ذكرتُ في صدرِ المطلبِ أنَّ التمذهبَ مصدرٌ مِن الفعلِ: (تمذهب)، ووزنُه (تَمَفْعَل)، وقد جاءَ في لغةِ العرب ولسانِهم أفعالٌ على هذا الوزن، مثل: تمسكن وتمدرع وتمندل وتمنطق (^٣).
يقول سيبويه (^٤) عن وزنِ (تَمَفْعَل): "وقد جاء (تَمَفْعَل)، وهو قليلٌ، قالوا: تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ" (^٥).
ويدلُّ الوزنُ (تَمَفْعَل) على: الإِظهارِ، والأخذِ (^٦).
_________________
(١) انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة: (ذهب)، (ص/ ٢١٠).
(٢) انظر: لسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٤)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (ذهب)، (٤/ ٢٣٠٤)، والقاموس المحيط، مادة: (ذهب)، (ص / ١١١)، والكليات للكفوي (ص/ ٨٦٨).
(٣) انظر: العين للخليل (٥/ ٤١٠)، والصحاح، مادة: (ندل)، (٥/ ١٨٢٨)، والممتع في التصريف لابن عصفور (١/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وارتشاف الضرب لأبي حيان (١/ ١٧١).
(٤) هو: عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، أبو بشر، وأبو الحسن الفارسي ثم البصري، مولى بني الحارث بن كعب، المعروف بسيبويه، طلب الفقه والحديث مدةً، ثم أقبل على العربية، أخذ النحو عن الخليل بن أحمد، ولازمه، وكان الخليل يقول لسيبويه إِذا أقبل إِليه: "مرحبًا بزائر لا يُمل"، كان إِمام البصريين، وأحد أعلام النحو البارعين، بل أعلم المتقدمين والمتأخرين به، جرت بينه وبين عدد من النحاة مناظرات، كان في لسانه حبسة، وقلمه أبلغ من لسانه، وسيبويه لقب، قيل في معناه: رائحة التفاح، من مؤلفاته: الكتاب، وهو أشهرها، توفي بشيراز سنة ١٨٠ هـ وقيل: بالبصرة سنة ١٦١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (١٤/ ٩٩)، وإرشاد الأريب لياقوت (٥/ ٢١٢٢)، وإنباه الرواة للقفطي (٢/ ٣٤٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٦٣)، وسير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٣٥١)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٦٣)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٢٩).
(٥) الكتاب (٤/ ٢٨٦).
(٦) انظر: المفراح في شرح مراح الأرواح لحسن باشا (ص/ ٥٧)، ومحيط المحيط للبستاني، مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).
[ ١ / ٥٨ ]
فمعنى تمذهبَ بكذا: اتَّبعه واتخذه مذهبًا (^١).
وذَكَرَ مؤلِّفُ كتاب: (محيط المحيط) (^٢) أنَّ أكثرَ استعمالِ (تمذهب) في الأديانِ، وقد تستعمَلُ في غيرِها مِنْ مطلقِ الآراءِ.
وما ذكره محلُّ نظرٍ، ولو ادُّعِيَ العكس لما كان بعيدًا عن الصوابِ.
وذَهَبَ جمعٌ مِن العلماءِ مِنْ أهلِ اللغةِ إِلى أنَّ الوزنَ (تَمَفْعَل) شاذٌّ (^٣).
وهذا محلُّ نظرٍ؛ فقد صرَّحَ كلٌّ مِن ابنِ عصفور (^٤)، وأبي حيان (^٥) بهذا الوزنِ، ولم يشيرا إِلى شذوذِه، وتقدمَ لنا كلامُ سيبويه قبلَ قليلٍ.
_________________
(١) انظر: محيط المحيط للبستاني، مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).
(٢) انظر: مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).
(٣) انظر: سر صناعة الإِعراب لابن جني (١/ ٤٣٣)، والمنصف له (١/ ٨٩)، والصحاح، مادة: (ندل)، (٥/ ١٨٢٨)، والأصول في النحو للسراج البغدادي (٣/ ٢٣٧)، ودقائق التصريف لأبي القاسم المؤدب (ص/ ٣٥٦)، والمفصل في صنعة الإِعراب للزمخشري (ص/ ٣٥٨)، والإِيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب (١/ ٦٩٩)، والصفوة الصفية للنيلي (ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٧)، وشرح سنن أبي داود للعيني (٦/ ٣٧١).
(٤) انظر: الممتع في التصريف (١/ ٢٤١ - ٢٤٢). وابن عصفور هو: عليّ بن مؤمن بن محمد بن عليّ بن أحمد الحضرمي الإِشبيلي، أبو الحسن، المعروف بابن عصفور، ولد سنة ٥٩٧ هـ ترقى في دراسة العلم، فكان من علماء العربية، وحامل لوائها بالأندلس، وقد لزم الأستاذ أبا عليّ الشلوبين، واشتغل به عشر سنوات، وختم عليه كتاب سيبويه، وكان من أصبر الناس على المطالعة، لا يمل منها، من مولفاته: الممتع في التصريف، والمقرب، وشرح الجمل، وشرح الحماسة، توفي سنة ٦٦٩ هـ وقيل: سنة ٦٦٣ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٢٢/ ٢٦٥)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٣/ ١٠٩)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٦٠)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢١٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٥٧٥).
(٥) انظر: ارتشاف الضرب (١/ ١٧١). وأبو حيان هو: محمد بن يوسف بن عليّ بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي، أثير الدين أبو حيان النفزي - نسبة إِلى قبيلة من قبائل البربر - ولد بمَطَخْشارَشَ - مدينة مسورة من أعمال غرناطة - سنة ٦٥٤ هـ كان فريد عصره، وشيخ زمانه، من أئمة اللغة والنحو والصرف، مفسرًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات والحديث والأدب والتاريخ، وشدا طرفًا صالحًا في الفقه الشَّافعي، وقيل: إِنه ظاهري المذهب، وقد أقرأ النحوَ =
[ ١ / ٥٩ ]
ويقولُ ابنُ جني (^١): "جاءَ: (تمسْكنَ)، و(تمدْرعَ)، و(تمنطقَ)، و(تمندلَ)، و(تمخرقَ)، وكان يُسمَّى محمدًا، ثمَّ تَمَسْلَم، أيْ: صار يُسمَّى مُسْلِمًا، ومرحبك الله ومسهلك.
فتحملوا -: أيْ: العرب - ما فيه تَبْقِيَة الزائد مع الأصلِ في حالِ الاشتقاقِ؛ كلُّ ذلك توفيةً للمعنى، وحراسةً له، ودلالةً عليه؛ أَلا تراهم إِذ قالوا: تدرَّع، وتسكَّن - وانْ كانت أقوى اللغتين عند أصحابِنا - فقد عرَّضوا أنفسَهم لئلا يُعرفَ غرضُهم: أمِن الدرعِ والسكونِ، أم من المدرعة والمَسكنة؟ وكذلك بقية الباب.
ففي هذا حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى أقروه إِقرارَ الأصولِ" (^٢).
_________________
(١) = في حياة شيوخه؛ لتقدمه فيه، واشتهر اسمُه، وطار صيته، وأخذ عنه أكابر عصره، وكان يقبل على الطلبة الأذكياء، يقول عنه الصفدي: "لم أره قط إِلَّا يسمع، أو يشتغل، أو يكتب، أو ينظر في كتاب"، ألف كتبًا كثيرةً، منها: البحر المحيط في التفسير، والتذييل والتكميل في شرح التسهيل، ومنهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، وارتشاف الضرب من لسان العرب، والنافع في قراءة نافع، توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٢٦٧)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٤/ ٧١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ٢٧٦)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (١/ ٤٥٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٨٠)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٢٨٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٢٥١)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٨٠٦).
(٢) هو: عثمان بن جني الرومي الموصلي، أبو الفتح، المعروف بابن جني، ولد قبل ٣٣٠ هـ من أئمة اللغة العربية، وأحد النحاة المشهورين، ومن أحذق أهل الأدب، وأعلمهم بالنحو والصرف، لزم أبا عليّ الفارسي دهرًا، وتبعه في أسفاره، واستوطن بغداد، ودرَّس بها العلم إِلى أن مات، تخرج به العلماء الكبار، من مؤلفاته: سر صناعة الإِعراب، والخصائص، والمقصور والممدود، فيعراب الحماسة، توفي سنة ٣٩٢ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (١٢/ ٢٠٥)، ونزهة الألباء للأنباري (ص/ ٢٤٤)، وإرشاد الأريب لياقوت (٤/ ١٥٨٥)، وإِنباه الرواة للقفطي (٢/ ٣٣٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٤٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٧/ ١٧)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٤١)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٣٢).
(٣) الخصائص (١/ ٢٢٩). وقارن بسر صناعة الإِعراب لابن جني (١/ ٤٣٣). وقد علَّق الدكتورُ شوقي ضيف في كتابه: تيسيرات لغوية (ص/ ٩٩ - ١٠٠) على كلام ابن جني =
[ ١ / ٦٠ ]
وأيضًا: يشهدُ لوزنِ: (تَمَفْعَل): حديثٌ، وأثرٌ:
أمَّا الحديثُ: فقولُه - ﷺ - (الصلاةُ مثنى مثنى، في كلِّ تشهدٍ ركعتين، وتخشَّع وتضرَّع وتَمَسْكَن، وتُقْنِعُ يديك (^١» (^٢).
_________________
(١) = السابق، قائلًا: "وابنُ جني لا يثبتُ في هذه الأمثلة صيغةَ: (تمفعل) فحسب، بلْ يضيف احتجاجًا لها ذا شقين: أمَّا الشق الأول: أنَّ العرب لجأتْ إِلى هذه الصيغة للتفرقة بين دلالتين: دلالة الفعل المشتق من الحروف الأصلية، ودلالة الفعل المشتق منها ومما زيد معها من الميم. ويوضح ابنُ جني ذلك في الفعلين: تمدرع وتمسكن، فإنَّ دلالة مجرّدِهما من الميم: (تدرَّع وتسكَّن) تغايرُ دلالة المزيد؛ فتدرّع: لبس درع الحرب، وتمدرع: لبس مدرعةً أو قميصًا من الصوف؛ وتسكَّن: من السكون، ضد الحركة، وتمسكن: من المسكنة، أي: الفقر وواضح أنَّ صيغة: (تمفعل) في الأمثلة كلها تعبِّر عن دلالة خاصة، بجانب دلالة الفعل قبل زيادة الميم ويكمل ابن جني احتجاجه للصيغة الَّتي بنيت على أساسها هذه الأفعال - وهي صيغة: (تمفعل) - فيقول: إِن للحرف الزائد في الكلمة عند العرب، كحرف الميم في هذه الصيغة ما للحرف الأصلي من حُرمة الاشتقاق، وواضحٌ في الاحتجاج أنَّ العرب تصنع ذلك حين تريد التعبير عن دلالات جديدة بجانب دلالة الكلمة مجرَّدة، مما يجعل الحرف الزائد في الألفاظ يأخذ حكم الحروف الأصلية! .
(٢) (تقنع يدبك) أي: ترفعهما حال الدعاء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (ص/ ٧٧٤)، وتحفة الأحوذي للمباركفوري (١/ ٦٨١)، وفيض القدير للمناوي (٤/ ٢٢٢).
(٣) جاء الحديث من طريق: الليث بن سعد، حدَّثنا: عبدربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع ابن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العبَّاس - ﵄ -، وأخرجه: البخاري في: التاريخ الكبير (٣/ ٢٨٤) معلَّقًا، وقال بعده: "وهو حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض". والترمذي في: جامعه، كتاب: مواقيت الصلاة عن النبي، باب: ما جاء في التخشع في الصلاة (ص/ ١٠٤)، برقم (٣٨٥)؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: السهو، باب: في نقصان الصلاة (١/ ٣١٧)، برقم (٦١٨)، وفي: كتاب: أبواب الوتر، باب: كيف الرفع؟ (٢/ ١٧٥)، برقم (١٤٤٤)؛ وأحمد في: المسند (٣/ ٣١٥)، برقم (١٧٩٩)، و(٢٩/ ٦٨) برقم (١٧٥٢٥)؛ وأبو يعلى في: مسنده (١٢/ ١٠١)، برقم (٦٧٣٨)؛ وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب: جماع أبواب التطوع، باب: ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أنْ تطوع النهار أربعًا لا مثنى (٢/ ٢٢١)، برقم (١٢١٣)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الصلاة الَّتي سماها خداجًا ما هي؟ (٣/ ١٢٤)، برقم (١٠٩٢، ١٠٩٥)؛ والعقيلي في: الضعفاء (٣/ ٣٨٤)؛ والطَّبراني في: المعجم الكبير (١٨/ ٢٩٥)، برقم =
[ ١ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٧٥٧)؛ وفي: المعجم الأوسط (٨/ ٢٧٨)، برقم (٨٦٣٢)، وقال: "لم يجوَّد إِسنادَ هذا الحديث أحدٌ ممن رواه عن عبد ربه بن سعيد إِلَّا الليث، ورواه شعبة: عن عبد ربه بن سعيد، فاضطرب في إِسناده". وفي: الدعاء، باب: الأمر بالتضرع والتخشع والتمسكن في الدعاء (٢/ ٨٢٨)، برقم (٢١٠)، وقال: "ضبط الليثُ إِسنادَ هذا الحديث، ووَهِم فيه شعبة". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٧). وخالف شعبةُ الليثَ بن سعد، فرواه عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة عن النبي، وأخرج الحديثَ من طريق شعبة: أبو داود في: سننه، كتاب: الصلاة، باب: في صلاة النهار (ص/ ٢٠١)، برقم (١٢٩٦)؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: السهو، باب: في نقصان الصلاة (١/ ٣١٨)، برقم (٦١٩)، وفي: كتاب: أبواب الوتر، باب: كيف الرفع؟ (٢/ ١٧١)، برقم (١٤٤٥)، وقال: "ما نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير الليث وشعبة على اختلافهما فيه". وابن ماجة في: سننه، كتاب: إِقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب: ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (ص/ ٢٣٤)، برقم (١٣٢٥)؛ والطيالسي في: مسنده (٢/ ٧٠٦)، برقم (١٤٦٣)؛ وأحمد في المسند: (١٩/ ٦٦)، برقم (١٧٥٢٣)؛ وابن أبي عاصم في: الآحاد والمثاني (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، وقال: "هذا حديث فيه اختلاف". وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب: جماع أبواب التطوع، باب: ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أنْ تطوع النهار أربعًا لا مثنى (٢/ ٢٢٠)، برقم (١٢١٢)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الصلاة الَّتي سماها خداجًا ما هي؟ (٣/ ١٢٤)، برقم (١٠٩٢، ١٠٩٣)؛ والعقيلي في: الضعفاء (٣/ ٣٨٤)، وقال عن إِسناد رواية الليث، ورواية شعبة: "وفي الإِسنادين جميعًا نظرٌ" والطَّبراني في: الدعاء، باب: الأمر بالتضرع والتخشع والتمسكن في الدعاء (٢/ ٨٢٩)، برقم (٢١١)؛ والدارقطني في: سننه، كتاب: الصلاة، باب: صلاة النافلة في الليل والنهار (٢/ ٢٨٩)، برقم (١٥٤٨). وقد رجح جمعٌ من المحدِّثين روايةَ الليث، وأن شعبة أخطأ في إِسناده، قال الترمذيُّ في: جامعه (ص/ ١٥٤): "سمعت محمد بن إِسماعيل يقول: روى شعبةُ هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، فاخطأ في مواضع: فقال: "عن أنس بن أبي أنس"، وهو عمران ابن أبي أنس، وقال: "عن عبد الله بن الحارث"، وإنما هو عبد الله بن نافع ابن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة: "عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي"، وإنما هو عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن الفضل بن عبَّاس عن النبي. قال محمد: وحديث الليث بن سعد صحيح، يعني: أصح من حديث شعبة". وقال البخاري في: التاريخ الكبير (٥/ ٢١٣) عن الحديث: "لم يصح حديثه". =
[ ١ / ٦٢ ]
وأمَّا الأثرُ: فما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ -، قال في كتابِه الَّذي أرسله إِلى أبي عثمان النهدي (١): (اخشوشنوا
_________________
(١) = وانظر: المعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ٢٠٢)، وشرح مشكل الآثار للطحاوي (٣/ ١٢٦ - ١٢٧). وقال أبو حاتم الرَّازي في: العلل (٢/ ٢٢٠) عن الحديث: "حديث الليث أصح؛ لأنَّ أنس بن أبي أنس لا يُعرف"، وقال في: المصدر السابق (٢/ ٢٧٠): "ما يقول الليث أصح؛ لأنَّه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابنُ لهيعة، وعمر والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ"، ثم قال عن الحديث: "حسن". وأخرج رواية ابن لهيعة: الطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الصلاة الَّتي سماها خداجًا ما هي؟ (٣/ ١٢٦)، برقم (١٠٩٦)؛ وأبو بكر الشَّافعي في: الغيلانيات (١/ ٣٩٦)، برقم (٤٣٩). وقال عبد الله بن الإِمام أحمد في المسند (٢٩/ ٦٨) بعد رواية الليث: "هذا هو الصواب عندي". وقال الخطابي في: معالم السنن (٢/ ٨٧): "وأصحاب الحديث يُغلِّطون شعبة في رواية هذا الحديث". وقال ابن عبد البر في: التمهيد (٥/ ٦٢٨) عن رواية الليث: "إِسنادٌ مضطرب ضعيفٌ، لا يحتج بمثله؛ رواه شعبة على خلاف ما رواه الليث". وقد ضعف الألبانيُّ الحديثَ في: تعليقه على السنن في المواضع السابقة. وحسَّن الحديثَ السيوطيُّ كما في: فيض القدير للمناوي (٤/ ٢٢٢)، لكن مدار الحديث على عبد الله بن نافع ابن العمياء، قال عنه ابن حجر في: تقريب التهذيب (ص/ ٣٨٥): "مجهول".
(٢) هو: عبد الرَّحمن بن مل - بتثليث الميم - بن عمرو القضاعي بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة القضاعي، ويُعْرَف بأبي عثمان النهدي، أصله من الكوفة، ولما قُتل الحسين بن عليّ تحول إِلى البصرة، وهو مخضرم؛ إِذ أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله - ﷺ -، ولم يلقه، كان إِمامًا حجةً ثقةً صالحًا كثير العبادة، حسن القراءة، شيخ وقته، لزم سلمان الفارسي - ﵁ -، فصحبه اثنتي عشرة سنة، وقد روى عن عدد من الصحابة - ﵃ -، منهم: عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، وروى عنه: ثابت البناني، وأيوب السختياني، وحميد الطويل، توفي سنة ٩٥ هـ وقيل: سنة ١٠٠ هـ وهو ابن مائة وثلاثين سنة. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٩٧)، وتاريخ مدينة السَّلام للخطيب (١١/ ٤٩٥)، وتهذيب الكمال للمزي (١٧/ ٤٢٤)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ١٧٥)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ٥٥٥)، وتقريب التهذيب له (ص/ ٤١٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (١/ ٤٠٤).
[ ١ / ٦٣ ]
وتمعددوا (١) ) (٢).
وذَهَبَ جمعٌ مِنْ أهلِ اللغةِ إِلى أنَّ الوزنَ (تَمَفْعَل) ملحقٌ (٣) بالرباعي
_________________
(١) معنى: "تَمَعْدَدوا"، أي: تشبهوا بعيش معد بن عدنان في تقشفهم وخشونة عيشهم، وكانوا أهل غلظ وقشف، أي: كونوا مثلهم، ودعوا التنعم. وقيل: معنى: "تمعدد": الغلظ، يُقال للغلام إِذا شبَّ وغلظ: قد تمعدد. انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري مادة: (فرق)، (٣/ ١٠٥)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (معد)، (ص/ ٨٧٥)، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٢٦٨).
(٢) أخرج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: أبو عوانة في: المستخرج (٥/ ٢٣١)، برقم (٨٥١٤)، وصحح ابنُ مفلح في: الفروع (٢/ ٨٧)، ومحمد السفاريني في: غذاء الألباب (٢/ ٣٤١) إِسنادَ رواية أبي عوانة؛ وأبو القاسم البغوي في: الجعديات (١/ ٣٠٣)، برقم (١٠٠١)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: (أما أنا فلا آكل متكئًا) (٥/ ٣٣٩)؛ وفي شرح معاني الآثار، كتاب: الكراهية، باب: الشرب قائمًا (٤/ ٢٧٥)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: السبق، باب: التحريض على الرمي (١٠/ ١٤). وقال تقيُّ الدين بن تيمية في: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٧٨) عن أثر عمر - ﵁ -: "هذا مشهور محفوظ عن عمر - ﵁ -". وأخرج ابن أبي شيبة في: المصنّف، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في إِعراب القرآن (١٥/ ٤٣٣)، برقم (٣٠٥٣٤) عن عمر بن زيد قال: كتب عمر إِلى أبي موسى: (أما بعد: فتفقهوا في السنن وتمعددوا). وقد جاء حديث عن النبي - ﷺ -، ولفظه: (تمعددوا واخشوشنوا)، وهو ضعيف جدًّا؛ إِذ مدار الحديث على عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف جدًّا. انظر: تخريج إِحياء علوم الدين للعراقي (٢/ ٦٧٢)، ومجمع الزوائد للهيثمي (٥/ ١٣٦)، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٢٦٨)، وكشف الخفاء للعجلوني (١/ ٣٧٨)، وسلسلة الأحاديث الضَّعيفة للألباني (٧/ ٤٢٦). وهنا أثر آخر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (دارُ المؤمنِ في الجنة لؤلؤة فيها شجرةٌ تنبتُ بالحلل، فياخذُ الرجلُ بأصبعيه حلةً متمنطقة باللؤلؤِ والمرجان)، ولم أذكره في الصلب؛ لأنَّه ورد في بعض المصادر بلفظ: (منطقة). وأخرجه: ابن أبي الدنيا في: صفة الجنة برقم: (١٥١)؛ وابن المبارك في: الزهد، برقم (٢٦٢)؛ وابن أبي شيبة في: المصنِّف، كتاب: صفة الجنة والنار، باب: ما ذكر في صفة الجنة وما فيها وما أعد لأهلها (١٨/ ٤٥٧)، برقم (٣٤١٧٤). وانظر: حادي الأرواح لابن القيم (١/ ٤٣٥).
(٣) الإِلحاق عند الصرفيين: جعل لفظ على مثال لفظ آخر ليعامل معاملته. وعرَّفه العيني في: شرحه للمراح (ص/ ٤٩) بقوله: "هو: جعل مثال على مثال أزيد منه ليعامل معاملته" قال: أي ليوازن موازنته.
[ ١ / ٦٤ ]
المزيدِ فيه حرف واحد (١).
وتعقب هذا الشَّيخ محمد الاستراباذي (٢)، فقال: "وفي عدِّ النحاة (تَمَدْرع) و(تَمَنْدل) و(تَمَسْكن) مِن الملحقِ نظرٌ، وإِنْ وافقتْ تَدَحْرَجَ في جميع التصاريف؛ وذلك لأنَّ زيادةَ الميمِ فيها ليستْ لقصدِ الإِلحاق، بلْ هي مِنْ قبيلِ التوهمِ والغلطِ، ظنَّوا أنَّ ميمَ منديل ومسكين ومدرعة فاء الكلمة، كقاف قنديل ودال درهم، والقياسَ تدرع وتندّل وتسكّن فتَمَدْرع وتَمَنْدل وتَمَسْكن، وإِنْ كافتَ على تَمَفعَل في الحقيقةِ، لِكن في توهم تَفَعْلَلَ" (٣).
* * *
_________________
(١) انظر: المفصل في صنعة الإِعراب للزمخشري (ص/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، وشرح المفصل في صنعة الإِعراب للخوارزمي (٣/ ٣٣٦)، وارتشاف الضرب لأبي حيان (١/ ١٧١)، والمفراح في شرح مراح الأرواح لحسن باشا (ص/ ٥٧)، والمزهر في علوم اللغة للسيوطي (٢/ ٤١)، وتاج العروس، مادة: (سكن)، (٣٥/ ٢٠٢).
(٢) هو: محمد بن الحسن الرضي الاستراباذي، نجم الدين، ونجم الأئمة، ولد سنة ٦٢٤ هـ من علماء النحو والصرف، ومؤلفاته دالة على سعة علمه، منها: شرح كافية ابن الحاجب، وشرح شافية ابن الحاجب، يقول جلال الدين السيوطي عن شرح الرضى للكافية: "الَّذي لم يُؤلف على الكافية - بل ولا في غالب كتب النحو - مثلها جمعًا وتحقيقًا وحسن تعليل"، توفي سنة ٦٨٦ هـ أو: ٦٨٤ هـ. انظر ترجمته في: بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٥٦٧)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٢٨)، والأعلام للزركلي (٦/ ٨٦).
(٣) شرح شافية ابن الحاجب (١/ ٦٨). وانظر: الصحاح، مادة: (سكن)، (٥/ ٢١٣٧). ولمزيد من التوسع في صيغة: (تمفعل) انظر: تيسيرات لغوية للدكتور شوقي ضيف (ص/ ٩٨ - ١٠٢)، وآراء ابن بري التصريفية للدكتور فراج الحمد (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
[ ١ / ٦٥ ]