اهتمَّ العلماءُ ببيانِ المعنى الاصطلاحي للمذهبِ، وتعدّدتْ عباراتُهم في تحديدِه، فمِنْ تلك التعريفات:
التعريف الأول: أنَّ مذهب الإِنسان هو: اعتقادة.
ذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: أبو الحسين البصري (١)، وأبو المظفرِ السمعافي (٢)، وغيرُهما.
يقولُ أبو الحسين البصري: "فمتى ظنَّنا اعتقادَ الإِنسان، أو عرفناه ضرورةً، أو بدليلِ مجملٍ، أو مفصَّلٍ: قلنا: إِنَّه مذهبُه، ومتى لم نظنّ ذلك، ولم نعلمْه، لم نقلْ: إِنَّه مذهبُه" (٣).
ويُشْكِل على هذا التعريفِ: أنَّه قَصَرَ المذهبَ على ما اعتقدُه الإِنسانُ، دونَ ما ظنَّه، أو غَلَبَ على ظنِّه، والمجزومُ به شمول مصطلحِ المذهبِ لما اعتقده الإِنسان، ولما ظنّه، ولما غَلَبَ على ظنِّه.
_________________
(١) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٥)، وشرح العمد (٢/ ٣٣٤).
(٢) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨٨).
(٣) المعتمد (٢/ ٨٦٥).
[ ١ / ٦٦ ]
وقد يُقَالُ ليس المرادُ بالاعتقادِ هنا الحكمَ الجازمَ المرادفَ لليقين، بَل المرادُ مجرَّدُ الإِدراكِ، سواء أكان علمًا، أم ظنًّا، أم شكًّا، أم تقليدًا (^١).
التعريف الثاني: ما قاله المجتهدُ بدليلِ، ومات قائلًا به.
ذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: تقيُّ الدينِ بنُ تيمية (^٢)، والمرداويُّ (^٣)، وغيرهما.
وقد حوى التعريف قيدًا، وهو عدمُ رجوعِ المجتهدِ عن قولِه، فلو رَجَعَ عنه، لما عُدَّ قائلًا به.
التعريف الثالث: ما قاله المجتهدُ، أو دلَّ عليه بما يجري مجرى القولِ، من تنبيهٍ، أو غيرِه.
ذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: أبو الخطابِ (^٤)، وابنُ مفلح (^٥)، وابنُ المبرد (^٦)، وغيرُهم.
ويتميّزُ هذا التعريف بتوسيعِ دائرةِ المذهبِ، فيشملُ القولَ، وما جرى مجراه.
_________________
(١) انظر: المحصول في أصول الفقه للرازي (١/ ٨٦)، والحاصل من المحصول (١/ ٢٣٢)، والتحصيل من المحصول (١/ ١٧)، ونفائس الأصول (١/ ١٩١).
(٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٨).
(٣) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٣).
(٤) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٦٨).
(٥) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٠٩).
(٦) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٣٥). وابن المبرد هو: يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عليّ بن أحمد بن عبد الهادي القرشي العدوي الدمشقي، أبو المحاسن جمال الدين، المشهور بابن المِبْرَد، ولد بدمشق سنة ٨٤٠ هـ وقيل ٨٤١ هـ كان عالمًا عاملًا محدثًا فقهيًا أصوليًا متقنًا، مشاركًا في النحو والتصريف والبيان والتفسير، جليل القدر، حنبلي المذهب، أفنى عمره بين العلم والعبادة، له مؤلفات كثيرة، منها: إِرشاد الحائر إِلى علم الكبائر، والإِغراب في أحكام الكلاب، وشرح غاية السول إِلى علم الأصول، ومقبول المنقول من علمي الجدل والأصول، توفي بدمشق سنة ٩٠٩ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١٠/ ٣٠٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٦٢)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ٦٧)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ١١٦٥)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١١٤١).
[ ١ / ٦٧ ]
التعريف الرابع: ما اعتقده المجتهدُ - جزمًا، أو ظنًا - بدليلٍ.
ذَكَرَ هذا التعريفَ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ في: (المسودة) (^١).
ويحتملُ قولُه: "جزمًا، أو ظنًا" أحدَ معنيين:
المعنى الأول: أنَّ الاعتقادَ قد يكون اعتقادًا جازمًا، وقد يكون اعتقادًا ظنيًا.
المعنى الثاني: أنّنا نجزمُ، أو نظنُّ أن هذا اعتقادُ المجتهدِ.
التعريف الخامس: ما نصَّ عليه الإِمامُ، أو أَوْمَأَ إِليه، أو خرَّجه أصحابُه، أو ما استنبطوه مِنْ قولِه، أو تعليلِه.
ذَكَرَ هذا التعريفَ ابنُ حمدان (^٢).
وينفردُ التعريفُ الخامسُ عن التعريفاتِ السابقةِ بإدخاله ما خرّجه أتباعُ المذهبِ في تعريفِ المذهبِ.
التعريف السادس: ما ذَهَبَ إِليه الإِمامُ من الأحكامِ الاجتهاديةِ.
وهذا تعريفُ محمد الحطاب (^٣)، وإِبراهيم اللقاني (^٤)، ومحمد
_________________
(١) انظر: (٢/ ٩٤٨).
(٢) انظر: صفة الفتوى (ص / ١١٣).
(٣) انظر: مواهب الجليل (١/ ٢٤). ومحمد الحطاب هو: محمد بن محمد بن عبد الرَّحمن بن حسن الرعيني المغربي، أبو عبد الله، المعروف بالحطَّاب، ولد بمكة سنة ٩٠٢ هـ من أئمة المالكية المتأخرين، كان علامةً فقهيًا حافظًا محققًا ثقةً نظارًا، صالحًا ورعًا متقنًا لعدة علوم، كالتفسير والحديث والأصول واللغة وغريبها، متصرفًا في الفنون تصرفًا تامًّا، له مؤلفات في مذهب المالكية جيدةٌ ونفسيةٌ، منها: مواهب الجليل شرح مختصر خليل، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام، وقرة العين بشرح ورقات إِمام الحرمين، توفي سنة ٩٥٤ هـ. انظر ترجمته في: نيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٥٩٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٧٠)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٧٠)، والأعلام للزركلي (٧/ ٥٨).
(٤) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢٢١). وإِبراهيم اللقاني هو: إِبراهيم بن إِبراهيم بن حسن بن عليّ بن عليّ اللقاني، برهان الدين أبو إِسحاق - وفي بعض المصادر: أبو الأمداد! - كان مالكي المذهب، فقيهًا أصوليًا، قوي النفس، عظيم الهيبة، متفقًا على جلالته، وعلو شأنه، أحد الأعلام المشار إِليهم بسعة العلم، والتبحر فيه، وقد أخذ العلم عن جماعةٍ من غيرِ =
[ ١ / ٦٨ ]
الدسوقي (^١)، وغيرهم.
التعريف السابع: ما اختصَّ به الإِمامُ مِن الأحكامِ الشرعيةِ الفروعيةِ الاجتهاديةِ، وما اختصَّ به من أسبابِ الأحكامِ، والشروطِ، والموانعِ، والحجاج المثبتة لها.
وهذا تعريفُ شهابِ الدينِ القرافي (^٢)، وقد أفاضَ في شرحِه وتوجيهه (^٣).
وقريبٌ منه تعريفُ أحمدَ الحموي (^٤)، إِذ عرَّفَ المذهبَ بأنَّه: ما
_________________
(١) = أرباب مذهبه، وتولى إِفتاء الناس، من مؤلفاته: جوهرة التوحيد، وقضاء الوطر من نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، وحاشية على مختصر خليل، ومنار أصول الفتوى وتواعد الإِفتاء بالأقوى، توفي سنة ١٠٤١ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (١/ ١٦)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ١٣٠)، وتاريخ عجائب الآثار للجبرتي (١/ ١١٥)، وهدية العارفين للبغدادي (٥/ ٣٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٩١)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٧٧)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٨).
(٢) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٩). ومحمد الدسوقي هو: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي، أبو عبد الله شمس الدين، ولد بدسوق من قرى مصر، كان علامةً فهامة محقق عصره، ووحيد دهره، واحدًا من كبار علماء المذهب المالكي، وقد أتقن علم الهيئة والهندسة والتوقيت، تصدر للإِفتاء وللتدريس، وأتى بكل نفيس، كان فريدًا في تسهيل المعاني وتبيين المباني، يفك كل مشكل، من مؤلفاته: الحدود الفقهة، وحاشية على مغني اللبيب، وحاشية على الشرح الكبير للدردير، وحاشية على مختصر السعد، وحاشية على الرسالة الوضعية، توفي سنة ١٢٣٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي (٣/ ٤٩٦)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٦١)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٨٢).
(٣) انظر: الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ١٩٥).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٩٢ - ٢٠٦).
(٥) هو: أحمد بن محمد الحسيني الحموي الأصل، أبو العبَّاس شهاب الدين المصري، من محققي الحنفية، ومدققيهم، كان فقيهًا أصوليًا، تولى إِفتاء الحنفية، والتدريس بالقاهرة، من مؤلفاته: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، والدر الفريد في بيان حكم التقليد، وكشف الرمز عن خبايا الكنز، وحكم الصلاة في السفينة، توفي سنة ١٠٩٨ هـ. انظر ترجمته في: عجائب الآثار للجبرتي (١/ ١١٤)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٣٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٢٥٩).
[ ١ / ٦٩ ]
اختصَّ به المجتهدُ مِن الأحكامِ الشرعيةِ الاجتهاديةِ، المستفادةِ مِن الأدلةِ الظنيةِ (^١).
ويتميّزُ التعريفانِ: السادسُ والسابعُ بنصِّهما على أنَّ المذهبَ إِنَّما يصدقُ على الأحكامِ الاجتهاديةِ، أمَّا الأحكام القطعية - كوجوب الصلاة والزكاة ونحوهما - فلا يسمَّى القول بها مذهبًا، فلا يُقالُ مثلًا: مذهبُ أحمدَ وجوبُ الصلاةِ أو وجوبُ الزكاةِ.
يقولُ شهابُ الدينِ القرافيُّ: "أَلا تَرَى أنَّه لو قالَ قائلٌ: وجوبُ الخمسِ صلوات في كلِّ يومِ هو مذهبُ مالكٍ، لَنَبَا عنه السمعُ، ونَفَرَ منه الطبعُ، وتُدْرِكُ بالضرورةِ فَرْقًا بين هذا القولِ، وبين قولنا: وجوبُ التدليكِ في الطهاراتِ مذهبُ مالكٍ، ووجوبُ الوترِ مذهبُ أبي حنيفة، ولا يتبادر إِلى الذهنِ إِلَّا هذا الَّذي وَقَعَ به الاختصاصُ، دونَ ما اشترك فيه السلفُ والخلفُ، والمتقدمون والمتأخرون" (^٢).
التعريف الثامن: ما ذَهَبَ إِليه الإِمامُ، وأصحابُه مِن الأحكامِ في المسائلِ.
وهذا تعريفُ الرملي الشَّافعي (^٣).
ويتميّزُ التعريفُ بإِدخالِه أقوال أصحابِ الإِمامِ في المذهبِ، وهذا
_________________
(١) غمز عيون البصائر (١/ ٤٦).
(٢) الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ١٩٤ - ١٩٥)، بتصرف يسير.
(٣) انظر: نهاية المحتاج (١/ ٤٢). والرملي هو: محمد بن أحمد بن حمزة الرملي الأنصاري المصري، أبو العبَّاس شمس الدين، ولد بالقاهرة سنة ٩١٩ هـ كان أحد الفقهاء المحققين، وعمدة المذهب الشَّافعي في وقته، حتى لقب بالشافعي الصغير، وبأستاذ الأستاذين، وكان أحد أساطين العلماء، جمع الله له بين الحفظ والفهم، ولي منصب إِفتاء الشافعية، واشتهر اسمه بين علماء عصره، من مؤلفاته: نهاية المحتاج إِلى شرح المنهاج، وشرح البهجة الوردية، والغرر البهية في شرح المناسك النووية، وغاية البيان شرح زبدة الكلام، توفي بالقاهرة سنة ١٠٠٤ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٣/ ٣٢٨)، والأعلام للزركلي (٦/ ٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٦١).
[ ١ / ٧٠ ]
يتّفقُ مَعَ ما عليه عملُ أربابِ المذاهبِ مِنْ إِدخالِهم أقوالَ أصحابِ الإِمامِ في مسمَّى المذهبِ.
ولو أَبدلَ لفظَ: "و" بـ "أو" لكانَ أنسب؛ لئلا يفهمَ أحدٌ أنَّ المذهبَ لا يصدق إِلَّا على ما قال به الإِمامُ وأصحابُه معًا.
التعريف التاسع: المسائلُ الَّتي يقولُ بها المجتهدُ، أو الَّتي يستخرجها أتباعُه مِنْ قواعدِه.
وهذا تعريفُ الشيخِ أحمدَ الهلالي (^١).
التعريف العاشر: المشهور من المذهب.
ذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخُ عبدُ الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٢).
_________________
(١) انظر: نور البصر (ص/ ١٢٩ - ١٣٥)، بواسطة محقق كتاب الطريقة المثلى في الإِرشاد إِلى تروك التقليد لأبي الخير القنوجي (ص/ ٢٢). وأحمد الهلالي هو: أحمد بن عبد العزيز بن رشيد الهلالي السجلماسي، أبو العبَّاس، ولد سنة ١١١٣ هـ كان فقيهًا مالكيًا نظارًا محدثًا متبحرًا في العلم، لغويًا متمكنًا مشاركًا في عدة فنون، علامة المنقول والمعقول بالمغرب، عُرِفَ بالورع والزهد، وشدة التمسك بالسنة والدين، من مؤلفاته: شرح على مختصر خليل، وفتح القدوس في شرح خطبة القاموس، ونور البصر في شرح المختصر، وشرح منظومة القادي في المنطق، والمراهم في الدراهم، توفي بمدغفرة تافيلالت سنة ١١٧٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحضيكي (١/ ١١٦)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١٠٩٩)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٥٥)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٩٠)، والأعلام للزركلي (١/ ١٥١).
(٢) انظر: الدرر السنية (٤/ ١٨). وعبد الله بن محمد هو: عبد الله بن الشَّيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عليّ بن محمد التميمي، ولد بالدرعية سنة ١١٦٥ هـ نشأ في بيت والده نشأةً دينية صالحة، وطلب العلم عليه، كان حنبلي المذهب، اشتغل بالبحث واستنباط المسائل، فبرز في الفقه والأصول والتفسير والحديث، كان تقيًا ورعًا ثبتًا مجاهدًا، وصار مرجعًا للعلماء في وقته، ثم بعد وفاة والده حل محله في الزعامة الدينية، ولما خربت الدرعية نُقِلَ إِلى مصر، واستقر بالقاهرة، من مؤلفاته: جواب أهل السنَّة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية، ومنسك الحج، ومختصر في السيرة النبوية، وتوفي بمصر سنة ١٢٤٤ هـ. انظر ترجمته في: عنوان المجد لابن بشر (١/ ١٨٦)، والدرر السنية لابن قاسم (١٦/ ٣٧٦)، وعلماء نجد لابن بسام (١/ ١٦٩)، ومشاهير علماء نجد لآل الشَّيخ (ص/٤٨)، وروضة الناظرين للقاضي (١/ ٣٢٧).
[ ١ / ٧١ ]
ويُعْتَرضُ على التعريفِ بأنَّ إِيرادَ لفظةِ: (المذهب) فيه، تؤدي إِلى الدَّوْرِ (^١).
التعريف الحادي عشر: ما ترجَّح عند المجتهدِ في أيّ مسألةٍ بعد الاجتهادِ.
وهذا تعريفُ الشيخِ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٢).