إذا رأى سماعه في كتاب، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه (سماعه) كما يراه من خطه، فإنه يجوز له روايته، نص عليه في مواضع، فقال في رواية [أحمد بن) الحسين بن حسان: في الرجل يكون له السماع مع الرجل، فلا بأس أن يأخذه بعد سنين (إذا عرف الخط) وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يرويه، إلا أن يذكر سماعه.
لنا: ما روى من إجماع الصحابة: أنها كانت تعمل على كتب النبي ﷺ، نحو عملها على كتاب عمرو بن حزم، وكتب الصدقات وغير ذلك.
[ ٣ / ١٦٩ ]
دليل آخر: أن (مبنى) الأخبار على حسن الظن، ولهذا تقبل من العبيد والنساء (والغلمان) ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، ولا ترد بالتدليس والعنعنة، فدل على خفتها، وجاز أن يخبر بها إذا رأى سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه.
واحتج المخالف: بأنه لما لم يجز أن يؤدي الشهادة معتمدًا على خطه، كذلك الحديث، لأن كل واحد منهما يحتاج فيه إلى معرفة المخبر به.
الجواب: أنا لا نسلم على إحدى الروايتين، ونقول: يجوز أن يشهد إذا عرف خطه، ولم يخرج عن يده، وعلى الرواية الأخرى: لا يجوز، لتأكد الشهادة على الخبر بما بينا في غير موضع.
فإن قيل: (إذا) قال: حدثني فلان، وهو لا يذكر
[ ٣ / ١٧٠ ]
ذلك، فهو كذب، كما لو قال: أشهدني فلان، وهو لا يذكر.
(قلنا): ليس بكذب، لأنه يخبر عن غلبة ظنه، ومعه أمارة دالة، وهو خطه الذي يعرفه، فليس ذلك بدون الضرير في معرفة الصوت، وإن جاز أن يشتبه، وقد قالوا: تجوز روايته، وكذلك الصبي يسمع صغيرًا ثم يروى وهو شيخ.
فصل
إذا ناوله، أو أجاز له، أو كتب إليه جاز أن يقول: أخبرني مناولة أو إجازة أو فيما كتب إلي، نص عليه في رواية المروزي وأبي داود وغيرهما، وبه قال أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بذلك.
[ ٣ / ١٧١ ]
لنا: أنه لو قرئ على المحدث الكتاب، فأقر به جاز لمن قرأه أن يرويه، ولم يوجد من المحدث أكثلر من إقراره، (وكذلك): يجوز ها هنا إذا أقر بأن هذا حديثه، وأذن له في روايته.
(قلنا): إلا أنه لم يحدث حقيقة ولا وجد من جهته فعل سوى إقراره، وها هنا وجد إقراره وإذنه، ولأن أمر الإخبار على حسن الظن والظاهر، وإذا كتب خطه الذي يعرف وناوله كتابه فالظاهر أنه (حديثه) فيجب أن يقبل.
احتج المخالف: بأن الشهادة على الشهادة لا تجوز بالمكاتبة والمناولة والإجازة، كذلك الإخبار.
الجواب: أن الشهادة آكد، ولذا لا يجوز أن يشهد شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل، وتعتبر فيها العدالة الباطنة، وتسقط بالتدليس والعنعنة بخلاف الخبر.
فصل
معرفة من يقع عليه اسم الصحابي، ظاهر كلام أحمد ﵀، أنه يقع على كل مؤمن رأى النبي ﷺ وصحبه متبعًا له، ولو ساعة، لأنه قال في رواية عبدوس ابن مالك العطار: أفضل
[ ٣ / ١٧٢ ]
أفضل الناس القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعة، أو رآه: فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه.
وقال أكثر العلماء: لا يقع هذا الاسم إلا على من أطال المكث معه على وجه التتبع له، وشرط/ الجاحظ وغيره مع ذلك أن يأخذ عنه العلم أيضًا.
وجه قول أحمد ﵀: أن الصحابي اسم مشتق من الصحبة، فعم القليل والكثير كالضارب والشاتم يقع على من وجد منه ذلك وإن قل: والصحبة تقع على القليل والكثير.
يقال: صحبت فلانًا شهرًا ويومًا وساعة، وصحبته إلى موضع كذا، فدل على أن من صحبه يومًا سمي صاحبه، وقيل صحابي، قال ﵇ "إنكن صويحبات يوسف".
[ ٣ / ١٧٣ ]
ووجه القول الآخر: أن هذا الاسم لا يطلق في العرف على من رأى النبي ﷺ، أو أقام عنده يومًا ألا ترى أن الرسل والوفود لا يشملهم اسم الصحابة؟ وكذلك من صحب عالمًا في طريق، أو جالسه يومًا، لا يقال: صاحب فلان، وإنما يقال: ذلك لمن صحبه طويلًا وأخذ عنه العلم.
الجواب: إنا قد بينا أن الاسم في اللغة مشتق من الصحبة، فأما الوفود إذا كانوا مؤمنين، فإنه يقع عليهم اسم الصحابة، فأما من صحب عالمًا في طريق أو جالسه ساعة، لا يسمى صاحبه، لأنه غير فاعل لذلك على وجه التتبع والاقتداء به، فأما من كان في وقت الرسول ﷺ من المؤمنين (فقد) كانوا أتباعه.
فنظير الأول من مسألتنا الكفار الذين شاهدوا الرسول، لا يسمون صحابة، ولا أقاموا مع النبي ﷺ سنة لأنهم لم يتبعوه.
[ ٣ / ١٧٤ ]
وأما أخذ العلم فليس بشرط في تسمية الصاحب، ولهذا من خدم إنسانًا قيل: صاحب (فلان)، ولو لم يأخذ منه علمًا (قط).
فصل
إذا ثبت (هذا) فطريقنا إلى معرفة كون الصحابي صحابيًا من وجهين.
أحدهما: يوجب العلم، وهو خبر التواتر، بأن فلانًا صحب النبي ﷺ ورآه.
والثاني: يوجب غلبة الظن، وهو إخبار الثقة بذلك، إما هو، أو غيره وحكى أبو سفيان عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أنه لا طريق إلى ذلك إلا ما يوجب العلم، إما ضرورة، أو اكتسابًا.
وقال بعضهم: لا يقبل منه، ويقبل من غيره، وإن كان واحدًا.
[ ٣ / ١٧٥ ]
لنا: أن إثبات الصحبة له خبر يترتب عليه حكم شرعي بما يوجب العمل: وهو (هل) قوله حجة في مسألة فرع؟ أو إذا قال: أمرنا أو نهينا، يحمل ذلك عن النبي ﷺ، وخبر الثقة في الحكم الشرعي مقبول، فكذلك فيما يترتب عليه، ولأن العقل لا يمنع قبول خبر غيره في كونه صحابيًا لثقته عندنا وظننا صدقه، يجب أن نقبل خبره عن نفسه (لذلك) أيضًا.
فإن قيل: قوله شهادة لنفسه، ولا تقبل شهادة الإنسان لنفسه، وتقبل شهادة غيره له.
(والجواب): إنه ليس بشهادة، وإنما هو خبر عن نفسه بما لا يلزم (غيره به) مضرة، ولا تلحقه فيها شبهة: بخلاف الشهادة، فإنه يلزم غيره مضرة وتلحقه في ذلك تهمة.
فإن قيل: في ذلك إلزام حق الغير، لأنه إذا ثبت أنه صحابي، (ألزم غيره) أن يأخذ بقوله.
(قلنا): لا يلزم غيره ذلك، لأن قوله ليس بحجة، (ثم يجب) أن لا يقبل (خبره) لأنه (يلزم) غيره حكما
[ ٣ / ١٧٦ ]
(ولو لم) يشاركه في ذلك الحكم وقد غلب: أنه يقبل.
واحتج بأن قولنا: (فلان) صحابي إخبار عما يوجب العلم واليقين، فلم يقبل فيه الآحاد.
الجواب: إنا لا نسلم، أنه يوجب القطع والعلم، وإنما يجب عليه غلبة الظن يخبره عن النبي ﷺ.
فصل
إذا ثبت هذا فمتى قال الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا، وأبيح لنا كذا، (وحظر) علينا كذا، ومن السنة كذا، أفاد أن الآمر والناهي الموجب الخاطر المبيح رسول الله ﷺ، وكذا قوله من السنة يفيد سنة الرسول ﷺ وبه قال الشافعي، وبعض الحنفية وأبو عبد الله البصري، وعبد الجبار، وقال الكرخي والرازي، والصيرفي:
[ ٣ / ١٧٧ ]
لا يضاف ذلك إلى الرسول ﷺ في أمرنا ونهينا ومن السنة.
لنا: إن المفهوم من (قول) من التزم طاعة رئيس إذا كان تحت طاعته، إذا قال: أمرنا أو نهينا عن كذا، أن الذي أمره هو الذي لزمته طاعته، ألا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال في دار السلطان: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا عقل منه، إن السلطان هو الذي أمره.
دليل آخر: إن غرض الصحابي بقوله ذلك: هو أن يعلمنا الشرع ويفيدنا الحكم، أو يحتج على من خالفه، فيجب أن يحمل قوله على من يصدر الشرع (من عنده)، والدليل من جهته، وهو الرسول ﵇، دون الأئمة والولاة، فإن الشرع لا يصدر عنهم، ولا هم المتبعون فيه.
فإن قيل: (يحتمل) قوله إن الله أمرنا، فلا يحمل على أمر النبي ﷺ.
[ ٣ / ١٧٨ ]
(قلنا): أمر الله تعالى لا يختص بالصحابي دون السامع منه، لأنه كلامه تعالى لا يختص (به واحد دون واحد، فثبت أن قوله: أمرنا يريد به الإخبار لمن لم يسمع من الرسول ﷺ).
فإن قيل: يحتمل (أن يريد) بقوله: أمرنا أن الإمام والأمة معه أمروا.
قلنا: لا يجوز ذلك، لأن قوله: أمرنا إشارة إلى جميع الصحابة، وهي لا تأمر نفسها.
دليل آخر: (أن قوله): أوجب علينا، وأبيح لنا، وحظر علينا، لا تجوز إضافته حقيقة إلا إلى المشرع، فأما من سواه فليس إليه إباحة، ولا حظر، ولا إيجاب، لأنه لو كان إليه ذلك لم يكن بينه وبين المشرع فرق، وهذا لا يقوله أحد، وكذلك (قوله) أمرنا، ولأن ذلك لا يضاف إلا إلى من يعلم المصالح، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، ويوجبه إلى الرسول ﵇، ومن سواهما غير عالم بذلك.
احتج المخالف: بأن الأمر والنهي والسنة، لا تختص بالرسول ﵇ بدليل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: الولاة، وقيل: العلماء، وقال عليه
[ ٣ / ١٧٩ ]
السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقال: "من سن سنة حسنة كان له سنة أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"، وإذا ثبت ذلك، (جاز) أن لا ينصرف الأمر والنهي والسنة إلى الرسول، ووجب الوقف.
الجواب: إنا لا نمنع من ذلك مع التقييد بأن فلانًا أمر، وفلانًا سن، فأما إذا أطلق الأمر في الشرع، وأطلقت السنة، لم يعقل منها إلا سنة الرسول ﷺ، كما لو قال: هذا الفعل طاعة، لا يعقل إلا طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله، وإن كان يجوز أن يطيع غيرهما من الأئمة والخلفاء.
وقيل: المراد بقوله: وأولي الأمر، فيما نقلوه من أمري، وما رووه عني من السنة على سبيل المجاز.
[ ٣ / ١٨٠ ]
احتج: بقول علي ﵁: (جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة)، فسمي سنة غير النبي ﷺ سنة مطلقة.
الجواب: أن المراد بذلك سنة النبي ﷺ لأن الزيادة على الأربعين عندنا حد ثبت بسنته ﵇، ولأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى فعليه حد المفتري بهذا القياس، والقياس دليل في إثبات سنة الرسول ﷺ، وعلى الرواية الأخرى أن الزيادة على الأربعين فعلها تعزيرًا، وللإمام أن يعزر إذا رأى ذلك، والتعزير سنة سنها الرسول ﷺ.
احتج: بأن الصحابي قد يجتهد (فيؤديه) القياس إلى حكم فيقول: هذا سنة رسول الله ﷺ وأمره، لأنه قاسه على أمر أمر به، كما يقول: هذا حكم الله، لا أن الله (أمر به) وقاله، وإنما أداه إليه (اجتهاده) بالقياس على حكمه تعالى.
الجواب: إن الظاهر من حالهم (غير ذلك)، لأنهم
[ ٣ / ١٨١ ]
لا يطلقون السنة إلا على سنة (من) يحتذى ويتبع، وهو النبي ﷺ ولهذا قال ابن مسعود في قصة بروع بنت واشق، "أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان" فلم يطلق أن قوله من الله ورسوله، وإن كان قد اجتهد فيها شهرًا.
فصل
فإن قال التابعي: أمرنا بكذا، ومن السنة، ففي ذلك وجهان: أحدهما يكون حجة.
والثاني: لا يكون حجة، وأصل ذلك المراسي، وفيها روايتان وقد مضى الكلام في ذلك.
فصل
إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا وكذا على عهد رسول الله ﷺ، فهو كالمسند: خلافًا لبعضهم أنه لا يكون كالمسند.
لنا: أن الظاهر من قول الصحابي: كنا نفعل على عهد رسول الله ﷺ، أن يفيدنا بهذا الكلام شرعًا، ويعلمنا حكمًا، ولا يكون كذلك إلا وقد علمه الرسول ﷺ فلم ينكره، ولأن الظاهر
[ ٣ / ١٨٢ ]
أن الصحابة لا يقدمون على أمر من أمور الدين، والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا عن أمره، فصار ذلك كالمسند إليه.
احتج المخالف: بأنهم كانوا يفعلون ما لا يعلمه، ولهذا لما قالت الأنصار لعمر ﵃ في الإكسال: "أنه لا يوجب الغسل: كنا نفعل ذلك في عهد رسول الله ﷺ، قال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم بذلك؟ فقيل: لا فقال: فمه".
الجواب: أن التقاء الختانين كان لا يوجب الغسل في ابتداء الإسلام/ ثم نسخ ذلك فلم يعلمه قوم، وعلمه آخرون، فكان من لم يعلم النسخ مستمرًا على ذلك الحكم الذي كان في صدر الإسلام حتى تبين لهم خبر عائشة ﵂، والاستدامة على حكم عرفة الإنسان ما لم يعلم نسخه جائز، فأما الإقدام على ابتداء فعل يتعلق بالدين من غير استئذان الرسول فلا يظن بالصحابة فعله.
[ ٣ / ١٨٣ ]
فصل
(فإن) قال الصحابي (أو التابعي): "كانوا يفعلون"، حمل ذلك على جماعتهم، كقول عائشة ﵂: "كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه" خلافًا لمن أنكر أن يكون ذلك إجماعًا.
لنا: إن الراوي لا يقول ذلك إلا ويقصد به إقامة الحجة، فيجب أن يحمل (على) من قولهم حجة، وهو الإجماع.
فإن قيل: (يحتمل أن يكون أراد البعض، وهم عنده حجة، قيل: إذا علم أن البعض فعل، والبعض امتنع، فقد تعارض الفعلان، فلا يكون حجة).
فإن قيل: (أو تسوغون) مخالفة هذا الأمر؟
(قلنا إنما) سوغنا خلافه، لأنا ما علمناه يقينا لأنه خبر واحد وذلك لا يفيد العلم.
[ ٣ / ١٨٤ ]
فصل
إذا قال الصحابي: قال رسول الله ﷺ، حمل على أنه سمعه منه ذكره شيخنا وبه قال الشافعية. وقالت الأشعرية: أنه لا يحمل على ذلك بل يجوز أن يكون بينهما واسطة، وهو ظاهر قول من نصر: أن المرسل حجة، ووجهه: أن يجوز أن يكون قد أخبره بذلك العدد الكثير فثبت عنده، فقال: قال رسول الله ﷺ، ويحتمل أن يخبره الثقة، فيقول بغالب ظنه، ويحتمل أن يكون سمعه منه ﵇، فلم يجز القطع على أنه سمعه منه.
احتج: بأنه لما قطع عن الرسول ﷺ (بالقول) دل على أنه سمعه منه.
الجواب: ويحتمل أنه ثبت عنده بالتواتر أو بغلبة الظن، كقول التابعي: قال رسول الله ﷺ وحملناه على أنه ثبت عنده (بالتواتر).
[ ٣ / ١٨٥ ]
فصل
إذا قال الصحابي أمر رسول الله ﷺ بكذا. ونهى (عن كذا)، وأوجب كذا، كفى في إقامة الحجة.
وحكى الجزري عن داود: أنه لا حجة (فيه)، حتى ينقل لفظه ﵇، فينظر فيه، وهو قول بعض المتكلمين.
لنا: أن تصديق الراوي واجب ما أمكن، فإذا قال: أمر ونهي وأوجب يجب (أن يحمل) على أنه قال: أمرتكم ونهيتكم وأوجبت
[ ٣ / ١٨٦ ]
عليكم، وقد ورد ذلك في لفظه ﵇، فقال للوفد (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع)، (وصار) ذلك بمثابة قول الصحابي: زنا ماعز فرجمه رسول الله ﷺ، وسهى، فسجد، يجب تصديقه، ويصير كأن النبي ﷺ قال: زنا ماعز فرجمته، وسهوت فسجدت، لأن الصحابة رجعوا إلى هذا اللفظ، ولهذا روى ابن عمر قال: "كنا نخابر أربعين عامًا، لا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خديج: أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فانتهينا".
احتج المخالف: بأن الناس اختلفوا في الأمر (فمنهم) من حمله على الوجوب، ومنهم من حمله على الندب، ومنهم من حمله على الإباحة، فوجب نقل لفظ النبي ﷺ، (فكذلك) إذا قال: أوجب/ فلعله سمعه بأمر فحمله على الوجوب، ويكون أمره ندبًا.
الجواب: أن هذا الاختلاف موجود في قوله: أمرت ونهيت، ثم هو حجة على أن الصحابة أهل فصاحة وفقه، فإذا قالوا: أمر، علمنا أنه أتى بلفظ الأمر، وكذلك في النهي، (وإذا قالوا:
[ ٣ / ١٨٧ ]
أوجب)، فهم أعلم بمعاني كلامه، فإذا لم يقطعوا على فهم ذلك (أو أنه صرح) بالوجوب (أو أمر) بلفظ لا يحتمل غير الوجوب، لم يقدموا على روايتهم عنه أنه أوجب.
فصل
إذا روى الصحابي عن النبي ﷺ خبرًا لزم السامع العمل به من غير أن يسأل الرسول ﵇.
وقال بعضهم: إذا قدر على سؤال الرسول ﵇، لم يلزمه العمل حتى يسأله (عنه).
لنا: أنه ﷺ كان يبعث سعاته وعماله وقضاته إلى البلاد لتبليغ الشرع وبيان الأحكام، ثم يقدمون أهل البلاد أو بعضهم على الرسول ﷺ، فلا يسألونه عن ذلك، ولو وجب عليهم السؤال، لسألوا، ولم يقتصروا على العمل بما عرفوه من جهة السعاة والقضاة.
[ ٣ / ١٨٨ ]
احتج: بأن لهم طريقًا إلى معرفة الحكم قطعًا من جهة الرسول، فلم يجز (ترك) ذلك والاقتصار على العمل على الظن.
الجواب: إن ذلك غير ممتنع في أحكام الشرع، بدليل أن القائم على دجلة يجوز أن يتوضأ بما معه من الماء، وإن كان (طهارته) غير مقطوع بها، وطهارة دجلة مقطوع بها، وإنما كان كذلك، لأن الصحابة ﵃ مقطوع بعدالتهم، والرسول ﷺ أمرنا باتباعهم، فقال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، ليبين بذلك فضلهم، فلو كلف السؤال عما يخبرون (به)، أوقع الشك (في إخبارهم) عنه.
فصل
إذا قال الصحابي: هذا الخبر منسوخ، وكان (يتضمن حكمًا)، قبل قوله في ذلك، وقال بعضهم: لا يقبل.
[ ٣ / ١٨٩ ]
لنا: أن الصحابي مع عدالته وتحريه، لا يقول ذلك إلا وقد تيقنه وسمعه من الرسول ﷺ (أو ثبت) عنده (عنه)، فيجب أن يقبل قوله فيه، كما لو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يستحب هذا.
(فإن قيل): يجوز أن يسمع من الرسول ﷺ لفظًا فيظنه ناسخًا وليس بناسخ، فيجب أن ينقل اللفظ.
والجواب: أنه لا يحمل أمره على أنه أقدم على ذلك إلا عن قطع ويقين، وهو أعلم بقول الرسول ﷺ ومقاصده منا، فيجب الرجوع إلى قوله.
فصل
تفسير الصحابي الراوي للخبر، إذا كان مجملًا أولى من غيره، وذلك مثل ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء»، ثم فسر ذلك في حديث مالك
[ ٣ / ١٩٠ ]
ابن أوس بن الحدثان. حين صارف طلحة بن عبيد الله، قال له لا تفارقه حتى يعطيك ورقك أو ترد عليه ذهبه، (ففسر هاء وهاء) بالتقايض في المجلس.
وكذلك فسر ابن عمر: (المتبايعان بالخيار، ما لم يتفرقا)، بالافتراق عن المكان، وكان إذا باع مشى قليلًا، وكذلك فسر
[ ٣ / ١٩١ ]
قوله: (فاقدروا له) على ضيقوا (له)، فكان إذا كان في السماء علة ليلة الثلاثين صام وأمر أهله بالصيام.
والوجه في ذلك: أنهم حضروا التنزيل، وعرفوا التأويل، وهم أعرف بمراد الرسول، لكونهم معه، وبحضرته، فيجب الرجوع إلى تفسيرهم.
فإن قيل: فلم لم تقبلوا قول أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب: (إنه يغسل ثلاثًا)، وهو روى سبعًا، فتحملوا السبع على الاستحباب.
[ ٣ / ١٩٢ ]
(قلنا): ذلك ليس ببيان، وإنما هو مخالفة للخبر، ولأن من (يقول) السبع ندب، (يقول: الثلاثة ندب)، فلا يكون ذلك بيانًا. فأما تفسير التابعين للخبر ففيه روايتان، إحداهما: يقبل، لأنه أقرب إلى الرسول ﷺ، والثانية: لا يقبل، لأنه غير شاهد للحال، فصار وغيره من الفقهاء سواء.
فصل
إذا روى الصحابي شيئًا عن النبي ﷺ، (وخالفه) لم يدل ذلك على ضعف الخبر، ولا على نسخه، (وهذا) كخبر عائشة ﵂ في ولاية المرأة لعقد النكاح، وبه قال الشافعية وقال الحنفية: يسقط العمل بالحديث وعن أحمد نحوه.
[ ٣ / ١٩٣ ]
لنا: أن قول الرسول ﷺ حجة يجب العمل بها، فإذا ترك الراوي العمل، احتمل أن يكون (قد نسي الخبر) أو تأوله، (أو أن ذلك) قد نسخ، فوقف فعل الراوي حتى يتبين، وبقي قول الرسول ﷺ، فوجب المصير إليه.
احتجوا: بأن الصحابي مع فضله لا يجوز مخالفته للرسول ﷺ فإذا (عمل) بخلاف الخبر دل على أنه علم نسخه.
الجواب: أنه يحتمل ذلك، ويحتمل ما ذكرنا فوقف، فلا يترك ما هو حجة لغير حجة، ثم لو كان عرف ما نسخه لذكره ورواه ولو مرة في العمر، لأنه لا يظن به كتمان العلم، فلما لم يذكر دل على أنه نسيه.
فصل
إذا قال الصحابي ما يخالف القياس، دل على أنه توقيف عن النبي ﷺ في أحد الوجهين، (وهذا) كقول عمر ﵁ فيمن فقأ عين نفسه على عاقلته دية العين، وفي عين الفرس سبع قيمته، وقول ابن عباس: فيمن نذر ذبح ولده يذبح شاة،
[ ٣ / ١٩٤ ]
وقول عائشة: أبلغني زيدًا: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، وبه قال الحنفية.
والوجه الآخر: لا يكون توقيفًا وهو الأقوى عندي، وبه قال أصحاب الشافعي.
وجه الأول: أنه يجب (علينا) أن نحسن الظن بالصحابة ﵃، لأن الله تعالى أثنى عليهم بقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وغير ذلك، فإذا قال قولًا: لا مجال للاجتهاد فيه، فحسن الظن به يقتضي أن يكون قاله عن طريق، وإذا لم يكن فيه مجال للاجتهاد (ثبت) أنه سمعه من النبي ﷺ.
[ ٣ / ١٩٥ ]
فإن قيل: لو وجب حمله على التوقيف، لوجب إذا خالفه صحابي آخر، فقال ما يوافق القياس، أن لا نعتد بخلافه.
(قلنا): كذا (نقول).
(فإن قيل: فيجب إذا عارضه خبر متصل عن الرسول ﷺ، أن يتعارضا ولا يقدم المتصل عليه).
(قلنا: إنما قدم المتصل (عليه)، لأنه ثبت بالنقل، فغلب فيه الظن، وقول الصحابي يكون توفيقًا من طريق الاجتهاد (والاستدلال)، فكان المتصل أولى، وعندي (أن المتصل إذا كان من واحد لا يقدم) لأنه عن النبي ﷺ (ظنًا)، وكذا هذا مثله، وعلى هذا نقول: لا يقدم المتصل على المرسل. (والله أعلم).
[ ٣ / ١٩٦ ]
ووجه الآخر: قالوا: قول الصحابي ليس بقول النبي ﷺ حقيقة. فلا يجوز إضافته إليه بالظن والتخمين، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
الجواب: أنا نضيفه إليه بغلبة الظن، كما نضيف إليه خبر الواحد ظنًا لا يقينا، والآية وردت فيما طريقه (العلم) لا ما طريقه (الظن).
(فإن قيل): لو كان عندهم عن النبي ﷺ في ذلك توفيقًا، لنقلوه مع قوله ﵇: "رحم الله من سمع مقالتي فأداها"، مع قوله: "من كتم علما يعلمه ألجم بلجام من النار".
الجواب: أنه يحتمل أنهم رووه ولم يبلغنا، ويحتمل أن يكونوا كرهوا الرواية، فإن جماعة منهم كانوا يكرهون ذلك.
(فإن قيل): يجوز إن الصحابي برأيه، ولا يكون عنده في ذلك خبر، بدليل أن عمر ﵁ كان يفاضل في دية الأصابع، حتى أخبر أن النبي ﷺ قال: "في كل إصبع مما هناك عشر من الإبل" فرجع عن قوله، ولم يكن عنده في ذلك توقيف.
[ ٣ / ١٩٧ ]
الجواب: أن عمر قال ذلك بالقياس الصحيح، وهو: أن منافع الأصابع تختلف فجعل ديتها على قدر منافعها، فلما روى له الخبر، ترك القياس وخلافنا فيما لا قياس فيه.
احتج: بأ، عمر وعثمان ﵄ جعلا دية المجوسي ثمانمائة درهم، وهذا لا يقتضيه القياس، ولم يجعلوه توقيفًا، وهذا يلزم أصحاب أبي حنيفة ونحن نقول به، لأن أصحاب أبي حنيفة ناقضوه فقالوا: خبر الواحد، وإذا خالف الأصول لم يعمل به، كخبر القرعة والمصراة والتفليس، وهو قول الرسول ﷺ، فأولى أن يكون قول الصحابي إذا خالف الأصول لا يحتج به. فأما الجواب عن دليلهم: فيحتمل أن يكون ذهب إلى قياس فاسد، لأ، هـ ليس بمعصوم من الخطأ، ويحتمل أن يكون استحسن ذلك لعادة استدل بها، كما قدر أبو حنيفة ربع الرأس بالمسح، والنجاسة بقدر الدرهم، وليس في ذلك قياس، ولا توقيف، وهذا لا يلزمنا، لأن الأول ظاهر الروايتين والثاني لا نقول به (والله أعلم).
[ ٣ / ١٩٨ ]
فصل
في ترجيح أحد الخبرين على الآخر
إذا تعارض الخبران، فلا يخلو أن يمكن الجمع بينهما أو لا يمكن، فإن أمكن الجمع بينهما، فلا يخلو: أن يكون ذلك في وقت واحد أو في وقتين. فأما الجمع بينهما في وقت واحد، فبأن (يحمل) أحدهما (لمكان) الآخر على المجاز، إما بالتخصيص أو بغيره.
وإما في وقتين، فبأن يعلم تقدم أحدهما على الآخر، فيكون المتقدم منسوخًا (بالمتأخر).
(وما لا يمكن) الجمع بينهما فذلك على ضربين:
أحدهما: لا يمكن لقرينة، أو لأنفسهما. فما لا يمكن للقرينة، مثل خبر ابن عباس: "لا ربا إلا في النسيئة"، وخبر أبي سعيد: "لا تبيعوا البر بالبر"، إلى قوله: "إلا يدا بيد سواء بسواء".
[ ٣ / ١٩٩ ]
(هذان) يمكن الجمع بينهما، فيحمل خبر ابن عباس على الجنسين، وخبر أبي سعيد على الجنس الواحد، ولكن الأمة اتفقوا على أن هذين الخبرين متعارضان، لكن الأكثر أخذ بخبر أبي سعيد وترك حديث ابن عباس، والأقل أخذ بخبر ابن عباس على عمومه.
ومالا يمكن ذلك فيه لأنفسهما، مثل: أن يكون حكم أحدهما ضد حكم الآخر، أو يكون حكم أحدهما نفيا لحكم الآخر على وجه لا يمكن فيه التأويل السائغ، مثل: أن يتعلق كل واحد منهما بما تعلق/ به الآخر، على الحد الذي تعلق به الآخر، في الوقت الذي تعلق به ولا يكون أحدهما عامًا والآخر خاصًا، بل يكونان خاصين أو عامين، أو يكون كل واحد منهما خاصًا من وجه وعامًا من وجه، ولا يكون أحدهما بأن يكون مخصصًا للآخر أولى من العكس، ولا يعلم تقدم أحدهما على الآخر.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وإذا وجد التعارض على هذا الوجه فيجب الترجيح والعمل على ما ترجح به، لأنه (يقوى) بالترجيح، وتقديم الأقوى يجب.
فإن قيل: التنافي في الأخبار لا يوجد، لأن ما من لفظ إلا ويمكن تأويله على موافقة غيره والجمع بينهما.
(قلنا): قد يكون فيها ما لا يمكن إلا بتأويل متعسف، لا يحسن أن يريده الحكيم، وذلك مثل: ما قاله أصحاب أبي حنيفة في قوله ﵇: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه": إنا نحمل ذلك عليه، إذا بلغت مائعة وتسعين خاصة يكون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون: لأن ذلك يجب عندهم في مائعة وستة وثمانين: يكون بنت لبون في ستة وثلاثين، وثلاث حقاق في مائعة وخمسين. هذا تأويل لا يجوز أن يكون الحكيم أراده، لا سيما (إذا كان) نبيًا يريد بيان الشرع؛
[ ٣ / ٢٠١ ]
لأنه يقول: "إذا زادت على مائة وعشرين" ويريد بالزيادة سبعين، لا غير، ويقول: "في كل أربعين بنت لبون"، ويريد بذلك ستة وثلاثين، فمثل ذلك لا يجوز حمل الخبر عليه بحال، فإذا ثبت (ما ذكرنا) فلا بد من الترجيح.
فصل
الترجيح على ضربين: ترجيح يرجع إلى الإسناد، وترجيح يرجع إلى المتن.
فأما الترجيح (في الإسناد): فيكون بكثرة الرواة، وبأحوال الرواة.
والترجيح في المتن: (بما) يرجع إلى لفظ الخبر، وبألا يرجع إلى لفظه، وسنذكر ذلك مفصلًا ومبينًا إن شاء الله.
فصل
يرجح بكثرة الرواة، نص عليه في رواية الميموني، ونذكر له حديث بلال بن الحارث في فسخ الحج إلى العمرة: لنا
[ ٣ / ٢٠٢ ]
خاصة؟ فقال: لا أعرفه، إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ (يروون ما يروون)، (وأين) يقع بلال بن الحارث منهم؟ وبهذا قال الشافعي، (وبعض) الحنفية، وقال بعضهم: لا يرجح بكثرة الرواة.
لنا: أن النبي ﷺ لم يرجع إلى خبر ذي اليدين، حتى
[ ٣ / ٢٠٣ ]
استخبر أبا بكر وعمر فأخبراه بمثل ذلك، وكذلك أبو بكر ﵁ لما روى له المغيرة أن النبي ﷺ أطعم الجدة السدس، قال: "من يشهد لك؟ " فشهد له محمد بن مسلمة، فقبل قولهما، وكذلك عمر ﵁ مع أبي موسى في الاستئذان.
دليل آخر: أن الأخبار تقوى بالعدد، إذا كثر يحصل بها العلم، فكلما قارب الكثرة، كان الظن بصدقهم أقوى، لأن الغلط والسهو مع الكثرة أقل، وكذلك الكذب، لأن الإنسان يستحي أن يطلع غيره على كذبه، ولا يستحي إذا لم يشعر به أحد، وقد (بينه) الله تعالى بقوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ فبين أن ضبط الاثنين أكثر، وكذلك نبه النبي ﷺ على ذلك فقال: "الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد" ولأن خبر الأعلم
[ ٣ / ٢٠٤ ]
الأتقن أولى؛ لأنه (أوفر) ضبطًا، فكذلك الجماعة ضبطهم أكثر، ولأن الحكم إذا شابه أصولًا، كان أولى (مما) شابه أصلًا واحدًا، كذلك الخبر، لأن كل واحد منهما طريق في قوة الظن.
احتج المخالف: بأنه خبر يتعلق به حكم فلم يرجح بكثرة المخبرين، دليله الشهادة والفتوى.
إنما ذكرناه هو الأصل نعلمه ضرورة: أن ظننا يقوى بخبر الجماعة أكثر مما يقوى بخبر الواحد، فأما الشهادة، فإنها (مقدرة) في الشرع بعدد، فإذا وجد وجب تعليق الحكم عليه، وإذا كانت مخصوصة بالشرع لم تكن فادحة في الأصل الذي ذكرناه، يؤيد ذلك أن الشهادة لا يرجح فيها بضبط الشاهد وعلمه وورعه وكثرة ملابسته (للشهادات) بل بمجرد وجود العدالة يثبت قوله: بخلاف الخبر (فإنه يرجح بهذه الأشياء، وأما الفتوى فليس طريقها الخبر، وإنما تقف على علم المفتي وصحة اجتهاده، وقد يكون الواحد أعلم من الجماعة وأقوى اجتهادًا، وقد يكون الجماعة يتبع بعضهم بعضًا في الفتوى، فلا يكون في كثرتهم زيادة في صحة اجتهادهم: بخلاف الخبر)، فإن طريقه قوة الظن
[ ٣ / ٢٠٥ ]
بصدق المخبر والجماعة أقوى من الواحد في ذلك، على أنه (لو رجح) بكثرة الشهود وكثرة المفتين لجاز، وقد رجح مالك (بكثرة الشهادة).
فصل
فأما الترجيح بأحوال الرواة، فإنه بأشياء منها:
زيادة الورع (والتحري)، لأنه أبعد من الكذب والتساهل، فالظن بروايته أقوى.
والثاني: العلم والضبط كما ذكرنا.
والثالث: أن يكون أحد الراويين باشر القصة بنفسه كرواية أبي رافع: "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهما
[ ٣ / ٢٠٦ ]
حلالان" مع رواية ابن عباس أن تزوج ميمونة، وهو محرم، قدمت رواية أبي رافع؛ لأنه مولى النبي ﷺ، وكان (السفير) في تزوجها، (فباشر القصة بنفسه).
والرابع: أن يكون أحدهما صاحب القصة كخبر ميمونة: تزوجني النبي ﷺ ونحن حلالان، أولى من خبر ابن عباس،
[ ٣ / ٢٠٧ ]
لأن العقد عليها، فهي أعرف بوقته، لاهتمامها ومراعاتها له.
الخامس: أن يكون أقرب موضعًا من النبي ﷺ من الآخر، كخبر ابن عمر: (أن النبي ﷺ) أفرد الحج، قدم على حديث أنس (أن النبي ﷺ) قرن، لأن ابن عمر قال: كنت تحت ناقته، يسيل علي لعابها، ومن كان أقرب يكون أضبط لما سمعه.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
السادس: أن يكون ممن قدمت هجرته، وكثرت صحبته، فتكون روايته أولى؛ لأنه أعرف بأحواله وأقرب إليه، ولهذا قال ﵇: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي".
فصل
فأما الترجيح بما لا يرجع إلى لفظ الخير بأشياء منها: أن يكون أحد (الخبرين) ناقلًا عن حكم الأصل، والآخر مطابقًا له، وذلك على ضربين:
إحداهما: أن يكون مطابقًا للأصل الذي يقتضيه العقل.
والثاني: مطابقة الأصل من حال المروى عنه.
فأما الأول مثل خبر يرد في نفي عبادة، ويرد الآخر في التعبد بها، فرواية الإثبات أولى، لأن الظاهر أن النبي ﷺ يعلمنا
[ ٣ / ٢٠٩ ]
مالا نعلمه إلا من جهته/، لا ما نعلمه بعقولنا قبل مجيئه، ولأن الظاهر مما يطابق، أنه هو المتقدم في الرواية، لأنه جاء على مقتضى العقل، والآخر متأخر عنه، فكان (كالناسخ) له والعمل بالناسخ أولى.
فإن قيل: (هلا) عملتم بالموافق للعقل، لأنه عضده دليل العقل، فصار كما لو عضده دليل (شرعي) من قرآن أو سنة.
قلنا: العقل ليس بدليل، وإنما يتمسك به ما لم يرد شرع (بخلافه)، فإذا ورد شرع يخالفه، صار كأن العقل ما اقتضى نفى تلك العبادة، ولأن شرط اقتضائه قد زال، بخلاف ما يعضده من أدلة الشرع.
فإن قيل: فإذا لم يرجح بالعقل، فإن الخبرين إذا كان أحدهما نفيًا، والآخر إثباتًا، كانا حكمين شرعيين، فهما سواء.
[ ٣ / ٢١٠ ]
(قلنا): إلا أنا قد بينا أنه لا بد أن يكون أحدهما مطابقًا لحكم (العقل) لأنه ما من فعل إلا وله حكم في العقل، إما حسن، أو قبح، فالذي نقل عن حكم العقل، في الظاهر هو المتأخر، فصار كالناسخ، فيجب تقديمه.
وأما الثاني: فنحو ما روى: أن النبي ﷺ دخل البيت ولم يصل فيه، وأنه: لم يقبل وهو صائم، والخبر المعارض: أنه صلى في البيت أولى، لأنه أحاط من أخبار النبي ﷺ، بما لم يحط به الآخر، وكذلك رواية عائشة ﵂: أنه (﵇): قبل وهو صائم، أولى، (لأنه) زيادة
[ ٣ / ٢١١ ]
عرفتها، ورواية أم سلمة: إنه لم يقبل، أخبار عن حالها، (لأنه) لم يقبلها، وقبل عائشة ﵂.
فصل
ومنها أن يكون أحد الخبرين مثبتًا للحد، والآخر نافيًا (له)، قال شيخنا: لا يرجح المسقط، ويكونان سواء، وبه قال عبد الجبار، ويحتمل أن يكون المسقط للحد مقدمًا، وعن أصحاب الشافعي كالوجهين.
ووجه الإسقاط قوله ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات"
[ ٣ / ٢١٢ ]
وقوله: "ادرءوا الحدود ما استطعتم"، وقوله: "لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، ولأن تعارض البينتين في الحد إذا كان شبهة يسقط، فكذلك تعارض الخبرين.
ووجه الآخر: أن الحد يثبت بالقياس وخبر الواحد، وفيهما شبهة، لأنهما مظنونان، فكذلك يجب أن يقبل الخبر فيه مع التعارض، ولقائل أن يقول: إن الأخذ بخبر الواحد إذا انفرد، وبالقياس، مقطوع (به)، فلا يكون ذلك شبهة: بخلاف التعارض، فإنه غير مقطوع (عليه، فكان شبهة).
فصل
ومنها: أن يكون أحد الخبرين يتضمن الحرية والآخر يتضمن الرق، فقال عبد الجبار: هما سيان، لأنهما حكمان.
وقال غيره: المتضمن الحرية أولى، لأن الحرية
[ ٣ / ٢١٣ ]
(لا يعترضها) من الأسباب المبطلة لها (ما يعترض) الرق، ولا يبطل الحرية بعد ثبوتها، كما يبطل الرق بعد ثبوته، فكانت الحرية آكد، وما يتضمنها أولى بالتقديم.
فصل
ومنها: أن يقتضي أحد الخبرين الحظر والآخر بالإباحة، فقال شيخنا: يقدم الحظر، لأن أحمد قال: إذا اختلف الأمر عن رسول الله ﷺ ولم يعلم ناسخه من منسوخه، نصير في ذلك إلى قول علي، تأخذ بالذي هو أهنأ وأهدى وأبقى.
وبهذا قال الكرخي، والرازي، وقال عيسى بن أبان، وأبو هاشم: هما سواء، وعن الشافعية كالقولين.
وجه الأول: أن العمل على الحظر أحوط، لأنه إن/ كان (الفعل) محظورًا فقد تجنبه المكلف، وإن كان مباحًا لم يضره
[ ٣ / ٢١٤ ]
تركه: بخلاف ما إذا كان محظورًا ففعله، فإنه يكون قد أقدم على المحرم.
فإن قيل: فإذا كان مباحًا منه فقد اعتقد قبح الجنس، فيكون ذلك جهلًا.
(قلنا): إلا أنه بالامتناع يكون قد أتى محظورًا واحدًا، وبالإقدام على فعل المحظور يكون قد أتى (محظورين): فعل المحظور، واعتقاد القبح حسنًا، فكان تجنبه أولى، وإذا ثبت أن تجنب الفعل أولى من الإقدام عليه فاعتقاده حظرًا عند التعارض ليس بجهل، ولا (قبح).
وقد احتج شيخنا: بأنه إذا اجتمع ما يبيح وما يحظر وجب تقديم الحظر، كما نقول في المتولد بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، والجارية بين شريكين.
وهذا ليس بصحيح، لأنه ملكه لبعض الأمة، واختلاط الماء (المباح بالمحظور) ليس بجهة مبيحة، وإنما المبيح ملك جميعها، وانفراد المباح بالتولد منه، ولم يحصل ذلك، فلهذا لم يجتمع في الحيوان وفي الأمة جهة إباحة (بحال): بخلاف الخبرين، فإن الخبر (مبيح) لجميع الوارد فيه، فهو بنفسه جهة إباحة.
[ ٣ / ٢١٥ ]
احتج المخالف: بأن الخبرين إذا كانا متنافيين، فلابد أن يكون أحدهما متأخرًا عن الآخر، فيكون العمل عليه، فإذا لم نعلمه وجب التوقف، لأن ليس أحدهما بأن يتقدم أولى من الآخر، (فصار) ذلك بمنزلة الوليين إذا زوجا ولم يعلم السابق منهما، وقف النكاحان، والغرقى، (إذا لم يعلم السابق منهما) وقف الأمر كأنهم أحياء، ولم يورث بعضهم من بعض.
الجواب: أن ما ذكرتم موضع الخلاف، لأنهما إذ استويا فيما ذكرتم، كان الحاظر بالتقديم أولى، لما ذكرنا، وأما الوليان إذا زوجا ولم يعلم السابق منهما، فإنا لا نبطل النكاحين، بل يقرع بينهما فيترجح من وقعت عليه بالقرعة، وكذا الغرقى، يورث بعضهم من بعض، ولا يوقف، لأن الظاهر: (أنهم) لم (يموتوا) معًا، ومن سلم ذلك، قال: يجوز أن يتفق عقد الوليين وموت الغريقين حالة واحدة، ولا يجوز أن يتفق خبر الحظر والإباحة في حالة واحدة، بل لابد من تقديم أحدهما على الآخر، فيجب تقديم الأحوط وهو الحظر.
واحتج: بأن البينتين إذا تعارضتا لم يرجح إحداهما، فكذلك الخبران.
الجواب: إنما لم يرجحا، (لأنه) لا مزية لإحداهما على
[ ٣ / ٢١٦ ]
الأخرى؛ لأن كل واحد يجوز أن تشهد. بالملك لمكان اليد والتصرف، ويجوز أن يكون المتداعيان متصرفين في الملك فتشهد بينته بما رأت، فأما الحظر والإباحة فلا يجوز ورودهما معًا، فلم يكن بد من تقديم إحداهما على (الأخرى)، فقدمنا الأقوى وهو الحظر (والله أعلم).
فصل
ومنها: أن يوافق أحد الخبرين القرآن، أو سنة أخرى ترد بلفظه ومعناه، فإنه يرجح بذلك.
مثل: حديث التغليس بالصبح، قدم على حديث الأسفار بها، لأنه يوافق ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
[ ٣ / ٢١٧ ]
رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ وفي التغليس مسارعة إلى فعل العبادة ولأنه يوافق سنة أخرى، وهو قوله ﷺ: "أفضل الأعمال عند الله الصلاة في أول وقتها"، وقوله: "أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله".
فصل
ومنها: أن يوافق/ أحد الخبرين القياس، مثل قوله عليه
[ ٣ / ٢١٨ ]
السلام: "ليس على المسلم في فرسه وعبده صدقه".
مع الحديث الآخر: "في كل فرس دينار" يقدم الأول، لأن القياس يعضده، لأن الخيل لا تجب فيها زكاة السوم، ولا (زكاة) التجارة، ولا تجب في ذكورها، إذا انفردت فهي خارجة عن القياس، ألا ترى أن سائر الحيوان الزكائي تجب (في) ذكوره، إذا انفردت؟ وكذلك تجب في زكاة السوم فيؤخذ (في) بعضه، وتجب [في] زكاة التجارة ربع عشر قيمتها، وأما إيجاب الدينار عن الفرس مع اختلاف قيمتها، فغير موافق للقياس.
[ ٣ / ٢١٩ ]
فصل
أن يعمل بأحد الحديثين الخلفاء الأربعة (كحديث التكبيرات في العيدين)، قدمنا خبر من روى سبعًا؛ لأنه عمل به أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ على الخبر الآخر أربع كأربع الجنائز لقوله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوًا عليها بالنواجذ".
فصل
فأما إذا كان أحد الحديثين قد أجمع على العمل به أهل المدينة.
فقال شيخنا: لا يرجح به، وقال أصحاب الشافعي: يرجح، وهو أقوى عندي، لأن الظاهر بقاءهم على ما كان أسلافهم عليه، وهم الصحابة، فرجح بذلك.
وجه الأول: أنه بلد فلم يرجح بأهله كسائر البلدان.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
الجواب: أنه إن كان من البلدان (ما نزله) الصحابة، وأقاموا فيه، أخذنا بما أجمعوا عليه إلى قبل (أن وقع الخلف) وظهرت البدع، وهو ما كان في زمن الخلفاء الراشدين، مثل الكوفة والبصرة، وهذا قول الجرجاني من الحنفية، وإن كان بلد لم (تنزله) الصحابة، فلا سلف لهم (يقتدي بالأخذ عنهم): بخلاف المدينة.
فصل
ومنها: أن يقترن بأحد الحديثين تفسير الراوي وتعليله، كخبر جابر في العمري: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فهي للذي أعطيها، ولا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"، فقدم على الحديث الآخر: "من أعمر عمرى فهي
[ ٣ / ٢٢١ ]
له ولعقبه يرثها من يرثه"، لأن جابرًا قال: "إنما العمري التي أجازها رسول الله ﷺ: أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى أصحابها"، وهذا بيان من الراوي قطع على النبي ﷺ، وهو أعرف بما أراد، لأنه شاهده وتفقه في قوله.
ومنها: أن يكون أحد الخبرين قد استعمل نظيره في التخصيص لنظير (الخبر) الآخر، مثل حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"،
[ ٣ / ٢٢٢ ]
يخص به قوله: "فيما سقت السماء العشر"، كما (خص) بقوله: "ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة"، وقوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر"، فيشهد القرين لقرينه، لأنه نظيره، وفيه نظر. (والله أعلم).
[ ٣ / ٢٢٣ ]