لم يتعرضْ أكثرُ العلماءِ - فيما وقفتُ عليه مِنْ مصادر - إلى تعريفِ الصلابةِ في المذهبِ، ولقد وقفتُ على تعريفين لعالمين متأخرين:
التعريف الأول: الثباتُ على ما ظَهَرَ للمجتهدِ مِن الدليلِ.
وهذا تعريفُ الشيخِ محمد المُلا فروخ (^٨). وقال عقيبه: "وذلك لا يتمُّ إلا للمجتهدِ نفسِه، أو لمَنْ هو مِنْ أهلِ النظرِ والترجيحِ ممَّنْ أخذَ بقولِه" (^٩).
والظاهر أنَّ مرادَه بالمجتهد في التعريفِ المجتهدُ المطلقُ، والمجتهدُ الجزئيُّ، والمجتهدُ في المذهبِ، إذا تحققتْ له أهليةُ النظرِ في الدليلِ.
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين، وتهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٧).
(٢) انظر: المصادر السابقة، ولسان العرب، مادة: (صلب)، (١/ ٥٣٠).
(٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٥)، ولسان العرب، مادة: (صلب)، (١/ ٥٢٨).
(٤) انظر: الصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٤)، ومقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠٢).
(٥) مقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠١).
(٦) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٥).
(٧) انظر: المصدر السابق مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٦)، والصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٤)، ومقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠٢)، ولسان العرب مادة: (صلب)، (١/ ٥٢٩).
(٨) انظر: القول السديد (ص/ ١١٤).
(٩) المصدر السابق.
[ ١ / ١٥١ ]
وبناءً على ما سبق: فيُعنى بالمذهبِ في التعريف السابق: (الصلابة في المذهب): القول.
ويظهرُ لي أنَّ الصلابةَ في قولنا: (الصلابة في المذهب)، يُعنَى بها: الشدةُ في التمسكِ بالمذهبِ، ويظهرُ أثرُها في الثباتِ عليه.
التعريف الثاني: وجوبُ الثباتِ على الطريقةِ الثابتةِ عن النبي - ﷺ -، والصحابةِ والتابعين، ومَنْ بعدهم مِنْ أئمةِ الدّين والسلفِ الصالحين، مِن اتِّباع الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والقياسِ.
هذا تعريف الشيخِ محمد بخيت المطيعي (^١)، ذكره في موضعٍ (^٢)، وفي موضعٍ آخر أشارَ إليه، فقال: "ومعنى وجوب الصلابةِ في المذَهبِ، هو وجوبُ الثباتِ على الطريقةِ الثابتةِ عن النبي - ﷺ -، والصحابةِ والتابعين، ومَنْ بعدَهم مِنْ أئمةِ الدِّينِ والسلفِ الصالحين، مِن اتباع (^٣) الكتاب والسنةِ والإجماعِ والقياسِ، لا التزام مذهب فقيهٍ والتقيّد به، والتعصب له، مِنْ غيرِ قيامِ دليلٍ يُوْجِبُ ذلك" (^٤).
_________________
(١) انظر: إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة (ص/ ٢٢٧). والشيخ محمد المطيعي هو: محمد بخيت بن حسين المطيعي، ولد في المطيعة بأسيوط مصر سنة ١٢٧١ هـ دَرَسَ في الأزهر على أيدي كبار علماء عصره، وتولى القضاء في عدد من المدن المصرية، كان من كبار العلماء المتأخرين، وشيخ فقهاء عصره، ومن أعيان المذهب الحنفي، علامةً محررًا فقيهًا أصوليًا بارعًا، متبحرًا في عدة علوم: كالتفسير والفلسفة والمنطق، وقد تقلد منصب مفتي الديار المصرية، من مؤلفاته: البدر الساطع على جمع الجوامع، وإرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة، وسلم الوصول على نهاية السول، وإرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة، توفي سنة ١٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٨١)، وأقوالنا وأفعالنا لمحمد كرد علي (ص/ ٣٩٣)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٣٤)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (٢/ ٤٩٧)، والأعلام للزركلي (٦/ ٥٠)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٥٩).
(٢) انظر: رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها (ص/ ٥٠).
(٣) في المطبوع من: إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة (ص/ ٢٢٧): "أتباع"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ١٥٢ ]
وبتأمّل الكلام الآنف الذِّكر، يظهر لي أنَّ الشيخَ محمدًا المطيعي أرادَ معالجةَ التعصبِ والتشددِ المذهبي ببيانِ أنَّ الصلابةَ في المذهبِ على الوجهِ الصحيحِ تعني الثباتَ على طريقةِ النبي - ﷺ - وأصحابِه ومَنْ تَبع سبيلَهم؛ إذ لا مناسبةَ بين الصلابةِ في المذهبِ، والتعريفِ الذي أورده الشيخُ المطيعي.
ومهما يكن مِنْ أمرٍ: فإنِّي سأسيرُ في أثناءِ عرضِ العلاقةِ بين التمذهبِ، والصلابةِ في المذهبِ في ضوءِ. التعريفِ الأولِ، تاركًا ما أورده الشيخُ محمد المطيعي.