضى المخالفة، ولم يخرجوا عن التمذهبِ بمذهبِ إِمامِهم (^٣).
_________________
(١) انظر: الاجتهاد والتقليد (ص/ ٢١٩).
(٢) التقليد وأحكامه (ص/ ١٤٢).
(٣) هناك أمثلة لعدد من علماء المذاهب الذين خالفوا إِمامهم في بعض أقواله، ولم يخرجوا بذلك عن التمذهب بمذهبه. انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٣/ ١٣١ وما بعدها)، والاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٤٧ وما بعدها).
[ ١ / ٨٢ ]
ثانيًا: لم يُبَيّن محلَّ الأخذِ بمذهبِ المجتهدِ، أهو في الفروعِ فقط، أم في الأصولِ والفروعِ؟
التعريف التاسع: التزامُ العامي مذهبًا معيّنًا، يأخذُ برخصِه وعزائمِه.
وهذا تعريف الشَّيخ عبد الله آل خنين (^١).
وقد قَصَرَ التمذهبَ على العامي فقط، وهذا محلُّ نظرٍ؛ لأمرين:
الأمر الأول: عدمُ صحةِ التمذهب مِن العامي - على خلافٍ في المسألةِ - إِلَّا إِذا أرادَ بالعامي مَنْ عدا المَجتهد.
الأمر الثاني: ما ذكره يُعَدُّ وجهًا للتمذهبِ، وليس التمذهبُ مقتصرًا عليه، كما تقدمَ التنبه عليه قبلَ قليلٍ.
التعريف العاشر: ذَكَرَ الشيخُ محمد العثيمين تفصيلًا لمعنى التمذهبِ - ضمّنه بيانَ حكمِه - فأطلقَ التمذهبَ على التزامِ الإِنسانِ مذهبًا معيّنًا؛ بحيثُ يُعْرِضُ عمَّا سواه، سواءٌ أكان الصوابُ في مذهبِه، أم مذهب غيره؛ وعلى الانتساب إِلى مذهبٍ معيّنٍ؛ لينتفعَ بما فيه مِن القواعدِ والضوابطِ، لكنْ مع ردِّ ذلكَ إِلى الكتابِ والسنةِ (^٢).
وحاصلُ كلامِه، أنَّ التمذهبَ يطلقُ على مِن التزمَ مذهبًا معينًا، ولم يخرجْ عنه، وعلى مَن انتسبَ إِلى مذهبٍ معيّنٍ - لينتفعَ بقواعدِه وضوابطِه - وخَرَجَ عنه؛ لمخالفتِه الدليلَ.
التعريف الحادي عشر: اتخاذُ عالمٍ مذهبَ مجتهدٍ مذهبًا له، يتَّبِعُه ويلتزمه في الأصولِ والفروعِ، دونَ غيرِه مِن مذاهبِ المجتهدين الآخرين، أو انتسابًا فقط.
_________________
(١) انظر: توصيف الأقضية في الشريعة الإِسلامية (١/ ٣٥٣)، والفتوى في الشريعة الإِسلامية (١/ ٣١).
(٢) انظر: العلم (ص/ ١٥٨ - ٢٥٩).
[ ١ / ٨٣ ]
وهذا تعريف الدكتور جبريل ميغا (^١).
ويقولُ مُوْضِحًا تعريفَه: "فواضحٌ - مِنْ خلالِ هذا التعريفِ - أنَّ التمذهبَ إِنَّما يصحُّ ممَّنْ هو قادرٌ على التعرّفِ على مذهب إِمامِه مِنْ بين المذاهب الأخرى، وقادرٌ على الاستدلالِ له، والانتصارِ له، فهو اقتداءٌ عن وَعْي وعَلْم بمذهب إِمامِه: أصولًا وفروعًا، أو اقتداءٌ بمجرَّدِ الانتساب والانتماءِ" (^٢).
وهذا التعريفُ - مِنْ وجهةِ نظري - مِنْ أجودِ التعريفاتِ وأسلمِها، وإِنْ كان تعبيرُه بلفظ: "عالم" محل نظرٍ؛ مِنْ جهةِ عدمِ تحديدِ مرتبةِ العالمِ، أهو المجتهد، أم من عداه ممَّنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ مِن المنتسبين إِلى العلم؟
التعريف الثاني عشر: اتباعُ إِمام اقتفى طريقةً معينةً في استنباطِ الأحكامِ الفرعيةِ مِنْ أدلتِها التفصيليةِ.
وهذا تعريف الدكتور وليد الودعان (^٣).
ويَرِدُ على تعريفِه أمورٌ ثلاثةٌ:
الأمر الأول: يمكنُ الاستغناءُ عن قولِه: "اقتفى طريقة معينة "
بقولنا: مجتهدٌ مستقل؛ لأنَّ المجتهدَ مستقلٌ بأصولِه في استنباطِ الأحكام الفرعيةِ مِنْ أدلتِها التفصيليةِ.
الأمر الثاني: لم يتضح المقصودُ بقولِه: "طريقة معينة".
الأمر الثالث: لم يحددْ محلَّ اتِّباع الإِمام، أهو في الفروع وحدها، أم في الفروعِ والأصولِ؟
_________________
(١) انظر: دراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول (ص/ ٧٣٤).
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: الاجتهاد والتقليد عند الإِمام الشاطبي (٢/ ٨١٤).
[ ١ / ٨٤ ]
التعريف الثالث عشر: الانتسابُ لمذهبٍ معيَّنٍ، دونَ غيرِه مِن المذاهبِ.
وهذا التعريفُ هو ظاهرُ سياقِ الدكتور؛ أحمد الحجي الكردي؛ إِذْ يقولُ: "وعُرِفَ الاتجاه الَّذي يضمُّ المنتسبين لمذهبٍ معيَّنٍ، دون غيرِه بالتمذهبِ" (^١).
وعلى التسليمِ باعتبارِ السياقِ السابقِ تعريفًا للتمذهب، فإِنَّه لم يحددْ في التعريفِ المتمذهبَ، ولا محلَّ التمذهبِ، أهو في الفَروعِ فحسب، أم في الأصولِ والفروعِ؟
التعريف الرابع عشر: التزامُ العامي، أو مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مذهبًا معينًا، ولا يخرج عنه إِلَّا بفتوى مجتهدٍ.
وهذا تعريفُ الباحثةِ مليكة صوالح (^٢).
ويَرِدُ على تعريفها أمورٌ، منها:
الأمر الأول: عدمُ صحةِ التمذهب مِن العامي، على خلافٍ في المسألةِ، كما سيأتي الحديثُ عنه في مسألةٍ مستقلةٍ.
الأمر الثاني: في التعريفِ تكرارٌ؛ لأنَّ قولَها: "مَنْ لم يبلغ درجة الاجتهاد" يغني عن قولِها: "العامي"؛ لأنَّ العامي ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ.
الأمر الثالث: لم تُحدد الباحثةُ محلَّ التمذهبِ.
الأمر الرابع: قولُها: "ولا يخرج عنه إِلَّا بفتوى مجتهد": لم تُحددْ درجةَ المجتهدِ، أهو المجتهدُ المطلقُ، أم المجتهدُ المقيَّدُ؟
_________________
(١) بحوث وفتاوى فقهية معاصرة (ص/ ١٧٨).
(٢) انظر: الانسلاخ من المذاهب الفقهية (ص/ ٢٠).
[ ١ / ٨٥ ]
ثم حصرُ الخروجِ عن المذهبِ بفتوى المجتهدِ، محلُّ نظرٍ؛ فقد يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه؛ لنظرِه في الأدلةِ، إِذا كان ذا أهليةٍ.
التعريف الخامس عشر: أنْ يقلدَ مَنْ لم يبلغْ درجةَ النظرِ والاجتهادِ في علومِ الشريعةِ، مذهبًا مِن المذاهب الفقهيةِ المعتبرةِ يأخذُ برخصِه وعزائمِه، ولا يقلِّد غيرَ أهلِه.
وهذا تعريفُ الدكتورِ عطية فياض (^١).
ويَرِدُ على التعريف عدةُ أمورٍ، منها:
الأمر الأول: يدخلُ في عمومِ التعريفِ العامِيُّ الصرفُ، ومِنْ وجهةِ نظري لا يصح التمذهب مِن العامي وإِن ادّعاه، وسيأتي الحديثُ عن مذهب العامي في مسألةٍ مستقلةٍ.
الأمر الثاني: أنَّه حَصَرَ التمذهبَ بالأخذِ بمذهبٍ فقهي معتبرٍ، والواقعُ أنَّه يصحُّ تصورُ التمذهب بمذهبٍ فقهي غيرِ معتبرٍ.
الأمر الثالث: جَعَلَ مِنْ حقيقةِ التمذهبِ أنَّ المتمذهبَ لا يقلِّدُ غيرَ مذهبِه، وهذا وإِنْ كان مِنْ أحكامِ التمذهب - فالأَولى عدمُ ذكرِه في التعريفِ - إِلَّا أنَّه قد ينازَعُ فيه، مِنْ جهةِ أن الخَروجَ عن المذهبِ في بعضِ المسائلِ لا ينافي التمذهبَ.
التعريف السادس عشر: اتِّباعُ إِمامٍ مِن الأئمةِ المجتهدين.
وهذا تعريفُ الدكتور عبد الرَّحمن الجبرين (^٢).
ويَرِدُ على التعريف عدةُ أمورٍ، منها:
الأمر الأول: لم يُحددْ في التعريفِ درجةَ الاتباع، أهي في كل المسائل، أم في أغلبِها؟
_________________
(١) انظر: التمذهب الفقهي بين الغالين فيه والجافين عنه (ص/ ٢).
(٢) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٥٠).
[ ١ / ٨٦ ]
الأمر الثاني: مدارُ التمذهب - مِنْ وجهةِ نظري - قائمٌ على الالتزامِ، فالإِتيانُ بلفظِ: "الالتزام" أدلُّ علىَ المرادِ مِن الإِتيانِ بلفظِ: "الاتباع".
الأمر الثالث: لم يُحدّد في التعريفِ المتَّبِع، أهو العامي، أم المجتهد، أم المتعلم الَّذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهاد؟
الأمر الرابع: لم يُحددْ في التعريف محلّ التمذهبِ.
التعريف المُخْتَار:
مِنْ خلالِ تأمُّل التعريفاتِ المتقدمةِ أجدُ أنَّ أقربَها هو التعريف
الحادي عشر، لكنْ مع بعض التعديل، فالتمذهب هو: التزامُ غيرِ العامي مذهبَ مجتهدٍ معيَّنٍ في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو انتسابُ مجتهدٍ إِليه.
شرح التعريف:
- "التزام" الالتزام هو: التصميمُ على التمسكِ بمذهبِ المجتهدِ (^١)، أو: التصميمُ على أنْ لا يأخذَ فيما يقعُ له من أمورٍ إِلَّا بمذهبٍ معيَّنٍ (^٢).
ويأتي الالتزامُ على صورتين:
الصورة الأولى: الالتزامُ بالمذهبِ، مع عدمِ الخروجِ عنه.
الصورة الثانية: الالتزامُ بالمذهبِ - في الجملة - مع الخروجِ عنه، لمسوّغٍ، كما لو كانَ المذهبُ على خلافِ الدليلِ (^٣).
- "غير العامي"، قيدٌ خَرَجَ به العاميُّ؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ له؛ إِذ حقيقةُ التمذهب إِنَّما تكونُ لأهلِ العلمِ، الذين يختارون مذهبًا على آخر؛ لأسبابٍ علميةٍ؛ كقوةِ أصولِ المذهبِ، أو قربِه مِن الأثرِ، وهذا وأمثاله لا
_________________
(١) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠).
(٢) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٠).
(٣) انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٣/ ١٣١ وما بعدها).
[ ١ / ٨٧ ]
يتحقق مِن العامي (^١)، وسيأتي الحديثُ عن تمذهبِ العامي في مسألةٍ مستقلةٍ.
ويدخلُ تحتَ هذا القيد: المجتهدُ، والعالمُ الَّذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، والمتعلمُ الَّذي ارتفع عن مرتبةِ العامي.
- "مذهب مجتهد"، تقدَّم تعريفُ المذهب فيما سَبَقَ.
والمجتهدُ هو الفقيه الَّذي استكملَ شروطَ الاجتهادِ (^٢)، وسيأتي في مسألةٍ مستقلةٍ الحديثُ عن إِمام المذهب، وسأتحدثُ فيها عن تعريفِ المجتهدِ.
- "مجتهد"، قيدٌ خَرَجَ به مَنْ عداه؛ إِذ لا مذهبَ له.
- "معيّن"، أي: دونَ غيرِه مِن المجتهدين.
- "في الأصول"، أي: في أصول الفقه (^٣)، وما يتبعها مِن القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ، ممَّا يشاركُ أصولَ الفقهِ في التقعيدِ، وصورةُ التمذهبِ في الأصولِ أنْ يلتزمَ المتمذهبُ أصولَ إِمامِه وقواعدَه، ويسلك طريقَه في الاجتهادِ عند النظرِ في الفروعِ (^٤).
- "والفروع"، أي: المسائلِ الشرعيةِ العمليةِ الَّتي لا يُعْلَمُ كونها مِن الدِّينِ بالضرورةِ (^٥)، أو: هي المسائلُ الاجتهاديةُ مِن الفقه (^٦).
_________________
(١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١١٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٧١)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٩٣)، وكيف نتعامل مع التراث؟ للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ٨٢).
(٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٢)، والبحر المحيط (١/ ٢٤).
(٣) انظر: البرهان (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٤) انظر: المدخل لابن بدران (ص/ ١١١).
(٥) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (١/ ٧٨).
(٦) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٠٣)، والتفريق بين الأصول والفروع للدكتور سعد الشثري (١/ ١٠٧).
[ ١ / ٨٨ ]
- "أو أحدهما"، أي: أنَّ المتمذهبَ يلتزمُ أصولَ المذهبِ دونَ فروعِه، أو فروعَه دونَ أصولِه، وبناءً على هذا القيدِ يوجد عندنا ثلاثُ صورٍ:
الصورة الأولى: التزامُ المتمذهبِ أصولَ مذهبِ إِمامِه، وفروعَه.
الصورة الثانية: التزامُ المتمذهبِ أصولَ مذهبِ إِمامِه، دونَ فروعِه.
الصورة الثالثة: التزامُ المتمذهبِ فروعَ مذهبِ إِمامِه، دونَ أصولِهِ.
وقد يكونُ التزامُ المذهبِ في كلِّ واحدةٍ مِن الصورِ آنفة الذكرِ مع عدمِ الخروجِ عنه، أو مع الخروجِ عنه إِنْ ظَهَرَ الدليلُ على خلافِ المذهبِ.
- "أو انتساب مجتهد إِليه"، هذا القيدُ للعالم الَّذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ، وينتسبُ إِلى مذهبٍ معيَّنٍ، دونَ التزامٍ بأصولِ المذهبِ وفروعِه، ودونَ أنْ تُؤَثِّرَ هذه النسبةُ على آرائِه الأصوليةِ والفروعية.
نستخلص مما سبق:
أولًا: أنَّ التمذهبَ قد يقعُ مِن المجتهدِ، ويقعُ مِن العالمِ الَّذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ومِن المتعلمِ الَّذي ارتفعَ عن رتبةِ العامي.
ثانيًا: أنَّ محلَّ التمذهبِ في الفقهِ، وأصولِه.
ثالثًا: أنَّ التزامَ المذهبِ، والخروجَ عنه - إِنْ وُجِدَ ما يقتضي الخروجَ - لا ينافي حقيقةَ التمذهبِ، فيما ظَهَرَ لي، فالمهمُّ لوجودِ حقيقةِ التمذهبِ هو الالتزامُ بالمذهبِ في الجملةِ، فلو كان شخصٌ ما يقلِّدُ المفتين، أو العلماء مِنْ عدةِ مذاهب، فإِنَّه غيرُ متمذهبٍ، وإِنْ كان الإِطلاقُ اللغوي لا يمنعُ مِن وصفِه بالتمذهبِ (^١).
_________________
(١) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرَّحمن الجبرين، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٥١).
[ ١ / ٨٩ ]
رابعًا: قد يصاحبُ الالتزام بالمذهب معرفة أدلتِه في المسائلِ الأصوليةِ والفروعيةِ، وأدلةِ المذاهبِ المخالفةِ - وقد تؤدي تلك المعرفةُ إِلى مخالفةِ المذهبِ، أو نصرتِه - وقد لا يصاحبُ الالتزامَ بالمذهب معرفة الادلةِ، بل يقتصرُ على المسائلِ مجرّدةً عن أدلتِها.