٧٩٧ - المجمل: ما أفاد جملة من الأشياء، من ذلك قولهم: أجملت الحساب إذا جمعته، فعلى هذا يجوز أن يسمى العموم مجملًا بمعنى أن جماعة من المسميات قد أجملت تحته.
وقيل: المجمل مالا يمكن (معه) معرفة المراد به.
وقيل: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء، وهو متعين في نفسه، واللفظ لا يعينه.
وقيل: ما لا يعرف معناه من لفظه. اختاره شيخنا.
٧٩٨ - وأما البيان فيكون عامًا ويكون خاصًا.
فأما العام: فهو الدلالة ألا ترى أنه يقال يبين لي فلان كذا وكذا، إذا أوضحه له ودل عليه.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقيل البيان العام، هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وأما البيان الخاص، فهو في عرف الفقهاء كل كلام أو فعل دل على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد، ويدخل في ذلك بيان العموم.
فإذا: البيان العام هو، الدلالة المطلقة، والخاص هو: الدلالة الشرعية بأدلة الشرع.
٧٩٩ - فصل: وقد ألحق بالمجمل ما ليس منه، من ذلك: التحليل والتحريم المتعلق بالأعيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾، قال أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري: إن ذلك من المجمل فلا يصح التعلق بظاهره وهو اختيار شيخنا. ذكره في (العدة) في أصول الفقه، لأن التحريم معلق بنفس الأمهات والميتة وليس ذلك في
[ ٢ / ٢٣٠ ]
مقدورنا فلم يجز أن يحرم علينا: ووجب أن يكون المراد تحريم فعل من أفعالنا يتعلق بالأمهات، وليس ذلك الفعل مذكورًا في الآية، وليس فعل أولى من فعل فاحتجنا إلى بيان، ولأن الآية لو اقتضت تحريم فعل معين لكان المراد بتحريم الأعيان كلها ذلك الفعل بعينه ولا يختلف/٧٦ أبحسب اختلاف الأعيان، وليس التحريم في الأمهات يفيد الفعل الذي (يفيد) في تحريم الميتة.
والذي يقوى عندي أن ذلك ليس بمجمل، (بل) هو ظاهر من جهة العرف في تحريم الاستمتاع في الأمهات والأكل في الميتة، وهو قول الجبائي وابنه وعبد الجبار.
٨٠٠ - والدليل على ذلك أن السامع لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، يفهم منه تحريم الاستمتاع لأنه هو المقصود بالتحريم المضاف (إلى النساء)، وكذلك "حرمت عليكم الميتة" يفهم منه تحريم الأكل، لأن المقصود بتحريم الطعام تحريم أكله، وهذا عرف قائم يفهم به المراد، كالعرف في الدابة (أن) المراد به الخيل لا غير فوجب حمله عليه لأجل هذا الظاهر العرفي، ولم نقل إنها مجملة لا نعلم المراد بها.
[ ٢ / ٢٣١ ]
٨٠١ - فصل: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، قال أصحاب أبي حنيفة: إنه مجمل، لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ويحتمل (مسح) بعضه، يقال: مسحت يدي برأس اليتيم يحمل على البعض والكل، فإذا احتمل كل واحد منهما افتقر إلى بيان، فلما مسح النبي ﷺ بناصيته كان ذلك بيانًا ووجب مسح الناصية. وعندنا أن هذه الآية غير مجملة، لأن الرأس في اللغة عبارة عن جملة الرأس لا (عن) بعضه، ولهذا لا تسمى الناصية رأسًا، كما لا تسمى العين وجهًا، بل هو عضو في الوجه، والباء في اللغة للإلصاق فإذا دخلت على المسح وقرنته بالرأس وجب مسح جميع العضو (المسمى) رأسًا حقيقة
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فلا يعدل عنه وما روي عن الرسول ﷺ ففيه زيادة أنه مسح بناصيته وعمامته، ومسح العمامة بجزيء في إسقاط الفرض، ومسحه على الناصية استحبابًا، وقد عبر عن الجميع بالناصية فقال خذ بناصيتي إلى (الخير، وعنده عدة نواص) من الخيل.
٨٠٢ - فصل: في قوله ﵇: "لا صلاة إلا بأم الكتاب" و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" و"لا نكاح إلا بولي"، فأصحاب أبي حنيفة يقولون: ذلك من المجمل، لأن الفعل المنفي موجود فالنفي يرجع إلى حكم من أحكامه، وليس حكم بأولى من حكم (آخر) ويتناقض حمله على نفي الكمال ونفي الإجزاء، لأن في ضمن نفي الكمال إثبات الإجزاء، فيثبت أنه يحتاج إلى بيان المراد.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
والصحيح أن هذه الأخبار غير مجملة، بل تدل بظاهرها على نفي صلاة شرعية، أو صيام أو نكاح شرعي، لأن حرف النفي من قول الرسول ﷺ إذا د
خل على ذلك لم يحمل إلا على معانيه الشرعية، فيقتضي ذلك نفي الصلاة الشرعية إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وكذلك في الصيام والنكاح، فصار ذلك شرطًا/٧٦ ب.
فإن قيل: قد تسمى الصلاة الفاسدة صلاة فينصرف إليها الخبر.
قلنا: لا تسمى صلاة حقيقة وإنما ذلك مجاز، بمعنى أنها على صورة الصلاة، وكلام الرسول ﵇ ينصرف إلى الحقيقة ما أمكن، وما ذكروه لا (يصلح لأنه) إنما ينصرف حرف النفي إلى الحكم إذا لم يمكن صرفه إلى ما أضيف إليه، وقد بينا أنه يصح صرف حرف النفي إلى ما أضيف إليه، وهو الصلاة الشرعية جميعها، والصيام والنكاح.
٨٠٣ - فصل: فأما قول الرسول ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فليس بمجمل لأن المعقول من ذلك نفي إجزاء
[ ٢ / ٢٣٤ ]
العمل، لأن صاحب الشريعة لا ينفي المشاهد، والعمل مشاهد بغير نية، وإنما ينفي الحكم الشرعي فكأنه قال: لا عمل شرعي مجزيء إلا بنية.
فإن قيل: العمل موجود بغير نية، فثبت أن النفي يتضمن إما نفي الكمال أو نفي الإجزاء، وليس أحد الحكمين أولى من الآخر، فاحتاج إلى البيان.
قلنا: نفيه يدل على عدمه وعدم إجزائه، فإذا بطل عدمه بقى "أنه نفي". إجزاءه.
فإن قيل: ما حمله على نفي الكمال؟
قلنا: ثبوته مجزئًا يدل على صحته وثبوته، وذلك يخالف نفيه، لأن من نفى الإجزاء، فقد نفى الكمال فكان حمله على الإجزاء "أحرى وأولى".
فإن قيل: قد ورد "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" على نفي الكمال.
قلنا: ذلك لدليل.
٨٠٤ - فصل: قوله ﵇: "رفع عن أمتي
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الخطأ والنسيان"، يقتضي نفي ما يجب بذلك الفعل لو كان عمدًا.
فإن قيل: يحتمل أنه يريد نفي الإثم.
قلنا: الإثم داخل في ذلك، لأنه بعض الأحكام الواجبة بذلك الفعل لو كان عمدًا، ولأن الإثم لا مزية لأمته (فيه) على سائر الأمم لأن الناسي غير مكلف.
٨٠٥ - فصل: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (هذا) عام في كل سارق خلافًا لأصحاب
[ ٢ / ٢٣٦ ]
أبي حنيفة، أنه مجمل لأنه يحتمل سارق قليل وكثير، ومن حرز ومن غير حرز.
٨٠٦ - لنا: أن السارق في اللغة من أخذ الشيء في خفية، قال تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أراد إنكم أخذتم صاع الملك مستسرين بذلك فهو على عمومه إلا ما خصه الدليل.
فأما قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقيل إنه مجمل، لأنه يحتمل اليد من المنكب، ومن المرفق، ومن الكوع، فاحتاج إلى بيان ولأن القطع عبارة عن الإبانة وعبارة اتصال القطع باليد، يقال بري القلم (فقطع) يده: إذا جرحها، وعندنا ليست مجملة لأن اليد عبارة عن جميع اليد إلى الإبط، ولهذا لما (نزلت آية) التيمم مسحت الصحابة إلى الآباط والمناكب، ولهذا إذا قال القائل/٧٧ أقطعت يد فلان جميعها، فهم منه قطعها من المنكب، وإنما قام الدليل على القطع من الكوع لأنه إن تناول جميع اليد حقيقة، (والكف حقيقة)، فيجب حمله أيضًا على أقل ما يقع عليه
[ ٢ / ٢٣٧ ]