المنفصلة
٦١١ - مسألة: يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل ذكره شيخنا/٦٠ أ، وحكى قول أحمد فيما خرجه في محبسه على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والأماكن القذرة، (فخص) الظاهر بالعقل، وبه قال أكثر العلماء.
وقال قوم: لا يخص العموم بدليل العقل وهو ظاهر
[ ٢ / ١٠١ ]
قول من يقول: إن العقل لا يحسن ولا يقبح وإن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل فيما يقع لي وهو مذهب (أصحاب الأشعري).
٦١٢ - والدليل على الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ لا يخلوا إما أن يعلم بالعقل أن هذا الخطاب لم يدخل فيه المجانين والأطفال أو يدخلون.
فإن قالوا: نعلم بالعقل أنهم لم يدخلوا ولكن لا نسميه تخصيصًا.
قلنا: وافقتم في المعنى وخالفتم في الاسم، فنرجع إلى معنى التخصيص ما هو؟ فيعلم أن معناه إخراج بعض ما تناوله الخطاب من الأشخاص.
وإن قالوا: قد دخلوا فيه.
قلنا: هو خطأ لأن المجانين والأطفال لا يمكنهم فهم المراد بالخطاب لا مجملًا ولا مفصلًا، وإرادة الفهم ممن لا يتمكن منه
[ ٢ / ١٠٢ ]
تكليف ما لا يطاق، وقد قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾.
٦١٣ - دليل آخر: أن أدلة العقل تقتضي بنا العلم بالكتاب والسنة المتواترة بالإجماع ثم تخصيص العموم يجوز بهذه الأدلة، كذلك تخصيصه بدليل العقل.
فإن قيل: هذه الأدلة يجوز بها النسخ فجاز بها التخصيص، بخلاف العقل فإنه لا يجوز به النسخ، فلا يجوز به التخصيص.
قلنا: لم كان كذلك، والنسخ والتخصيص يختلفان، فإن النسخ بيان مدة الحكم ولا مدخل للعقل في ذلك، لأن الصلاة لا تقبح في العقل (في) وقت دون وقت بخلاف التخصيص فإنه بيان مراد المخاطب وهذا يعلم بالعقل (لأنا بالعقل نعلم) أن الإنسان لا يخاطب من لا يفهم، ثم يلزم الإجماع يجوز به التخصيص، ولا يجوز به النسخ، وكذلك القياس وخبر الواحد.
٦١٤ - احتج المخالف بأن دليل العقل متقدم، والمخصص لا يكون متقدمًا.
قلنا: لا نسلم ونقول بل يكون متقدمًا ومقارنًا ومتأخرًا، (إلا أن) الدليل يتقدم على مدلوله.
[ ٢ / ١٠٣ ]
٦١٥ - احتج بأن التخصيص كالاستثناء، ثم الاستثناء لا يجوز تقدمه كذلك دليل التخصيص.
قلنا: الاستثناء لا يستقل بنفسه، فوجب أن يتعلق بما قبله، والمخصص يستقل بنفسه، ألا ترى أنه يجوز أن (يقال خطابي للعقلاء) دون المجانين والأطفال، (فيستقل هذا الخطاب بنفسه ولا يجوز أن يقال ابتداء إلا المجانين والصبيان).
ثم يخاطب فيقول: يا أيها الناس، فافترقا.
٦١٦ - احتج بأن معنا عموم كتاب الله تعالى ومعنا العقل فلم يقدم التمسك بالعقل على التمسك بكتاب الله.
الجواب: أن عموم الكتاب يحتمل التخصيص، ولهذا يخصص بالخير والقياس، والعقل صريح في قبح خطاب من لا يفهم غير محتمل، فصار بمنزلة النص مع العموم فإنه يختص (به) كذلك ها هنا.
٦١٧ - احتج بأن الصبي أو المجنون يدخل في الخطاب بالزكاة وأرش الجنايات.
قلنا: لا يدخل في ذلك وإنما يخاطب وليه بأن يخرج الحق (من) ماله.
[ ٢ / ١٠٤ ]