والمذهب أن الأمر بعد الحظر للإباحة، والراجح أنه يعود لما كان عليه قبل الحظر، فان كان قبله جائزًا رجع إلى الجواز، وان كان قبله واجبًا رجع إلى الوجوب.
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٩٠): (الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم وهو أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر.
فالصيد مثلا كان مباحًا ثم منع للإحرام ثم أمر به عند الإجلال فيرجع لما كان عليه قبل التحريم. وقتل المشركين كان واجبًا ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية» فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا. وهذا الذي اخترنا قال به بعض الأصوليين واختاره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]).
ما كان جوابا لما يتوهم أنه محظور:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٢٦): (ومثاله جوابًا لما يتوهم أنه محظور؛ قوله ﷺ: (افعل ولا حرج)، في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض).
وقال في "الشرح" (ص/١٦٢): (هذا الأمر وقع جوابا لما يتوهم أنه محظور فلا يكون للاستحباب ولا للطلب ولكنه للإباحة).
لم أقف على من ذكر هذه القاعدة غير الشيخ - ﵀ - ومن وجهة نظري أن معنى هذه القاعدة أن أمر النبي ﷺ إنما يكون لدفع توهم الحظر، وبيان المشروعية، لا لمجرد كون الأمر مباحا.
ومن الأمثلة الدالة على أنه قد يرد مرادا به الوجوب: قوله ﷺ لأصحابه عندما تحرجوا من التحلل من العمرة: (هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده
[ ٣٥ ]
الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة) (١).
فقوله: (فليحل) لبيان وجوب التحلل من العمرة لمن كان متمتعا، ودفعا لتوهم الحظر فقد كانوا يعتقدون حظر العمرة في أشهر الحج فبين لهم النبي الجواز ودفع عنهم هذا التوهم.