فإن قيل: لا يخلو أن تقولوا (إن) ذلك وجب بالعقل أو بالسمع. فلو كان بالعقل لاشتركنا في (معرفته)، ولو كان بالسمع لوجب ذكره.
الجواب: أنا قد بينا أن ذلك وجب بالسمع في قوله: "بلغ ما أنزل إليك من ربك".
٨٦٩ - فصل: لا يجوز تأخير بيان الخطاب/٨٥ أعن وقت الحاجة لأن في ذلك إيقاع المكلف في الحيرة. وتكليفه بما لا يمكنه فعله، وقد قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾.
٨٧٠ - مسألة: اختلف أصحابنا في تأخير بيان (الحكم) المجمل والعموم عن وقت الخطاب.
فقال ابن حامد وشيخنا: يجوز ذلك، وبه قال أكثر
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الشافعية والأشعرية وبعض الحنفية.
وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة وأهل الظاهر.
وقال أبو الحسن الكرخي: يجوز (تأخير) بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم، وبه قال بعض الشافعية.
وقال بعضهم: يجوز تأخير بيان العموم دون المجمل.
وقال بعضهم: يجوز تأخير بيان الأمر دون الخبر، وأجاز الجميع تأخير بيان النسخ.
وقال أبو الحسين البصري: (لا) يجوز تأخير بيان ما له
[ ٢ / ٢٩١ ]
ظاهر مثل تأخير بيان التخصيص وتأخير بيان النسخ وتأخير بيان الأسماء المنقولة إلى الشرع، فأما ما لا ظاهر له كالأسماء المشتركة فيجوز تأخير بيانه.
٨٧١ - والدليل على (الجواز) في الجملة: قوله ﷾: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (ومعنى جمعه) وقرآنه: ضم بعضه إلى بعض، والبيان بعد ذلك له، لأنه أتى بلفظة "ثم" وهي للتراخي والمهلة فدل على جواز تراخي البيان (عن الخطاب).
فإن قيل معنى بيانه إظهاره وتنزيله، بدليل أن الكناية راجعة إلى جميع القرآن، وجمعه لا يفتقر إلى بيان.
قلنا: اتباعه لقرآنه لا (يكون) إلا بعد تنزيله، فالاتباع يتعقب التنزيل، والبيان بعد ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فلا معنى لحمل البيان على التنزيل، فأما قوله: إن ذلك يعود إلى جميع القرآن وذلك (لا يحتاج) إلى بيان فغير صحيح، (لأن)
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الكناية راجعة إلى (الخبر) الذي نزل (إليه) فإنه كان يقرأه مع جبريل ﵇ مخافة أن لا يحفظه، فنهى عن العجلة بقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. أي ضمه إلى ما سبق نزوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: أي بيان ذلك الجزء الذي ينزل عليك (بعد ذلك).
جواب آخر: يجوز أن يضاف البيان إلى الجملة وإن كان فيها ما لا يشكل كما يقال فسر فلان القرآن وإن كان فيه ما لا يحتاج إلى تفسير، وشرح فلان الكتاب الفلاني وإن كان فيه ما لا يفتقر إلى (الشرح) ويكون ذلك حقيقة، كذلك هاهنا.
فإن قيل: المراد بجمعه وقرآنه في اللوح المحفوظ، وبيانه: نزوله إليه. قلنا: قد بينا أن قرآنه أنزلناه، لأن الاتباع لا يمكن (أن يكون) إلا بعد النزول ثم البيان بعد الاتباع.
٨٧٢ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ والمراد (به) لا تعجل ببيانه (من) قبل أن يبين لك بالوحي.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فإن قيل: الظاهر يقتضي لا تعجل بأداء نفس القرآن عقيب سماعه.
قلنا: هذا غلط، لأنه/٨٥ ب غير منهي عن أدائه عقيب سماعه، بل (هو) مأمور بذلك بقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والأمر على الفور (ولأنه عقب) ذلك يأمره بأن يدعو بزيادة العلم، والعلم هو البيان لا نفس التلاوة، فمعناه لا تعجل بالبيان (قبل أن يبين لك وقل رب زدني علمًا يقع علي به البيان).
٨٧٣ - دليل آخر: أنه قد وجدنا تأخير البيان في القرآن قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. فأخر بيان ذلك حتى قال ابن الزبعري: "لأخصمن محمدًا".
ثم قال: "أليس قد عبدت الملائكة (من دون الله) وعبد المسيح وأمه: أهم حصب جهنم؟ فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. فكان بيانًا للآية.
فإن قيل: قد كان في الآية بيان، إلا أنهم لم يعقلوه، وهو أن "ما" لما لا يعقل.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
قلنا: "ما" لما يعقل ولما لا يعقل بمعنى "الذي"، يدل عليه أنها تضمر من يعقل بمعنى "من" كقوله سبحانه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أراد (به) من الإماء.
(وكذا قوله سبحانه) ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ الآيات (بمعنى الذي)، وتقول ما زيد؟ فيقال (لك): إنسان، وتقول العرب: سبحان ما سبحت له يعنون الرعد، ويدل عليه أن الرسول ﷺ كان أفصح العرب وابن الزبعري شاعرًا فصيحًا قالا ذلك ولم يرد الرسول ﷺ بما ذكرتم.
٨٧٤ - دليل آخر: قوله ﷾ لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ فلما سأله حمل ابنه قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فبين أنه أراد بأهله من كان على دينه، وهذا لم (يبينه) له وقت الخطاب، ولهذا سأل نوح إنجاء ابنه وحمله في السفينة.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وكذلك قول الملائكة لإبراهيم ﵇: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ولم يستثنوا أحدًا، فلما قال إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ﴾ فبين التخصيص بعد سؤاله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ثم بعد ذلك نزل جبريل فبين الأوقات حين صلى بالنبي ﷺ عند البيت في اليومين.
وكذا قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ثم بين النبي ﷺ (أن ذلك بعد) سلب القاتل، وأن بني أمية وبني نوفل لا يدخلون في ذوي القربى. فإن قيل: يحتمل أني كون البيان في ذلك كان (قد) تقدم.
قلنا: الأصل عدم ذلك فمن ادعاه يحتاج إلى دليل.
وكذلك قوله تعالى: (لبني إسرائيل) على لسان موسى:
[ ٢ / ٢٩٦ ]
"إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة".
ثم بين بعد ذلك صفاتها حين سألوا وكرروا.
فإن قيل: البقرة المأمور (بذبحها) كانت منكرة أي بقرة كانت إلا أنهم شددوا، فشدد الله عليهم، كذا قال ابن عباس.
قلنا: هذا غلط لأنهم سألوا أن يبين لهم ما هي؟ وما لونها؟ فبين أنها بقرة لا فارض ولا بكر صفراء فاقع لونها (تسر الناظرين) لا ذلول تثير الأرض، ولا تسقى الحرث، وظاهر هذه الكنايات/٨٦ أرجوعها إلى ما أمروا بذبحه (لا) إلى تكاليف (مجددة).
وروى عن النبي ﷺ أنه نهي عن المزابنة ثم أرخص بعد ذلك في بيع العرايا، وهي من المزانبة لأن المزابنة بيع التمر بخرصه من الرطب في (النخل).
وروى أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ عن الكلالة فقال يكفيك آية الصف، فقال: اللهم مهما بينت فإن عمر لم يتبين، فقد أخر البيان عن وقت الخطاب.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ويدل عليه أن البيان إنما يجب ليتمكن المكلف من أداء ما كلف، والتمكن من ذلك إنما يحتاج إليه عند (الفعل) ولا يحتاج إليه عند الخطاب، ألا ترى أن القدرة لما كانت (لإيجاد) الفعل وجب كونها عند الفعل دون الخطاب.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الخطاب يجب لمعنى آخر، وهو خروج الخطاب عن أن يكون عبثًا.
قلنا: إذا تعلق بالخطاب فائدة (في ثاني الخطاب) خرج عن كونه عبثًا، لأن العبث مالا يفيد شيئًا، على أ، هـ في الحال يفيد اعتقاد الوجوب والعزم (والعموم) فإن قيل: لو كان البيان لا يراد إلا للتمكن من الفعل لجاز أن يخاطب العربي بالزنجية ويكون بيانه عند الفعل. قلنا: خطاب العربي بالزنجية لا يفيد شيئًا في الحال، ولا في الثاني، إنما تحصل الإفادة بغير ذلك اللفظ، وهو تفسيره، وتفسيره يقوم بنفسه خطابًا، بخلاف بيان الخطاب المجمل، فإنه قد استفاد منه أن عليه حقًا لكن لا يعلم صفته، فالبيان بيان صفة لا بيان وجوب حق.
٨٧٥ - دليل آخر: لو قبح تأخير بيان المجمل، لأن المكلف لا يفهم جميع المراد بالخطاب، لقبح تأخير بيان النسخ، وكون المكلف غير مراد بالخطاب إذا كان المعلوم أنه يموت قبل الفعل أو العجز، فلما لم يقبح ذلك، كذلك تأخير بيان المجمل.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فإن قيل: تأخير بيان ما ذكرتموه لا يخل بمعرفة صفة ما كلفناه في وقت الخطاب، وذلك لا يمنع من التمكن من الفعل في وقته، وليس كذلك بيان المجمل فإنه يخل بمعرفة صفة ما كلفناه، وذلك يمنع من التمكن من الفعل في وقته.
الجواب عنه أنا نقول: ظاهر اللفظ الإطلاق في الأزمان، وإذا كان المراد في بعض الأزمان فقد أخل بصفة ما كلفناه، على (أن) تأخير بيان صفة العبادة عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة لا يخل بأداء العبادة في قوتها، ولو كان فيه تأخير بيان يمنع من الفعل في وقت العبادة لم يجز تأخيره.
٨٧٦ - دليل آخر: أن تأخير بيان النسخ تأخير لبيان تخصيص الأزمان كما أن تأخير بيان التخصيص، تأخير بيان تخصيص الأعيان، ثم بيان النسخ يجوز تأخيره، كذلك تأخير (بيان) التخصيص.
فإن قيل: لا يجوز تأخير بيان النسخ إلا مع الإشعار بالنسخ.
قلنا: الإشعار لا يحصل به بيان وقت النسخ، ثم يجب أن تقولوا يجوز تأخير بيان العموم والمجمل إذا أشعرنا بالتخصيص.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فإن ارتكب ذلك مرتكب.
قلنا: فإذا دل الدليل على جواز النسخ وجواز التخصيص كان ذلك كالإشعار بهما، فيجب أن يجوز تأخير بيانهما.
وقيل/٨٦ ب: إن الله ﷾ أمرنا بأشياء ثم نسخها، كالقبلة وصيام عاشوراء وغير ذلك، ولم يقرن بواحد منهما إشعارًا بأنه ينسخه فيما بعد.
فإن قيل: إنما جاز تأخير بيان النسخ لأنه بيان ما لم يرد (به الخطاب).
قلنا: ولم إذا كان كذلك يجوز تأخيره، وعلى أن تأخير التخصيص هو (تأخير). بيان ما لم يرد بالعموم فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فرق بين النسخ والتخصيص، لأن النسخ رفع التكليف، وعلمنا حاصل بانقطاع التكليف، وليس كذلك التخصيص فإنه بخلافه.
قلنا: انقطاع التكليف بالموت، خارج (عن) الخطاب المطلق بالدليل، بخلاف المنسوخ فإنه داخل في ظاهر الخطاب، فإذا جاز تأخير بيانه كذلك التخصيص.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
فإن قيل: التخصيص وإن كان بيان ما لم يرد باللفظ إلا أن تأخيره يقدح في العلم فيمن أراده المتكلم، لأنا إذا جوزنا أن يكون المراد به بعض (ما) تناوله، لم نأمن في كل شخص أن لا يكون مرادًا.
الجواب عنه أنا نقول: إن مثل ذلك في النسخ، لأن الخطاب إذا أفاد ظاهره إيجاب الفعل في وقت، وكل واحد من المكلفين يجوز أن يموت قبل الوقت، فلا يكون مرادًا بالخطاب، وفي ذلك شك في أعيان من أريد بالخطاب.
٨٧٧ - دليل آخر: أنه يجوز أن يخاطب العاجز عن الفعل (بالفعل) في وقت قدرته، فيقول: إذا جاء رمضان فصم، وإن كان حين الأمر عاجزًا عن الصوم، إذا كان قادرًا وقت الفعل، (كذلك في التالي).
٨٧٨ - دليل آخر: لو قبح تأخير البيان، لقبح تأخيره الزمان اليسير، ولقبح البيان بالكلام الطويل.
فإن قيل: إنما يحسن تأخير البيان مدة لا يخرج الكلام معها من أن يكون مترقبًا يرجو فيه السامع زيادة شرط، ويفسد بصفة، وهذا حاصل في الزمان القصير والكلام الطويل إذا عطف بعضه على بعض جرى مجرى الجملة (الواحدة لا يترتب) (قلنا: ).
[ ٢ / ٣٠١ ]
٨٧٩ - دليل آخر: لو قبح تأخير البيان لكان وجه قبحه (فقد) تبين المكلف، وذلك لا يقتضي قبح الخطاب، ألا ترى أنه لو بين للمكلف فلم يتبين لا يقبح الخطاب وهو كقصة عمر ﵁ في الكلالة.
٨٨٠ - احتج المخالف: على أن ما له ظاهر، إذا أراد خلاف ظاهره لم يجز تأخيره بيانه فإنه إذا خاطبنا بالعموم فإنما قصد إفهامنا، (ولولا ذلك لم يكن مخاطبًا لنا، وإذا قصد إفهامنا) فلابد أن يخاطبنا بما نفهم مراده به، فإذا لم يبين لنا مراده فما أفاد خطابه الإفهام، فصار بمنزلة من خاطب العرب بالزنجية.
الجواب: أنه قد تعلق بخطابه إفهام لنا وهو الأمر بالفعل على سبيل الاستغراق، وكذلك (في) المجمل يفهم (من) قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الأمر بصلاة، فأما خطاب العربي بالزنجية فيحتمل أن (يجوز) إذا علم أن المخاطب حكيم لأنه يعلم، أنه قد أراد منه شيئًا ما إما أمرًا وإما نهيًا وأنه سيبينه له فيما بعد، ولهذا أرسل الله ﷾ رسوله إلى كل زنجي وفارسي وغير ذلك من اللغات وهو عربي وخاطبهم بالقرآن العربي وإن لم يفهموا ذلك في الحال.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
(وإن سلم) فإن الزنجية ليس لها ظاهر عند العربي تدعوه إلى اعتقاد معنى الخطاب فلا فائدة فيه.
٨٨١ - احتج بأنه إذا أمرنا بما له ظاهر ولم يرد ظاهره فلا يخلو أن يريد منا أن نعتقد ما أراد منا أو اعتقاد ظاهر الأمر فإن أراد اعتقاد ما أراده منا فذلك ما لا سبيل لنا إليه، وإن أراد اعتقاد ظاهره فقد أراد اعتقادنا الجهل.
الجواب: أنه إذا اعتقد (أن) الأمر على ظاهره ما لم يخص كان ذلك اعتقادًا موافقًا للفظ لا جهل فيه، ألا ترى أنه إذا سمع لفظ العموم فإنه يعتقده عمومًا إلى أن يجد ما يخصه، وكل جواب له (عن) اعتقاد العموم إلى أن يجد المخصص هو جوابنا هاهنا إلى أن يرد البيان، وكذلك الأمر المطلق يجوز أن يرد عليه النسخ بعد ذلك فيعتقد فيه وجوب المأمور على التأبيد وإن كان بخلاف مراد الأمر.
فإن قيل: لابد من إشعار النسخ فيصير كالمجمل لا يعتقد إطلاقه.
قلنا: إن الدليل قد دل على جواز النسخ فلا يحتاج إلى الإشعار كذلك أيضًا اللفظ العام لما كان التخصيص يجوز فيه صار بمنزلة أن يشعره تخصيصه في اعتقاد عمومه فإذا جاء وقت البيان بينه.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
٨٨٢ - احتج بأنه لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص فلا يبين لنا ذلك في الحال ولا يشعرنا بأنه لم يكن لنا طريق إلى وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه لأنه لو قال: صلوا غدًا جوزنا أن يكون المراد به بعد غد وما بعده أبدًا لأن غدًا تستعمل في ذلك على طريق المجاز ولم يبينه لنا ويتعذر مع ذلك معرفتنا بالخطاب.
الجواب: أنه يجوز أن لا يعرف الوقت الذي أراد أن يفعل فيه إلا بعد ورود البيان (بصفة العبادة ولا يحصل به البيان) فإذا ورد البيان في الغد أو بعده علمنا أنه الوقت الذي أراد إيقاع الفعل فيه.
فإن قيل: ورود البيان بصفة العبادة لا يحصل به البيان وقت فعلها إلا أن الوقت يجوز أن يتأخر عن بيان صفة العبادة.
قلنا: إذا بين صفة العبادة وقال: افعلوها الآن من غير تأخير بحال، علمنا أن ذلك وقتها وانقطع تجويز التأخير.
٨٨٣ - احتج بأن العموم يخص مرة بالاستثناء ومرة بالدليل، ثم التخصيص بالاستثناء لا يجوز أن يتأخر عن العموم فكذلك التخصيص بالدليل.
الجواب: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه ولا يفيد معنى فلم يجز تأخيره والتخصيص بالدليل يستقل بنفسه ويفيد (معنى) إذا انفرد فجاز تأخيره، يدل على هذا أن الاستثناء لو تقدم على الخطاب لم يجز، ولو تقدم الدليل الموجب للتخصيص جاز فافترقا.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
٨٨٤ - احتج بأن البيان مع المبين كالجملة الواحدة ألا ترى أنهما بمجموعهما يدلان على المقصود (بهما) كالمبتدأ والخبر ولا خلاف أنه (لا يحسن) تأخير الخبر عن المبتدأ بأن يقول زيد ثم يقول بعد أيام "قائم"، فكذلك تأخير البيان.
الجواب: لا نسلم أنهما الجملة الواحدة/ ٨٧ ب ولا (أنهما) يدلان على المقصود بل أحدهما وهو المبين يدل على الحق والبيان يدل على صفته.
جواب آخر: أن التفريق بين الابتداء والخبر ليس من أقسام (الخطاب)، وليس كذلك إطلاق العموم والمجمل فإنه من أقسام خطابهم وأنواع كلامهم لأنهم يتكلمون بالعموم والمجمل وإن (افتقرا) إلى البيان فافترقا.
٨٨٥ - احتج بأنه إذا خاطب بلفظ والمراد به غير ظاهره فقد بالغ في الإشكال عليهم وهذا لا يجوز كما (لو) قال: اقتلوا المسلمين، ويريد به المشركين.
الجواب: أنه يبطل بتأخير بيان النسخ فإنه قد أتى بغير ما يقتضيه لفظه لأن لفظه يقتضي التأبيد، والنسخ يقتضي التأقيت ثم يجوز. فأما إذا قال اقتلوا المسلمين ويريد (به) المشركين فلا يجوز لأن أحدهما لا يستعمل في الآخر (بحال)، ولهذا لو فسره بذلك
[ ٢ / ٣٠٥ ]
لم يجز بخلاف البيان مع المبين فإنه إذا قال: اقتلوا المشركين، وقال: أردت (إلا أن) يعطوا الجزية (عن يد وهم صاغرون) أو أردت ثلاثة منهم فلانًا وفلانًا وفلانًا (حسن) ذلك، وكذلك إذا قال: آتوا حقه (يوم حصاده) يحسن أن يقول: وهو كذا وكذا فافترقا.
٨٨٦ - احتج بأنه لو جاز تأخير البيان لجاز تأخير التبليغ.
الجواب: أن شيخنا قد قال: يجوز تأخير التبليغ أيضًا، وهذا إنما يخرج عن الرواية التي تقول: إن الأمر على التراخي، والصحيح أنه لا يجوز لأن الله سبحانه (أمر بالتبليغ) فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (فأمر بالتبليغ) والأمر على الفور عندنا، والفرق بينهما أن التبليغ أمر به وتهدد عليه فقال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، والبيان قيل له: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ على التراخي فلم يجز أن يجمع بينهما.
[ ٢ / ٣٠٦ ]