لعلمِ الخلافِ فائدةٌ، وهي: دفعُ الشكوكِ التي تَرِدُ على المذهبِ، وتأييدُه بإيرادِ الحججِ والأدلةِ، وبيانُ القواعدِ والأصولِ التي اعْتُمِدَتْ في المذهبِ في الاجتهادِ والاستنباطِ، وتضعيفُ المذهبِ المخالفِ (^٢).
يقولُ ابنُ خَلْدون (^٣) متحدثًا عن نشأةِ الخلافِ: "فاعْلمْ أنَّ هذا الفقهَ المستنبطَ مِن الأدلةِ الشرعيةِ كَثُر فيه الخلافُ بين المجتهدين؛ باختلافِ مداركِهم، واتَّسع ذلك في الملّةِ، ثمَّ انتهى ذلك إلى الأئمةِ الأربعةِ، واقتصرَ الناسُ على تقليدِهم، وجرى الخلافُ بين المتمسكينَ بها، والآخذين بأحكامِها مجرى الخلافِ في النصوصِ الشرعيةِ.
_________________
(١) انظر: مقدمة تحقيق الانتصار لأبي الخطاب (٢/ ٨١ - ٨٢)، وظاهرة الانتصار للمذهب، للدكتور محمد المصلح (٥/ ٣٦٣)، ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.
(٢) انظر: مفتاح السعادة لطاش زاده (٢/ ٥٩٩)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٣٩٤)، والإمام الجويني للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ١٨٥).
(٣) هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن خَلدون الحضرمي المغربي، أبو زيد، ولد بتونس سنة ٧٣٢ هـ وقيل: سنة ٧٣٣ هـ مؤرخ معروف، جم الفضائل، رفيع القدر، عالي الهمة، كثير الحفظ، من أرباب المذهب المالكي، تُعَدُّ مقدمة تاريخه من التأليفات المهمة في علم الاجتماع، نشأ بتونس، ثم رحل إلى الأندلس في طلب العلم، ثم عاد إلى تونس، ورحل بعدها إلى القاهرة فاستقر بها، وولي قضاء المالكية بها، كان بارعًا في العلوم، ماهرًا في الأدب والكتابة، وكان كثيرًا ما يرتاح في النقول لفن أصول الفقه، خصوصًا عن الحنفية، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، وشرح البردة، وتلخيص المحصل للرازي، توفي سنة ٨٥٨ هـ. انظر ترجمته في: الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (٣/ ٤٩٧)، وإنباء الغمر لابن حجر (٥/ ٣٣٢٧)، والضوء اللامع للسخاوي (٤/ ١٤٥)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٢٥٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ١١٤)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٠).
[ ١ / ١٣٩ ]
وجرتْ بينهم المناظراتُ وأجْرِيتْ في سائر أبوابِ الفقهِ، وكان في هذه المناظرات: بيانُ مأخذِ هؤلاءِ الأئمةِ، ومثاراتُ اختلافِهم، ومواقعُ اجتهادِهم" (^١).
ويقولُ الدكتورُ محمد الزحيلي: "ثمَّ تجددَ الخلافُ بين أتباعِ الأئمةِ والمذاهبِ واندفعَ العلماءُ في كل مذهبٍ يؤيدون أقوالَ إمامِهم، ويستدلونَ لها، ويدعّمونَ مذهبَه بالأدلةِ والحججِ والبراهين، وينافحون عن المذهب وإمامِ المذهب، ويُدلّلون على منهجِه في الاجتهاد، وقواعدِه في الاستنباطَ" (^٢).