(وجوبه) في الشرع فدخل فيه كما لو قال هذه العبادة واجبة (مشروعة).
الجواب: أنا قد بينا أنه لو كان مخبرًا عن الله تعالى بأنه شرع كذا وكذا دخل فيه، وليس الخلاف في هذا، (وإنما) الخلاف فيما يأمر به ابتداء من عنده أو يخبر عن الله تعالى أنه أمره أن يأمر أمته بكذا وكذا، فلا يدخل في هذا (لأنه) يتضمن الوجوب (على غيره، وأما الوجوب على الإطلاق فلا، والمعنى في الأصل أنه لفظ مطلق يقتضي الوجوب) على كل مكلف، وفي مسألتنا هو إيجاب خاص على المخاطبين فنظيره أن يقول فرضت عليكم ووجب في حقكم، ولأن في قوله هذه العبادة واجبة إخبار للغير ويجوز أن يخبر الغير عن نفسه وغيره، وها هنا أمر للغير فلا يكون أمرًا لنفسه، كما أنه إذا أخبر الغير لا يكون مخبرًا لنفسه والله أعلم بالصواب.
٣٤٢ - مسألة: إذا توجه الأمر إلى واحد لم يدخل غيره فيه بإطلاقه، وهو اختيار أبي الحسن التميمي، (وبه قال الأشعرية وبعض الشافعية).
[ ١ / ٢٧٥ ]
(وقال) شيخنا إذا خاطب الله نبينا ﷺ بالأمر بفعل عبادة ولم يخصه بلفظ التخصيص نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمْ اللَّيْلَ﴾ دخل أمته في ذلك وكذلك إذا توجه (الأمر إلى واحد) من الصحابة دخل غيره (من الصحابة في ذلك). (وهذا إن أراد به إذا سأله إنسان عن مسألة فأجابه كقوله للأعرابي لما قال: "وقعت على أهلي": "أعتق رقبة"، فذلك يلزم كل من وقع في مثلما وقع فيه، فأما قوله لما مرض: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" يدخل فيه كل الصحابة في الإمامة فلا، وكذلك قوله للرجل منهم: "قم فبارز هذا" لم يجز لغيره ذلك، وفي أن لا نقول ثبت على الغير المبارزة.
وإذا حكم في حادثة بين نفسين كانت واجبة على كل أحد أن يحكم عليه بمثل ذلك إذا وجدت منه مثل تلك الحادثة فهذا ما أعلم فيه خلافًا وكذلك إذا خاطبه الله تعالى:
[ ١ / ٢٧٦ ]
﴿قُمْ اللَّيْلَ﴾ أو ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآيات. يلزم الأمة أن يخيروا أزواجهم فلا يجب).
٣٤٣ - وجه (قولنا) أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الإنسان إذا قال لعبده افعل كذا (وكذا) لم يدخل بقية عبيده في ذلك، فكذلك إذا أمر الله تعالى نبيه لم تدخل فيه الأمة.
٣٤٤ - دليل آخر: (أنه) لو ورد الأمر بعبادة لم يتناول بمطلقه عبادة أخرى، فكذلك إذا توجه إلى متعبد لم يدخل فيه متعبد آخر، وهذا لأن الأمر يتناول العبادة والمتعبد بها فكما لا يتعدى أحدهما لا يتعدى الآخر.
٣٤٥ - دليل آخر: أن لفظ الخصوص ضد لفظ العموم، ثم لفظ العموم لا يحمل على الخصوص بمطلقه، فكذلك لفظ الخصوص لا يحمل على الاستغراق بمطلقه.
[ ١ / ٢٧٧ ]
٣٤٦ - (دليل آخر: أنه قد يجوز أن يكون ما أمر به النبي ﷺ مصلحة له مفسدة لغيره فلا يكون أن يدخل فيه إلا بدليل).
٣٤٧ - دليل آخر: أنه لو دخل أمته في لفظ الخطاب المتوجه إليه لدخلوا فيما خص به بلفظ الخصوص وهو قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وما أشبه (ذلك) ومن قال (هذا) خالف العقل والإجماع.
فإن قيل: هناك خصه وأخلصه، فإذا شاركه غيره خرج عن الخلوص له بخلاف اللفظ المطلق، فإنه شرع يتناول الجميع.
قلنا: لا فرق بينهما (فإنه ههنا خصه بلفظ التوحيد ولفظ التوحيد لا يصلح للجمع) لأنه يخرج (عن) أن يكون توحيدًا (لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾) (ولأن هذا يفضي إلى أن يجعل لفظ الخصوص لفظ العموم ولفظ العموم للخصوص وهذا تخليط الأوضاع فلم يجز).
[ ١ / ٢٧٨ ]
٣٤٨ - احتج (الشيخ ومن قال بقوله وهم بعض الشافعية وبعض المالكية) بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.
(قالوا هذا تعليل من الله تعالى لأنه ما زوجه زوجة زيد إلا لنفي الحرج عن المؤمنين إذا أرادوا أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم. فلو لم تدخل أمته في خطاب الله لنبيه لما علله بهذا، وبقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قالوا: فقد شارك النبي ﷺ في هذه الأشياء أمته وبقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ/٣٧ أالْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: لو لم تدخل الأمة معه في خطاب واحد لما احتاج إلى استثناء وتخصيص.
٣٤٩ - وبقوله: أجمعنا أنتم وإيانا في رواية لنا بأن شرع من قبلنا شرع لنا مع تباعد العصر وتباين الأحكام، فلأن نقول شرع النبي ﷺ مع تقارب العهد به ودنو العصر وكونه سفيرًا بيننا وبين الله
[ ١ / ٢٧٩ ]
تعالى وهو المتبع والمشرع، ولم يكن ذلك إلا كأمره لغيره بطاعة من الطاعات لله، فإنا أجمعنا على أنه يدخل فيها، كذلك ههنا مثله فإنه إذا أمر الله تعالى (نبيه) ﵇ بطاعة من الطاعات دخل أمته في ذلك).
٣٥٠ - (احتج بأن الصحابة كانت ترجع إلى أفعال النبي ﷺ كرجوعهم في التقاء الختانين والمسح على الخفين.
قلنا: رجعوا إلى ذلك بدليل آخر من رواية عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع والتقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أم لم ينزل" ولروايتهم عنه: "أنه أمرهم إذا كانوا مسافرين أن يمسحوا على خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر لا من جناية لكن من غائط أو بول".
٣٥١ - احتج بقوله ﷺ: "ما أمرني الله يأمر إلا وقد أمرتكم به ولا نهاني إلا وقد نهيتكم عنه".
[ ١ / ٢٨٠ ]
قلنا: هو حجتنا لأنه لو كان الأمر له والنهي يدخل فيه لما احتاج أن يأمرهم وينهاهم عنه، وقد صدق ﵇ لأنه أمرهم بما شرعه وكذا نهاهم عما ليس بمشروع، وأمره أن يبلغه فنهانا وأمرنا فصار ذلك شرعًا لنا لأنها بأمره ولا خلاف في ذلك وإنما إذا قال له (قم الليل) ولم يقل لنا قوموا الليل، فإنه لا يلزمنا ونظائر هذا هو الخلاف. والله أعلم بالصواب).