٣١٨ - احتج الخصم بأن قال: الأمر المطلق يختص (بأول) أوقات الإمكان من جهة الوجوب والفور كما يختص المؤقت بالوقت من جهة اللفظ فإذا لم يتناول في المقيد ما بعد الوقت كذلك في المطلق لا يتناول ما بعد الوقت الأول.
الجواب عنه ما مضى.
٣١٩ - مسألة: إذا أمر الله تعالى قومًا بالفعل، وعلم أن فيهم من يمنع منه فلا يخلو (إما) أن يعلم الله تعالى أن المنع يزول ويقدر الممنوع على الفعل المأمور به، أو يعلم أن منعه لا يزول.
فإن علم أن المنع يزول دخل في الأمر وصار من جملة المأمورين بلا خلاف.
وإن علم أن منعه لا يزول فهل يدخل في الأمر؟
يقتضي مذهب أصحابنا أنه يدخل في الأمر أيضًا وقال طائفة: يدخل في الأمر بشرط زوال المنع. وقالت المعتزلة: لا يدخل في الأمر من علم الله أنه يمنع من الفعل.
[ ١ / ٢٦٣ ]
٣٢٠ - وجه قولنا: أن المقصود من الأمر حصول طاعة المأمور، وطاعة المأمور تكون تارة بالفعل، وتارة باعتقاد وجوب أمر الآمر والعزم على فعل ما أمره به متى قدر، فإذا لم يمنع المكلف من الفعل وجدت طاعته بأن يفعل، وإن منع من الفعل وجدت طاعته بأن يعتقد الوجوب ويعزم على الفعل، وإن منع من الفعل وجدت طاعته بأن يعتقد الوجوب ويعزم على الفعل، فقد حصل من الممنوع مقصود الأمر فدخل في الأمر كالفاعل (لما أمر) به، والدليل على أن مقصود الأمر الطاعة أنه يقول أمرتك فأطعتني (أو عصيتني).
قال الشاعر:
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادمًا
فيقابل الأمر بمقصوده من الطاعة أو بضد مقصوده وهو المعصية فثبت ما قلناه.
(فإن قيل: إنما يقال أطاعه إذا فعل المأمور).
(قلنا: ويقال: أطاعه إذا قال أنا أعتقد وجوب ذلك وأفعله أي وقت أقدرتني عليه، فيقال أطاع وإنما عجز عن الفعل).
٣٢١ - دليل آخر: أن الله تعالى (قد) كلف الكافر
[ ١ / ٢٦٤ ]
الصلاة بشرط أن يؤمن مع أنه علم أنه لا يؤمن ولهذا يعاقبه على ترك الصلاة كما يعاقبه على الكفر ولهذا أخبر ﷾ عن الكفار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ فتبين أن إدخالهم سقر لأنهم لم يصلوا.
٣٢٢ - دليل آخر: لو رفع المنع التكليف لكان من منع غيره من الصلاة قد أحسن إليه لأنه قد أسقط عنه (تكليفه) من غير توجه ذم إليه.
فإن قيل: إنما لم يكن محسنًا لأنه منعه مما يستحق به الثواب الجزيل.
قيل: عندنا لا يستحق على الله تعالى شيئًا لا ثواب ولا عقاب (ولأن الثواب قد يستحق بالاعتقاد لطاعة الآمر فما منعه من الاعتقاد).
٣٢٣ - دليل آخر: لو أسقط المنع التكليف لما علم الواحد منا أنه مكلف بالصلاة قبل تشاغله بها، وذلك يسقط عنه وجوب أخذ الأهبة لها.
[ ١ / ٢٦٥ ]
فإن قيل: إنما يجب عليه (أخذ الأهبة لها) لثبوت أمارة (بقائه) سالمًا إلى وقتها ولهذا لزمه التحرز من ترك ما لا يأمن وجوبه.
قيل أخذ الأهبة من توابع العبادة، ومن المحال أن يجب فعل التابع قبل وجوب المتبوع، (ولأنه غير عالم بالتكليف، ولا بأن الأمر توجه إليه فلم يلزمه أخذ الأهبة وهو لا يعلم هل يقدر أن يفعل أو لا).
٣٢٤ - احتج المعتزلة (بأن المراد بقولنا إن الله تعالى يأمر) بالفعل بشرط زوال المنع هو أنه قال لنا افعلوه وأراده منا (أو) كان له فيه غرض مع فقد المنع ولم يرده مع وجوده/٣٥ ب لأنه لو أراده في الحالتين لكان قد كلف إيقاع الفعل مع وجود المنع ولما كان قد أراده بشرط زوال المنع فإذا علم الله سبحانه أن المنع يحصل لا محالة فقد علم الحالة التي لا غرض له في إيقاع الفعل فيها فلم يجز أن يريده.
الجواب عنه: نحن نخالفكم في هذه القاعدة ونقول ليس من شرط الأمر إرادة المأمور (به) ولا إيقاعه، وإنما من شرط
[ ١ / ٢٦٦ ]
الأمر وقوع طاعة المأمور على حسب (تمكنه) من الفعل أو الاعتقاد والعزم، وقد تقدم الكلام في هذا الأصل في أول هذا الباب (ولأن الله تعالى لم يرد) من الممنوع إيقاع الفعل، وإنما أراد إيقاع الاعتقاد والعزم فلم يلزم ما (ذكرتم على وجه).
٣٢٥ - احتج بأن الله تعالى (لا يجوز أن يريد) من المكلف إيقاع الفعل مع حصول المنع لأنه تكليف ما لا يطاق.
(الجواب: أنا نقول: يجوز أن يكلف بشرط أن يقدر وإنما كلامنا إذا علم أنه لا يقدر هل يكلفه أم لا؟ وليس فيما ذكرت دليل عليه، وهذا التخريج هو الجواب الذي تقدمه وهو أنه يجوز تكليف ما لا يطاق من جهة العجز لا من جهة الاستحالة.
ثم قد بينا أن المراد بالأمر الطاعة وهي تحصل بالاعتقاد والتزام الوجوب وإن علم احترامه قبل الفعل).
[ ١ / ٢٦٧ ]
٣٢٦ - احتج الآخرون أن الله تعالى يكلف المعدوم بشرط أن يوجد ويقدر، كذا يكلف الممنوع بشرط زوال المنع والقدرة على الفعل.
(الجواب هو في الجواب الذي قبله وهو أنه يجوز أن يكلف بشرط أن يقدر).
(وأيضًا فإنه) جمع بغير علة ثم الفرق بينهما أن المعدوم لا تتصور منه الطاعة بحال قبل وجوده، وهذا تتصور منه طاعته لامتثال الأمر باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل (فبان ما ذكرنا).
٣٢٧ - احتج بأن الله تعالى (قد) كلف الكافر الصلاة بشرط أن يؤمن فكذا يكلفه ها هنا بشرط زوال المنع.
قلنا: بل قد كلفه مع علمه بأنه لا يؤمن وأن الصلاة لا تصح مع الكفر.
٣٢٨ - احتج بأن الواحد منا يأمر غيره بالفعل بشرط أن يقدر فكذلك في حقه تعالى يأمر بالفعل بشرط أني زول المنع.
قلنا: الواحد منا لا يعلم أن المأمور (طاعة إلا أن يفعل، والله) تعالى يعلم باعتقادنا أنا مطيعون عازمون على فعل ما أمرنا
[ ١ / ٢٦٨ ]