اختلف الناس في (العلم) الواقع عند التواتر فقال شيخنا هو علم ضروري غير مكتسب، وهو قول
[ ٣ / ٢٢ ]
الجبائي وابنه، وأكثر الشافعية.
وقال أبو القاسم البلخي وأبو الحسين البصري: إنه
[ ٣ / ٢٣ ]
مكتسب، وهو قول الدقاق من أصحاب الشافعي.
والدليل عليه: إن الاستدلال (هو) ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر فكل ما وقف وجوده (على) ترتيب علوم فهو مستدل عليه، والعلم الواقع بالتواتر هذه سبيله، لأنا نعلم ما أخبرنها به، إذا علمنا أن المخبرين لم يخبروا عن رأيهم، وإنما أخبروا عن مشاهدة أو سماع، وإنه لا داعي لهم إلى الكذب فنعلم (أنهم) (لم يتعمدوا) الكذب، لعلمنا أنه لا داعي لهم إليه، وأنهم لا يتفقون مع اختلاف همسهم وتباين عقولهم على ذلك، فإذا فسد كونه كذبًا ثبت كونه صدقًا، ومتى اختل شرط من هذه الشروط لم (نعلم) صحة الخبر، فثبت كونه مكتسبًا.
(ودليل آخر وهو): أنه لو وقع العلم به ضرورة لاشترك
[ ٣ / ٢٤ ]
الناس كلهم في إدراكه، ولما رأينا العقلان ينكرون العلم به، دل على أن العلم من جهته عن استدلال ولا يلزم ما يذكر عن (السوفسطائية) من إنكار (المشاهدات) لأنا لا نعدهم عقلاء.
(ودليل آخر وهو): أن العلم لا يقع إلا على صفات تخصهم يستدل بها على صدقهم فصار كالاستدلال على (حدوث) الأجسام لما احتاج إلى صفات تعلم من حركة (وسكون) وافتراق كان (العلم) بها مكتسبًا.
(ودليل آخر وهو): إن خبر الله سبحانه، وخبر رسوله أقوى من أخبارنا، ثم العلم الواقع عن ذلك مكتسب من جهة الاستدلال (لا من جهة الضرورة)، فأولى أن تكون أخبار (غيرهما) كذلك.
(ودليل آخر وهو): أنا نسمع الخبر من الواحد والاثنين
[ ٣ / ٢٥ ]
والثلاثة، فلا يقع لنا العلم (لتجويزنا) الكذب عليهم، حتى يبلغوا حدًا لا يجوز اجتماعهم على الكذب، لا اتفاقا ولا تواطؤًا، فحينئذ نعلم هذا (من) نفس الاستدلال، فدل على أنه مكتسب.
احتج من نصر الأول: أن الواحد منا يعلم وجود الصين ومصر، ولا نعلم أنه أخبره بذلك (كثرة).
الجواب: أنا نعلم أنه قد أخبرنا كثرة لا يجوز عليهم الكذب لكثرتهم، (أو أخبرنا) من لا (داعي) له إلى الكذب وإن لم نعلم أعيانهم، ونعلم أيضًا أن كل من (سألناه) عن الصين ومصر يخبرنا بهما إما عن مشاهدة أو عن سماع (ممن شاهد، ونعلم) أيضًا أنه لا يجوز أن يكون لا أصل لوجود الصين ومصر وتتصل الأخبار عنهما الزمن الطويل ولا يظهر كذبها لأحد من الناس، ولا يقع في ذلك خلاف وتنازع.
واحتج: (بأن) الإنسان يعلم البلاد النائية، والأمم السالفة علما لا يمكنه نفيه عن نفسه بالشك، وذلك يختص بالعلم الضروري، لأن المكتسب قد يدخله الشك.
[ ٣ / ٢٦ ]
(والجواب: أنا) لا نسلم أن هذا (يختص بالعلم) الضروري، فإن العلوم المجاورة للعلوم/ الضرورية لا تنتفي بالشبه وإن كانت مكتسبة كمعرفة الله تعالى وكالعلم بحكمة الباري وصدقه وقدرته، ونبوة رسوله محمد ﷺ، (وعلى سائر الأنبياء).
واحتج: (بأن) العوام والمراهقين، ومن ليس من أهل الاستدلال يقع لهم العلم بالبلدان، وذلك غير واقع عن نظر.
(والجواب): أنه يقع لهم ذلك، كما يقع لهم بأن إلها عالمًا قادرًا، يحيى ويميت ورسولًا صادقًا جاء بالصدق، والزكاة وغير ذلك، وجميع ذلك مكتسب، ولأن الاستدلال يحصل للعامة بذلك، ولهذا يترتب في أنفسهم كثير من العلوم، ويحصل لهم عن ذلك علوم أخر.
(واحتج بأن قال): اعتقادنا للاستغناء عن النظر في العلم بالبلدان (يصرفنا عن النظر في ذلك، فكان يجب أن لا يقع له العلم بالبلدان، والأمر بخلاف ذلك.
(الجواب): أن الاستدلال على ذلك ليس أكثر من
[ ٣ / ٢٧ ]