٨٦٤ - بيان الأحكام الشرعية يحصل بالمواضعة، والمواضعة ثلاثة: الكلام، والكتابة، والعقد.
فأما الكلام: فنحو قوله ﵇ في شأن الصلاة:
"توضأ كما أمرك الله ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ". وذلك كثير.
وأما الكتابة: فنحو كتبه إلى عماله في الصدقات وإلى كسرى وقيصر في الدعاء إلى التوحيد.
وأما العقود (في الحساب) فمعلومة.
والضرب الآخر: يحصل بالإشارة وقد روى عنه ﵇. أنه قال: "الشهر هكذا وهكذا".
ويحصل بأمارة القياس، نحو ثبوت الحكم عند صفة، ونفيه عند نفيها.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
٨٦٥ - ويحصل بالأفعال فيما هي بيان له (بالقول)، نحو قوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال بعض الناس، الأفعال لا تكون بيانًا لوجهين:
أحدهما: أن الفعل لا ينبئ عن شيء، وإنما ينبئ عنه القول.
والآخر: أن الفعل يتأخر عن الخطاب، ولا يجوز تأخير البيان عن الخطاب.
ولنا: أن قولهم لا يخلو أن يريدوا به أنه لا يصح وقوع البيان بالأفعال، أو أنه لا يحسن من جهة الحكمة أن يبين بها المجمل، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الخطاب.
فالأول غلط لأن فعل النبي ﷺ للحج والصلاة أدل على صفتها وأوقع في الفهم من صفتها بالقول، لما في المشاهدة من المزية على الإخبار عن الشيء، ولهذا بين النبي ﷺ الحج بفعله، وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين الصلاة بفعله.
وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وبين أصحابه الوضوء بفعلهم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
فإن قيل: هناك وقع البيان بقوله.
قيل: معلوم أنه قوله: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي"/٨٤ ب لا تعلم منه المناسك ولا الصلاة، وإنما بان ذلك وعلم بفعله.
وإن أرادوا (به) أنه لا يحسن، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان فإن تأخير البيان جائز عند أصحابنا على ما (سنذكره) إن شاء الله. وعلى قول الباقين لا يجوز تأخير البيان عن (وقت) الخطاب، إلا أنه لا يلزم لأنه يمكن أن يتعقب الفعل القول كما يتعقب القول الفعل، وإن طال الفعل فإن القول قد يطول زمانًا ثم يقع به البيان كذلك الفعل، ولأنه إذا كان في التأخير تأكيد البيان من حيث حصول المشاهدة، جاز ذلك، وقد روى عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله عن أوقات فقال (له): "صل معنا" فبين له الأوقات بالفعل في يومين ولم يعد ذلك من تأخير البيان، فصح ما قلناه.
٨٦٦ - فصل: ويجوز أن يكون البيان أضعف من المبين، فيكون مظنونًا والمبين معلومًا، (ولهذا يقبل خبر الواحد في بيان القرآن ويخصصه)
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وبه قال أكثرهم. وقال الكرخي: لا يكون البيان إلا مثل المبين في القوة فإن كان أضعف، لم يقبل كخبر الأوساق لا نقبله في باين قوله "فيما سقت السماء العشر" لأن ذلك أشهر من خبر الأوساق.
لنا: قوله ﷾: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وكلام الرسول ﷺ في بيان القرآن مقبول، وهو دون كلام الله تعالى في الرتبة، ولهذا جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد، لأن (لا) يمتنع تعلق المصلحة به.
٨٦٧ - فصل: يجوز أن يكون المبين واجبًا، وبيانه غير واجب، وقال قوم: لا يكون بيان الواجب إلا واجبًا. وهذا غلط، لأن البيان لا يتضمن لفظًا يفيد الوجوب وإنما يتضمن صفة المبين، والوجوب في المبين ثبت بدليل آخر.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
٨٦٨ - فصل: لا يجوز للنبي ﷺ تأخير التبليغ وقال أكثر المعتزلة: يجوز أن يؤخر (التبليغ) إلى الوقت الذي يحتاج المكلف أن يؤدي العبادة (فيه). لنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ والأمر على الفور، وقد تقدم الكلام في ذلك.
فإن قيل: هذا الأمر إنما يفيد وجوب تبليغه على الحد الذي أمر أن يبلغ عليه من تقديم أو تأخير.
قلنا: الحد الذي أمر أن يبلغ عليه هو التعجيل، (بدلالة) هذا الأمر.
فإن قيل: المراد بذلك القرآن: لأنه الذي يطلق عليه الوصف بأنه منزل من الرب ﷿.
قلنا: إذا وجب تعجيل تبليغ القرآن بمطلق هذا الأمر، فكذلك ما أمر به من الأحكام ولا فصل بينهما.
[ ٢ / ٢٨٩ ]