٨٩٢ - مسألة: نقول إننا متعبدون باتباع الرسول ﷺ والتأسي به في أفعاله.
والتأسي: هو أن نفعل صورة ما فعل على الوجه الذي فعل (لأجل أنه فعل).
وإنما اشترطنا الصورة لأنه لو صام وصلينا لم نكن متأسين به. واشترطنا (الوجه) الذي فعل لأنه إن نوى الفرض ونوينا النقل لم نكن متأسين (به)، وكذلك إذا فعل الفعل في زمان أو مكان وعلمنا أن في ذلك غرضًا مثل صلاة الجمعة، وصوم رمضان الوقوف بعرفة، وإن لم نعلم أن فيه غرضًا مثل أن ينقل أنه تصدق بيمينه وقت الظهر بباب مسجده، فإن التأسي يحصل بالصدقة وإن تصدق بشماله في غير باب مسجده وغير وقت الظهر.
٨٩٣ - فعل هذا إذا فعل فعلًا نظرنا: فإن كان فعله على وجه الوجوب وجب أن نفعله على وجه الوجوب، وإن علمنا أنه تنفل
[ ٢ / ٣١٣ ]
اعتقدنا أنه تنفل. وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة اعتقدنا أنه مباح.
وقال أبو علي بن خلاد: ما تعبدنا بالتأسي به إلا في العبادات، دون غيرها من المناكح والعقود والأكل والشرب وغير ذلك.
٨٩٤ - لنا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾.
معناه يخاف الله، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ أي تخافون، وقال أبو ذؤيب:
[ ٢ / ٣١٤ ]
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل
معناه لم يخف لسعها: يصف من يشتار العسل، والنوب: النحل. وهذا يدل على وجوب التأسي به.
فإن قيل: الآية تدل على وجوب التأسي به وذلك يحصل بمرة واحدة في عبارة.
قلنا: الإنسان لا يوصف بأنه متأس بفلان إذا تبعه في فعل واحخد، بل إذا تأسى به في كل أفعاله يقال: زيد يتأسى بعمرو معناه يقتدي به، ثم إذا ثبت وجوب التأسي به مرة في مباح ثبت قولنا.
وقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا
[ ٢ / ٣١٥ ]
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فأخبر أنه زوجه امرأة زيد ليدل على أنه يجوز للأمة ذلك (ولا يكون عليهم حرج في أزواج أدعيائهم الذين تبنوهم، ولأن الأمة أجمعت على الرجوع إلى أفعاله ﵇). ولهذا رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم، وفي الغسل من الإكسال، وفيمن أصبح (صائمًا) جنبًا لم يفسد صومه وفي أكله اللحم وصلاته ولم يتوضأ وفي تزويجه ميمونة وهو حلال أو محرم وغير ذلك فدل على وجوب التأسي به.
٨٩٥ - واحتجوا بأن ما يفعله يجوز أن يكون مصلحة له دوننا.
الجواب: أنه يجوز أن يكون مصلحة لنا أيضًا وقد أمرنا باتباعه فوجب ذلك لأن الظاهر أن المصلحة في الفعل تعمه، وإيانا، إلا
[ ٢ / ٣١٦ ]