سأتحدث عن المعنى الاصطلاحي للتمذهبِ في ضوءِ الآتي:
أولًا: لم يتعرضْ متقدمو الأصوليين - فيما رجعتُ إِليه مِنْ
_________________
(١) = في: الأعلام للزركلي (٦/ ٢٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٤٣)، ومحمد أبو زهرة للدكتور محمد شبير (ص/ ٢٣).
(٢) الشافعي - حياته وعصره (ص/ ٣٢١).
(٣) انظر: تقريرات عليش على حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٩).
(٤) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ٧٣ ]
مصادر - إِلى بيانِ المعنى الاصطلاحى للتمذهبِ، وقُصَارى ما وقفتُ عليه ورودُ مصطلحِ التمذهبِ عَرَضًا في تضاعيف كلامِ بعضِ الأصوليينَ، كأبي الوفاءِ ابنِ عقيلِ، حيثُ يقولُ: "وقيل: الوقوف (^١) ليس بمذهبٍ، إِنَّما هو جنوحٌ عن التمذهب" (^٢)، ويقولُ في موطنٍ آخر: "قولهم: إِنَّ. ما ذهبتُم إِليه ها هنا يعودُ بقولِكم، ويفضي به إِلى التمذهبِ بمذهبِ (^٣) أهلِ الوقفِ" (^٤).
ويظهرُ لي أنَّ مرادَ ابنِ عقيلٍ بالتمذهبِ الإِفصاحُ عن المذهبِ.
إِلى جانب ذلك عَرَضَ جمعٌ مِن الأصوليين مسألةَ: (التزام العامي بمذهبٍ معيّنٍ)، بحيثُ يأخذُ برخصِه وعزائمِه، متصلةً بالتمذهب، فَوَرَدَتْ عندهم: هل يلزمُ العامي أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ معيَّنٍ، بحيثُ يأخذُ برخصِه وعزائمِه؟
فممَّنْ أوردها بهذه الهيئة: ابنُ الصلاحِ (^٥)، وابنُ حمدان (^٦)، وتقيُّ الدينِ بنُ تيمية (^٧)، وابنُ القيِّمِ (^٨)، وابنُ مفلحٍ (^٩)، وابنُ اللحامِ (^١٠)،
_________________
(١) هكذا وردت في: الواضح في أصول الفقه (١/ ٣١)، ولعل الصواب: "الوقف"، وليس "الوقوف".
(٢) المصدر السابق.
(٣) في المصدر السابق (٤/ ١١٢): "مذهب"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١).
(٦) انظر: أدب الفتوى (ص/ ٧٢).
(٧) انظر: المسودة (٢/ ٨٥٥).
(٨) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣).
(٩) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٦٢).
(١٠) انظر: المختصر في أصول الفقه (ص/١٦٨). وابن اللحام هو: عليّ بن محمد بن عليّ بن عبَّاس بن فتيان البعلي الدمشقي، علاء الدين أبو الحسن، المعروف بابن اللحام، ولد بعد سنة ٧٥٠ هـ كان فقيهًا حنبليًا بارعًا، وأصوليًا متمكنًا، مشاركًا في عدد من الفنون، درَّس وأفتى، ووعظ بالجامع الأموي في حلقة ابن رجب، انتهت إِليه رئاسة المذهب الحنبلي في زمنه، عُرف بالتواضع والزهد، من مؤلفاته: القواعد الأصولية، والأخبار العلمية من الاختيارت الفقهية، وتجريد العناية في تحرير أحكام النهاية، توفي بالقاهرة سنة ٨٠٣ هـ. =
[ ١ / ٧٤ ]
والمرداويُّ (^١).
وصنيعُهم صحيحٌ لا غبارَ عليه، وإِنَّما الخطأُ تَطَرّقَ إِلى مَنْ فَهِمَ مِنْ هذا السياقِ انحصارَ التمذهبِ في صورةِ المسألةِ - كما سيأتي في بعضِ تعريفاتِ المعاصرين بعدَ قليلٍ - مع أنَّ التمذهبَ أوسعُ مِنْ صورةِ المسألةِ، وإنْ كانت هذه الصورةُ هي السائدة في تطبيقِ التمذهبِ في بعض العصور.
يقولُ تاجُ الدّينِ بنُ السبكي: "المحمدون الأربعة: محمد بن نصر (^٢)، ومحمد بن جرير (^٣)،
_________________
(١) = انظر ترجمته في: إِنباء الغمر لابن حجر (٤/ ٣٠١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٣٧)، والضوء اللامع للسخاوي (٥/ ٣٢٠)، والجوهر المنضد لابن المبرد (ص/ ٨٠)، والدر المنضد للعليمي (٢/ ٥٩٦)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٧٦٥).
(٢) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٨٦ - ٤٠٨٧). وقد ذكر جمعٌ من الأصوليين هذه المسألة دون إِيراد لفظ التمذهب، انظر على سبيل المثال: الإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٨)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦٥)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩).
(٣) هو: محمد بن نصر بن الحسين المروزي، أبو عبد الله، ولد ببغداد سنة ٢٠٢ هـ نشأ بنيسابور، ورحل إِلى عدة أوطان في طلب العلم، واستوطن سمرقند، تمذهب بالمذهب الشَّافعي، وبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، كان فقهيًا بارعًا، ومحدثًا متمكنًا، عابدًا ناسكًا، وزاهدًا ورعًا، من أعلم الناس باختلاف الصحابة - ﵃ - ومَنْ بعدهم في الأحكام، ومن أجمع الناس للسنن، وأضبطهم لها، من مؤلفاته: الفسامة، وتعظيم قدر الصلاة، وقيام الليل، ورفع اليدين، توفي بسمرقند سنة ٢٩٤ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٤/ ٥٠٥)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٤)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٩٢)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٣٦٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٣٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٢٤٦)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٣٤).
(٤) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، أبو جعفر، من أهل طبرستان، ولد سنة ٢٢٤ هـ طوَّف الأقاليم في طلب العلم، كان إِمامًا جليلًا مجتهدًا عالمًا فقيهًا أصوليًا، رأس المفسرين على الإِطلاق، بصيرًا بمعاني كتاب الله، فقهيًا في أحكامه، عارفًا بالقراءات، عالمًا بالآثار والسنن، علامةً في اللغة والتاريخ وأيام الناس، من أعيان عصره، كل ذلك مع الزهد والورع، له مصنفات بديعة، منها: جامع البيان في تفسير القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار، والتبصير في أصول الدين، توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٢/ ٥٤٨)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٩١)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي =
[ ١ / ٧٥ ]
وابن خزيمة (^١)، وابن المنذر (^٢) من أصحابنا، وقد بلغوا درجةَ الاجتهادِ المطلقِ، ولم يخرجْهم ذلك عن كونِهم مِنْ أصحابِ الشَّافعي، المخرِّجين على أصولِه، المتمذهبين بمذهبِه، لوفاقِ اجتهادِهم اجتهادَه فإِنَّهم وإِنْ خَرَجُوا عن رأيّ الإِمامِ الأعظمِ في كثيرِ مِن المسائلِ، فلم يَخْرُجوا في الأغلبِ، فَاعْرِفْ ذلك، واعلمْ أنَّهم في أحزابِ الشافعيةِ معدودون، وعلى أصولِه - في الأغلب - مخرِّجون، وبطريقِه متهذبون، وبمذهبِه متمذهبون" (^٣).
_________________
(١) = (٢/ ٤٣١)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٢٦٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٧١٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٢٨٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٢٠)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٥٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (ص/ ٤٨).
(٢) هو: محمد بن إِسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النَّيْسَابُوْرِيّ، أبو بكر، الملقب بإمام الأئمة، ولد سنة ٢٢٣ هـ أحد الحفاظ الأثبات، محدث فقيه حجة، شافعي المذهب، جمع شتات العلوم، وارتفع مقداره، كان إِمام زمانه بخراسان، عديم النظير، يضرب به المثل في سعة العلم والإِتقان، قال عنه ابن سريج: "يستخرج النكت من حديث رسول الله - ﷺ - بالمنقاش"، له منزلة عظيمة في نفوس العلماء، من مؤلفاته: الصحيح، والتوحيد، توفي سنة ٣١١ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٣)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٧٨)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٤٤١)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٣٦٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ١٩٦)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٠٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/٤٨).
(٣) هو: محمد بن إِبراهيم بن المنذر النَّيْسَابُوْرِيّ، أبو بكر، ولد في حدود موت الإِمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ)، كان أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الحرم ومفتيه، علامة فقيهًا محدِّثًا حافظًا، زاهدًا ورعًا دينًا، وعداده من فقهاء الشافعية، قال عنه محيي الدين النووي: "له من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه فيه أحد"، من مؤلفاته: الإِشراف في معرفة الخلاف، والأوسط في السنن والإِجماع والاختلاف، والإِجماع، والإِقناع، والتفسير، توفي بمكة سنة ٣١٨ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ١٩٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٠٧)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٤٩٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ٧٨٢)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٤٩٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٠٢)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٣٧٤)، ولسان الميزان لابن حجر (٦/ ٤٨٢)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٥٩).
(٤) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٠٢ - ١٠٣). وانظر: طبقات الشافعية لابن الصلاح (١/ ٢٧٧).
[ ١ / ٧٦ ]
ويويّدُ ما سَبَقَ ثلاثةُ أمورٍ:
الأمر الأول: أنَّ كثيرًا مِن العلماءِ متمذهبون بمذاهب محددة، بدليل: ما يختمُ به الواحدُ منهم اسمَه مِنْ النسبةِ إِلى مذهبِه، وورود أسمائِهم في كتبِ طبقاتِ المذهبِ، وهم ليسوا مِنْ العامّةِ قطعًا، ولم يلتزمْ جمعٌ منهم برخصِ المذهبِ وعزائمِه، بل خالفوا بعضَ ما في مذهبِهم، ولم يُخْرِجْهم ذلك عن كونِهم متمذهبين (^١).
يؤكدُ ذلك: ما يَرِدُ في ترجمةِ بعضِ العلماءِ في كتبِ الطبقاتِ مِنْ ذِكرِ آرائِه الَّتي انفردَ بها، ولو أخرجه ذلك عن التمذهبِ بمذهبِه، لما ذكروا اسمَه في طبقاتِ المذهبِ.
الأمر الثاني: أنَّ جماعةً مِنْ أهلِ العلمِ بلغوا شأوًا كبيرًا فيه، ومَعَ ذلك فهم ينتسبون إِلى مذاهبِ أئمتِهم (^٢).
الأمر الثالث: الواقعُ العلمي لمؤلفاتِ جمعٍ غفيرِ مِن العلماءِ، فتجدُ العالمَ يُؤَلِّفُ كتابًا في مذهب إِمامِه في الأصولِ أو الفروعِ، ويستدلُّ لأقوالِه، وتجدُ منه التصريحَ بقولَه: مذهبُنا، إِمامُنا.
ثانيًا: كان اهتمامُ المتأخرين بالحديثِ عن التمذهبِ أكثرَ مِن اهتمامِ العلماءِ المتقدمين، وقد عَرَّف جمعٌ منهم مصطلحَ: (التمذهب).
وأنبَّه إِلى أن بعضَ التعريفاتِ الَّتي سأوردها بعد قليلٍ، قد وَرَدَتْ في سياقٍ معيّنٍ، وليست بصريحةٍ في كونِها تعريفًا للتمذهبِ، لكنْ يُمْكِنُ أخذ التعريفِ منها، فاعتبرتُها تعريفًا، وقد نبّهتُ على هذا في موضعِه.