الخبر لا يقع حقيقة إلا على قول مخصوص، فأما الإشارة (والدلالة) فلا تسمى خبرًا، بدليل أن من وصف إنسانًا بأنه مخبر، لم يسبق إلى فهم السامع إلا (أنه متكلم) بصيغة مخصوصة.
وحد الخبر (عند أهل اللغة): كلام يدخله الصدق والكذب.
فإن قيل: أليس قول القائل: محمد ومسيلمة صادقان (خبر)؟ وليس يصدق، ولا كذب.
[ ٣ / ٩ ]
(قيل): المراد بقولنا: يدخله الصدق والكذب: هو ما لا تحظره اللغة على من قال له: صدق أو كذب، وذلك موجود في هذا الخبر.
وإنما لا يقال صدق أو كذب، لقيام الدلالة على صدق محمد ﷺ، وكذب مسيلمة، فأما في اللغة فلا دليل على ذلك.
وقيل: بأن هذا الخبر كذب، لأنه أضاف الصدق إليهما، وليس الأمر كذلك.
وحد الكذب: الإخبار عن الشيء (على خلاف) ما هو به، وهذا كما لو قال كل من في الدار أسود، وفيها سود وبيض كان كاذبًا.
قيل: إن هذا جار مجرى خبرين متميزين، أحدهما صدق والآخر كذب، فلا يجوز أن يقال في مجموع خبرين (متميزين): إنهما صدق أو كذب.
[ ٣ / ١٠ ]
فصل
(إذا) ثبت هذا.
فالصدق: (الإخبار) بالشيء على ما هو به، والكذب: الإخبار (بالشيء) على (خلاف) ما هو به.
وقال الجاحظ: إن الخبر المتناول للشيء على ما هو به، من شرط كونه صدقًا أن يعتقد فاعله أو يظن أنه كذلك، (والمتناول للشيء على خلاف ما هو به من شرط كونه كذبًا أن يعتقد فاعله أو يظن كذلك).
ومتى لم يعتقد أو يظن أنه كذلك، لم يكن صدقًا، ولا كذبًا.
[ ٣ / ١١ ]
ودليله على ذلك: أن زيدًا إذا كان في الدار، فظن ظان أنه ليس فيها.
فقال: زيد في الدار، لم يصفه أحدًا بأنه صادق وإن كان قد أخبر بالشيء على ما هو به.
وكذلك إذا قال: زيد "ليس" في الدار لم يصفه أحد بأنه كاذب، وإذا قال: زيد في الدار، وهو يعلم أو يظن أنه فيها، وصف بأنه صادق، ويكون كاذبًا إذا أخبر أنه ليس فيها، وهو يعتقد أو يظن (أنه فيها).
وهذا لا يصح لأن يهوديًا لو قال: محمد ليس بنبي لم يمتنع (أحد) في وصفه بأنه كاذب، وأن خبره كذب، وإن جاز أن يعتقد أو يظن أنه ليس بنبي.
ولو قال: هو نبي لم يمتنع من وصفه بأنه صادق، وأن خبره صدق، (وإن كان يعتقد أنه ليس بنبي) ولا يفسد (هذا)
[ ٣ / ١٢ ]
بقوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، لأنه تعالى (يعلم) كذبهم في خبرهم عن شهادتهم (برسالته)، لا في قولهم: إنه رسول الله، فعلم أنه لا يؤثر ظن المخبر واعتقاده (في الخبر، وقد قيل إن ظن المخبر واعتقاده)، يرجع إليه لا إلى الخبر فلم يكن شرطًا في كونه صدقًا أو كذبًا.
قال بعض المتكلمين: الكلام في هذا الفصل كلام في عبارة، وتحقيق القول فيه: إنه متى سأل سائل عن رجل، قال: زيد في الدار؟ وهو يظنه أو يعلمه فيها، ولم يكن فيها، قلنا: يجوز وصفه بأنه كاذب، لأنه أخبر بالشيء لا على ما هو به، ويجوز وصفه، بأنه ليس بكاذب، لأنه لم يقصد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به.
[ ٣ / ١٣ ]
فصل
ويعلم صدق الخبر بأشياء:
منها كون المخبر ممن لا يجوز عليه الكذب (لحكمته كالباري) ﷻ أو رسوله ﷺ لقيام دلالة المعجزات على صدقه، أو من يشهد له الباري، أو رسوله ﷺ بالصدق.
ومنها: أن يكون في المخبرين كثرة يمنع (معها) أن ينتظمهم (داعي) الكذب اتفاقًا أو تواطؤا.
[ ٣ / ١٤ ]
ومنها: أن يخبر المخبر بحضرة من يدعي عليه العلم بصدقه، فلا ينكر خبره، مع العلم بأنه لو كان كاذب لأنكره، مثل أن يكون الذي ادعى عليه العلم نبيًا، أو (يكون) جماعة داعي لهم إلى الإمساك عنه، من رغبة ولا رهبة.
ومنها: أن يكون الخبر تعلم صحته ضرورة كالإخبار بعلو السماء على الأرض، وأن الخمسة أقل من العشرة.
ومنها: أن يكون الخبر تعلم صحته استدلالًا بالعقل، كالخبر عن (حكمة) الله تعالى، أو بالسمع كالخبر المتواتر بالصلاة والصيام وغيرهما.
مسألة