فصل
من ذلك أن يخالف مقتضى العقل، فلا يخلو ما أن يمنع العقل من مقتضى/ الخبر بشروط أو بغير شروط، فإن منع منه بشروط نحو إيلام الحيوان، لا لمنفعة، فإنه يقبل خبر الواحد في إباحته، ونعلم أن ذلك لحكمة ومنفعة علمها صاحب الشرع، (وأن) منع منه بغير شرط نحو منعه من كونه جسمًا أو زمانًا، فإنه متى ورد الخبر بذلك لم يخل، إما أن يمكننا تأويله من غير تعسف، نحو تأويلنا قوله ﵇: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" على معاني منها، أن العرب كانت إذا أصابها الخير مدحت الدهر، وإذا أصابها (الشر) ذمت الدهر، معتقدة أنه هو الفاعل لذلك فقال النبي ﷺ: لا تسبوا فاعل ذلك، فإن الله هو الفاعل، وأنتم تسمون الدهر: خؤونا، أو يكون النبي ﷺ قاله وعنى به التأويل الصحيح، وإن لم يمكنا تأويله إلا بتعسف بعيد لم يجز أن نحكم (أن) النبي
[ ٣ / ١٤٧ ]
ﷺ قاله، لأنه لو جاز التأويل مع التعسف بطل التناقض من الكلام، إلا أن نقول: إن النبي ﷺ حكاه عن قوم على وجه الرد والإنكار عليهم، وذكر فيه زيادة خفيت على الراوي يخرج بها الخبر عن الإحالة.
وإنما لم يقبل من الأخبار ما يحيله العقل، لأنا قد علمنا بالعقل على الإطلاق: أن الله تعالى لا يخلق نفسه، وأن ذلك مستحيل، فلو قبلنا الخبر (بخلافه) لم يخل، إما أن نعتقد صدق الرسول ﵇ في ذلك فيجتمع لنا صدق (النقيضين)، أو لا نصدقه، فنعدل عن مدلول المعجزة، فبان بذلك أن الرسول ﷺ لم يقله بحال.
فصل
ومن ذلك أن يدفع مقتضى خبر الواحد الكتاب أو السنة المتواترة، ولا يكون ذلك إلا إذا نفى أحدهما ما أثبته الآخر على الحد الذي أثبته، نحو أن يرد في أحدهما ليصل فلان في الوقت الفلاني في المكان الفلاني على الوجه الفلاني، وينهي في الآخر عن هذه الصلاة على هذا الحد فلا يقبل الخبر، لأنا قد علمنا أن الله تعالى تكلم
[ ٣ / ١٤٨ ]
بالآية، وأن النبي ﷺ تكلم بما ورد به التواتر، فلو أخذنا بخبر الواحد لكنا قد تركنا ما علمنا (أن المشرع) قاله إلى مالا نعلم أن صدق، فتترك اليقين بالشك. وهذا لا يجوز.
فإن قيل: هلا قلتم: إن الله تعالى أراد بالآية مقتضاها بشرط أن لا يعارضها خبر واحد؟
(قلنا): لا يجوز، لأنه تعالى عالم بمعارضة الخبر، فلا يجوز أن يأمر مطلقًا وهو يريد أن يأمر بشرط.
(فإن قيل: فما تقولون، لو ورد خبر التواتر في معارضة الآية على الوجه الذي ورد خبر الواحد)؟
(قلنا): لا يجوز أن يرد ذلك، فإن ورد وجب حمله على أن النبي ﷺ قاله على وجه الحكاية عن الغير، أو مع زيادة أو نقصان ينفيان المعارضة، أو يكون أحدهما ناسخًا للآخر.
فإن قيل: فهلا جمعتم بين الآية والخبر، وجعلتم أحدهما ناسخًا؟
[ ٣ / ١٤٩ ]
(قلنا): يجوز ذلك في العقل، فأما الشرع فقد منع من نسخ القرآن بخبر الواحد على ما تقدم بيانه.
فصل
ومن ذلك معارضة خبر الواحد للإجماع، ولا يقبل، لأن الإجماع دليل مقطوع (به) ولأن خبر الواحد إذا خالف الإجماع دل على بطلان سنده، أو نسخه، لأنه لو كان ثابتًا لم يخرج عن قول (جميع) الأمة.
فصل
(ومن) ذلك أن يرد بما يجب على الكافة علمه ومعرفته، نحو أن يرد بأن النبي ﷺ: عهد إلى أبي بكر وعلي بالخلافة، فإنه يجب رده، ولا يقبل، (لأن) خبر الواحد لا يفيد العلم، ولأن هذه الأحوال مما تشتهر وتدعو الطباع إلى نقلها، فإذا تفرد بها الواحد اتهم.
[ ٣ / ١٥٠ ]
فإن قيل: فيجب أن لا تقبلوا خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
(قلنا): ما تعم به البلوى عملًا يقبل، لأن (خبر الواحد) في العمل مقبول، فأما ما تعم به البلوى في العلم فلا يقبل.
فصل
ومنها أن يكون الخبر ينفرد بما جرت العادة أن يتوافر الجم الغفير (على نقله)، (نحو أن يخبر): بأن جامع المدينة قد وقعت فيه فتنة عظيمة، قتل فيها جماعة عظيمة، أو أن الخطيب يوم عرفة وقع من على الجمل، وهو يخطب، فاندقت عنقه، فلا يقبل ذلك، لأن العادة جرت بتوافر على نقل ذلك، فإذا لم ينقل دل ذلك على بطلانه.
فصل
فأما الأسباب التي لا توجب الرد، (فنحو) أن تلحق
[ ٣ / ١٥١ ]
الراوي غفلة في وقت أو يضطرب بعض حديثه، فذلك لا يوجب الرد، لأن أحدًا لا يخلو أن يسهو، أو يغفل أو ينسى بعض الحديث، لا سيما إن كان كثيرًا، فلا يرد حديثه المضبوط الذي رواه في حال (يقظته لذلك).
ومنها: أن ينفرد برواية الحديث، فلا يرد كذلك، لجواز أن يكون لحقته حادثة فسأل عنها النبي ﷺ فأفتاه فنقل وحده.
فصل
فإن انفرد برواية خبر (يخالفه) فعل النبي ﷺ، أو لم يكن متناولًا (له) فإن لم يكن متناولًا (له) نحو أن يكون أمرًا أو نهيًا لغيره، ويفعل هو ضده، (فلا) يتعارض الخبر والفعل، لأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ مخصوصًا بذلك، وبقية الأمة نهوا عنه، وقد بينا: أنه لا يدخل في أمره لغيره، وإن كان الخبر متناولًا له فإنهما يتعارضان، فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر فعل
[ ٣ / ١٥٢ ]
ذلك، وإن لم يمكن، وكان أحد الخبرين ورد متواترًا والآخر آحادًا قدم المتواتر، وإن كانا جميعًا وردا آحادًا رجح بينهم، فإن (عدم) الترجيح وقفنا، ولا يجوز أن يكون متواترين.
فصل
إذا روى اثنان خبرًا واحدًا، فذكر أحدهما فيه زيادة (لم يروها الآخر)، نظرنا، فإن رويا عن مجلسين كانا خبرين: (وعمل) بالزيادة، وكانت مخصصة أو ناسخة، وإن رويا ذلك عن مجلس واحد فهو خبر واحد فإن كان الذي نقل الزيادة واحدًا، والذي نقل الخبر جماعة، لا يجوز عليهم الوهم، سقطت الزيادة، لأنه لا يجوز أن تسمع جماعة كلامًا واحدًا فيحفظ الواحد وتنسى الجماعة، بل تطرق النسيان إلى الواحد أولى. وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة، فالزيادة مقبولة والواحد قد وهم وإن كان راوي الزيادة واحدًا، وراوى النقصان واحدًا قدم أشهرهما بالحفظ والضبط والثقة وإن كانا سواء في جميع ذلك فذكر شيخنا عن أحمد/ روايتين، أحدهما:
[ ٣ / ١٥٣ ]
أن الآخذ بالزيادة أولى، قاله في رواية أحمد بن القاسم الميموني، وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين، والأخرى الزيادة مطرحة أومأ إليه في رواية المروزي وأبي طالب، وبه قال جماعة
[ ٣ / ١٥٤ ]
من أصحاب الحديث، وليس هذه الرواية في هذه الصورة، وإنما قالها أحمد في جماعة رووا حديثًا (انفرد) أحدهم (بزيادة) (فرجح) رواية الجماعة، فأما فيما ذكرنا من هذه الصورة، فلا أعلم عنه ما يدل على اطراح الزيادة. قال أبو الحسين البصري: إن كانت الزيادة مغيرة لإعراب الكلام ومعناه، مثل أن يروي أحدهما (في صدقة الفطر: أو صاعا من بر، ويروى الآخر: أو نصف صاع من بر، تعارضًا كخبرين منفردين وإن لم تكن مغيرة للإعراب مثل: أن يروي أحدهما): صاعًا من بر ويروي الآخر: صاعًا من بريين اثنين قدمت الزيادة.
لنا: أن راوي الزيادة ثقة يجب قبول خبره، ولم يعارضه ما يطعن في روايته، فيجب قبول خبره، كما لو انفرد بخبر لم يروه غيره.
فإن قيل: لا نسلم، بل قد عارضه ما يوجب الطعن، لأن الراويين إذا حضرا (مجلسًا) جميعًا فذكر لهما حديثًا، فذكر أحدهما أن سمع فيه شيئًا وذكر الآخر أنه لم يسمع ذلك فقد تعارضا.
(قلنا): لا معارضة في ذلك، لأن أحدهما ضبط والآخر
[ ٣ / ١٥٥ ]
لم يضبط، فيجوز أن يكون (لم يسمع) أو تشاغل بعطسة أو سماع كلام من ناحية أخرى، أو فكر فيما سمع أولا، فذهل عن سماع الزيادة، وإذا احتمل ذلك لم تسقط رواية الثقة الضابط.
فإن قيل: لم حملتم ترك الرواية للزيادة على أحد هذه الوجوه، دون أن تحملوا رواية من رواها على أنه تصور أنه سمع تلك الزيادة من النبي ﷺ، ولم يكن سمعها منه؟
قلنا: لأن الإنسان قد يسهو في العادة عما (يسمعه)، ويتشاغل عن سماع ما يجري بين يديه، ولم تجر العادة بأن الإنسان يسمع ما لم يسمع، أو يقول ما (لم يتوهم) أنه قد كان.
فإن قيل: ما تقولون؟ لو قال الآخر: سمعت جميع ما قاله النبي ﷺ في ذلك المجلس، ولم أتشاغل عنه، ولم يقل هذه الزيادة.
(قلنا): احتمل أن لا يكون معارضًا أيضًا، لأنه يشهد على نفي، واحتمل التعارض، لجواز أن يكون الراوي للزيادة سمعها من غير النبي ﷺ فأوهم وظن أنه سمعها منه.
فإن قيل: إذا روى المعروف بالضبط الخبر، ولم يذكر الزيادة، دل على أن الراوي لها قد وهم.
[ ٣ / ١٥٦ ]
قلنا: فنحن لا نقبل الزيادة إلا من ضابط ثقة، وليس إذا لم يسمع الضابط الآخر الزيادة يدل على أن غيره (ما سمعها).
فإن قيل: إذا حضر جماعة مجلس السماع فروى أحدهم الزيادة ولم يروها الباقون، دل على أنه وهم، لأنها لو كانت صحيحة لم ينفرد بسماعها وحده.
قلنا: قد ذكرنا أنهم إن كانوا جماعة لا يتطرق عليهم السهو، قدم قولهم على قول من روى الزيادة، وخلافنا في غير ذلك، وقد سلم أصحابنا وقالوا: يحتمل أن تكون الجماعة تفرقوا، وثبت راوي الزيادة عند الرسول ﷺ، فسمعها، أو نسي الجماعة، وذكر الواحد وفيه مخالفة للظاهر.
دليل آخر: أن الخبر كالشهادة، ولو شهد عشرة على رجل: أنه أقر بألف وشهد اثنان: أنه أقر بألفين ثبتت الزيادة، كذلك (ها هنا في) الخبر.
دليل آخر: أنه لو لم يقبل خبر الواحد، لأجل الانفراد لوجب أن (لا يقبل) خبر أبى وابن مسعود وغيرهما، فيما (تفردوا)
[ ٣ / ١٥٧ ]
بروايته من القرآن، وقد أثبت بالاتفاق.
احتج المخالف: بأن ضبط الراوي يعرف بموافقة المعروفين بالضبط له، فإذا لم يوافقوه، لم يعرف ضبطه.
الجواب: أنه لو لم يعرف ضبط الإنسان إلا بموافقة ضابط آخر له، أدى إلى ما لا نهاية له، ولم يعرف ضبط أحد، لأن كل ضابط يحتاج إلى موافقة ضابطين له، فعلمنا أنه قد يعرف ضبط الإنسان بغير ذلك، مما هو موجود فيمن روى الزيادة، ولأن مخالفة من يضبط له، يجوز أن تكون لأمر دخل عليه من سهو ونسيان وتشاغل، فلا يؤثر في ضبط الراوي.
احتج: بأن الضابط لو وافق هذا الراوي للزيادة، لقوى بموافقته، فيجب، إذا خالفه أن يضعف.
الجواب: أن إمساكه عن رواية الزيادة غير مخالف لراوي الزيادة، كما أنه بإمساكه عن رواية خبر آخر رواه هذا، لا يكون مخالفًا له.
[ ٣ / ١٥٨ ]
جواب: لو اكتسب القوة بموافقته والنقصان بمخالفته، لم يوجب ذلك النقصان رد خبره، ألا ترى لو أنه روى خيرًا فشاركه خمسون في روايته قوى، فلو انفرد بروايته ولم يوافقه أحد على الرواية قد نقصت قوته، ولا يرد الخبر لذلك؟
واحتج: بأن الجماعة إذا كانوا في مجلس، فنقلوا عن صاحبه كلامًا، وانفرد واحد منهم بزيادة عن الباقين مع كثرتهم وشدة تحفظهم وعنايتهم بما سمعوه، لأطرح السامعون تلك الزيادة.
الجواب: أنا قد بينا أن الجماعة إذا تركت الزيادة، كانت روايتها أولى من الواحد على وجه. ومن سلم قال: (يجوز) أن يكونوا (نسوا) أو سهوا، كما قلنا: لو شهد ألف بمائة دينار وشهد اثنان بمائة وخمسين قبلت الزيادة، إن كانوا في موضع سمعوا إقراره.
احتج: بأن ما اتفقوا عليه يقين (وما زاد على ذلك) مشكوك (فيه) فلا يترك اليقين بالشك.
الجواب: أنه تلزم الشهادة، ويلزم إذا روى خبرًا وحده،
[ ٣ / ١٥٩ ]
وروى جماعة ما يعارضه على أنه قد وافقهم في الذي رووا، وزاد بزيادة انفرد بها، ولم يخالفوه فيها، فصار كأنه روى خبرًا وحده.
احتج: بأنه لو قوم اثنان نصاب السرقة أو الشيء المتلف بقيمة، وقومها (آخران) بأكثر من ذلك، رجع إلى قول من قوم بأنقص.
الجواب: (لا نسلم) ذلك، وإن سلمنا، فالتقويم متعارض، لأن المقوم بالنقصان، يقول: أنا أعرف السلعة وسعرها، ولا تساوى إلا كذا كذا، (ويقول الآخر مثل ذلك ويزيد)، فيتعارضان في النفي والإثبات: بخلاف الخبر، فإن راوى الزيادة لم يعارضه قول من روى النقصان فافترقا.
احتج: بأنه قد جرت عادة الراوي بتفسير الحديث/ فربما ظنها من (سمع) منهم (أنها من قول) النبي ﷺ، فيرويها وليست من قوله.
الجواب: أنه إذا أسند إلى النبي ﷺ فالظاهر (من قوله) صدقه، ولو طرقنا هذا في الزيادة طرقنا هذا في كل خبر أنه يحتمل أن يكون الراوي ظنه عن النبي ﷺ فرواه وإنما هو من قول صحابي أو تابعي، وهذا يعود ببطلان الأخبار.
[ ٣ / ١٦٠ ]