تعددتْ تعريفاتُ العلماءِ لعلمِ الخلافِ، ومن تلك التعريفات:
التعريف الأول: الجدلُ الواقعُ بين أصحابِ المذاهبِ الفرعيةِ.
وهذا تعريفُ طاش كبري زاده (^٢).
وقريبٌ منه تعريفُ سعدِ الدين التفتازاني، إذ عرّفه بـ: علمِ الاختلافِ الواقعِ بين المجتهدين (^٣).
ويتميّزُ تعريفُ التفتازاني بأنَّه لم يقصر الخلافَ على الخلافِ في الفروعِ، بلْ عرَّفه بما يشملُ بعمومِه الاختلافَ في الأصولِ.
التعريف الثاني: علمٌ يُعْرَفُ به كيفيةُ إيرادِ الحججِ الشرعيةِ، ودفعِ الشبهِ، وقوادح الأدلة الخلافية، بإيرادِ البراهين القطعيةِ.
وهذا تعريفُ حاجِّ خليفة (^٤)،
_________________
(١) مقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٣)، بتصرف يسير.
(٢) انظر: مفتاح السعادة (٢/ ٥٩٩). وطاش كبري زاده هو: محمد بن أحمد بن مصطفى بن خليل الرومي، عصام الدين أبو الخير، المعروف بطاش كبري زاده، ولد في بروسة سنة ٩٠١ هـ وهو من العلماء الأعيان، أخذ عن أبيه الحديث والتفسير، كان حنفي المذهب، مؤرخًا، تولى القضاء بالقسطنطينية، ودرَّس بعدة مدارس، من مؤلفاته: مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، والمعالم في الكلام، والشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، توفي سنة ٩٦٨ هـ. انظر ترجمته في: كشف الظنون لحاج خليفة (٢/ ١٧٦٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٥١٤)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ١٣٨)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٥٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٣٠٨).
(٣) نقل هذا العريف ساجقلي زاده في: ترتيب العلوم (ص/ ١٤٣).
(٤) انظر: كشف الظنون (١/ ٧٢١). وحاج خليفة هو: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي، المعروف بين أهل الديوان بحاجى خليفة، أو حاج خليفة، والشهير بين العلماء بكاتب =
[ ١ / ١٣٦ ]
ومرتضى الزَّبِيْدِي (^١)، وصديق القنوجي (^٢)، وعبدِ القادر بن بدران (^٣)، ومحمد حسنين مخلوف (^٤).
_________________
(١) = جلبي، ولد بالقسطنطينية سنة ١٠١٧ هـ كان علامةً فقيهًا حنفيًا، مؤرخًا بحاثةً، رئيسًا لكتبة أسرار السلطان مراد الرابع العثماني، انقطع في السنوات الأخيرة من حياته إلى تدريس العلوم، من مؤلفاته: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، وتقويم التواريخ، وميزان الحق، وله مؤلفات باللغة التركية، توفي بالقسطنطينية سنة ١٠٦٧ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة كشف الظنون (١/ هـ)، والأعلام للزركلي (٧/ ٢٣٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٨٧٠).
(٢) انظر: إتحاف السادة المتقين (١/ ٢٨٧). ومرتضى الزبيدي هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الزبيدي، أبو الفيض وأبو الوقت، الشهير بمرتضى الحسيني، أصله من واصل بالعراق، ولد بالهند سنة ١١٤٥ هـ من كبار علماء اللغة والنحو والأدب، علامة نسابة فقيه وأصولي ومحدث، حنفي المذهب، وقد عده الشهاب المرجاني من المجددين على رأس المائة الثانية عشرة، من مؤلفاته: إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين، وتاج العروس شرح القاموس، وللغة الغريب في مصطلح آثار الحبيب، وعقد الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة، توفي بمصر سنة ١٢٠٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي (٢/ ١٠٣)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ٥٢٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ٧٠)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٦٨١).
(٣) انظر: أبجد العلوم (ص/ ٣٩٢). وصديق القنوجي هو: محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله خان الحسيني البخاري القنوجى، ولد بقنوج بالهند سنة ١٢٤٨ هـ نشأ بمسقط رأسه، وأخذ العلم عن علماء بلده، كان علامةً فقيهًا أصوليًا، له معرفة بالحديث والتفسير، وتقلد عدة مناصب في بهوبال، وتزوج من ملكة بهوبال، وقد ألَّف كتبًا كثيرة، وكان متأثرًا بالإمام محمد الشوكاني، ويوافقه في موقفه من أرباب المذاهب، من مؤلفاته: فتح البيان في مقاصد القرآن، والدين الخالص، والتاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، وحصول المأمول من علم الأصول، وعون الباري شرح مختصر صحيح البخاري، توفي سنة ١٣٠٧ هـ. انظر ترجمته في: التاج المكلل للقنوجي (ص/ ٥٤١)، وأبجد العلوم له (ص/ ٧٢٥)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٨/ ١٢٤٦)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٨٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٦٧).
(٤) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٥٠).
(٥) انظر: بلوغ السول (ص/١٠ - ١١). ومحمد مخلوف هو: محمد بن حسنين بن محمد مخلوف العدوي المصري الأزهري، شمس الدين، ولد في بلدة بني عدي بمصر سنة ١٢٧٧ هـ من علماء المذهب المالكي، كان فقهيًا أصوليًا، عارفًا بالتفسير والفلسفة وعلم الكلام، عف اللسان، كريم الأخلاق، مهابًا في مجلسه، شديد الصلابة في الحق، صريح المقال، صوفيًا خلوتي الطريقة، وأول من بدأ في إنشاء مكتبة الأزهر وتنظيمها، من مؤلفاته: بلوغ السول في علم الأصول، والمدخل المنير في علم التفسير، والفصول الوفيات في أحكام المعاملات، =
[ ١ / ١٣٧ ]
يقولُ حاجّ خليفة بعد التعريفِ: "وهو الجدلُ الذي هو قسمٌ مِن المنطقِ، إلا أنَّه خُصَّ بالمقاصدِ الدينيةِ" (^١).
التعريف الثالث: علمٌ باحثٌ عن وجوهِ الاستنباطاتِ المختلفةِ مِن الأدلةِ الإجماليةِ، أو التفصيلةِ، الذاهب إلى كل منها طائفةٌ مِن العلماءِ.
نقل هذا التعريفَ الشيخُ صديقٌ القنوجي في كتابِه: (أبجد العلوم) (^٢).
وبتأمّلِ التعريفاتِ السابقةِ، وبالنظر إلى واقع الكتب المؤلفة في الخلاف (^٣) أجدُ أنَّ أقربَها هو التعريف الأول، لكنْ دونَ قصرِه على الخلافِ في الفروعِ، بلْ توسيعُ دائرةِ التعريفِ؛ ليشملَ الخلافَ الواقعَ بين الأئمةِ في الأصولِ، والفروعِ.