٥٩٩ - مسألة: إذا ذكر جملًا عطف بعضها على بعض، ثم عقبها بالاستثناء، رجع استثناؤه إلى جميعها. مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾. رجع إلى نفي الفسق وقبول الشهادة عند أصحابنا.
وقد قال أحمد رحمة الله تعالى عليه في رواية ابن منصور (في) قوله ﵇ "لا يؤم الرجل في أهله ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" قال: أرجو أن يكون الاستثناء علىك له، وبه قال أصحاب الشافعي.
[ ٢ / ٩١ ]
وقال أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى أقرب مذكور.
وقال عبد الجبار إذا لم يكن الثاني إضرابًا عن الأول وخروجًا من قصة إلى قصة صح رجوع الاستثناء إليهما.
وأجمع الجميع أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى وفي الشرط، أنه يرجع إلى كلا الكلامين.
وقال الأشعرية: هو موقوف على الدليل.
٦٠٠ - دليلنا: أن الاستثناء/٥٩ أكالشرط وكالاستثناء بمشيئة الله تعالى في أنه لا يستقل بنفسه، ثم الشرط (ومشيئة الله تعالى) ترجع إلى الجميع، فكذلك لفظ الاستثناء، وبيانه لو قال: عبيده أحرار ونساؤه طوالق إن دخل الدار، رجع الشرط إلى الجميع، وكذلك (إذا) قال: والله لا كلمت زيدًا ولا عمرًا ولا خالدًا إن شاء الله رجع إلى الجميع.
[ ٢ / ٩٢ ]
فإن قيل: إنما رجع في الشرط إلى الجميع لأن مرتبة الشرط أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم (على) اللفظ أو تأخر، فكأنه قال: إن دخلت الدار فنسائي طوالق وعبيدي أحرار. وكذا الاستثناء بمشيئة الله لفظها لفظ الشرط فهي تجري مجراه، بخلاف لفظ الاستثناء فإنه لا يصلح تقدمه وإنما ينبني الكلام على ما يليه.
قلنا: لا فرق بينهما في المعنى، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ وبين قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة/٥٩ أأبدًا (إن لم) يتوبوا.
جواب آخر: كان يجب أن يقولوا إن الشرط وإن كان رتبته التقدم إلا (أنه يتقدم) على ما يليه فيكون (تقدير) قوله: نسائي طوالق فإن دخلت الدار فعبيدي أحرار، فلما جعلتموه يتقدم على الجميع، وجب أن يكون الاستثناء كذلك.
جواب آخر: إن كان مرتبة الشرط التقدم فيجب أن يفتقر إلى الفاء ألا ترى أنه يحتاج أن يقول إذا دخلت الدار: فأنت طالق، حتى قال محمد بن الحسن إذا قال: (إن دخلت الدار أنت
[ ٢ / ٩٣ ]
طالق) يقع (الطلاق) في الحال ولا يقف على الشرط، وقد ثبت أنه يقول: أنت طالق إن دخلت (الدار) فتسقط الفاء فدل على أنه يختلف بحكم التقدم والتأخر.
٦٠١ - دليل آخر: أن (الكلام يجري مع واو العطف) مجرى الجملة (الواحدة)، لأن واو العطف في الأسماء المختلفة تقوم مقام واو الجمع في الأسماء المتماثلة، لأنه لا فرق بين أن يقول: جاءني زيد (وبكر) وخالد، وبين أن يقول: جاءني الزيدون، ثم ثبت أن الاستثناء إذا تعقب جملًا (عددية) رجع إلى الجميع مثل أن يقول: اقتلوا الزيدين إلا من دخل الدار، فكذلك إذا تعقب جملًا معطوفة كقوله اقتلوا زيدًا، وبكرا، وخالدا إلا أن يدخلوا الدار.
فإن قيل: فرق بين المذكور جملة وبين المعطوف، ألا ترى أنه لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة (وقع اثنتان وصح الاستثناء ولو قال أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة) (لم يصح الاستثناء ووقع ثلاثًا.
[ ٢ / ٩٤ ]
قيل: لا نسلم هذا ويقع اثنتين)، وقد نص أحمد رحمة الله عليه على أنه إذا قال لزوجته وهي غير مدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق يقع الثلاث كما لو قال أنت طالق ثلاثًا لأن واو العطف كواو الجمع والاشتراك.
٦٠٢ - دليل آخر: أن الاستثناء يصلح عوده إلى كل واحدة من الجملتين، وليس إحداهما أولى من الأخرى، فوجب أن يرجع إليهما كالعموم لما صلح لكل واحد من الجنس دخل فيه.
٦٠٣ - دليل آخر: لو قال قائل: بنو تميم (وبنو ربيعة) أكرموهم إلا الطوال. رجع الاستثناء إلى الجميع، فكذلك إذا قال: أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال، فإنه لا فرق بين تقدم الأمر وتأخره.
٦٠٤ - دليل آخر: لو رجع الاستثناء إلى ما يليه لكان إذا قال: له على خمسة وخمسة وخمسة إلا سبعة أن يلغوا الاستثناء ويلزمه خمسة عشر، فلما اجتمعنا على أنه يلزمه ثمانية دل على أن الاستثناء يرجع إلى الجميع.
فإن قيل: إنما يرجع إلى ما يليه لمانع، وهو أن الاستثناء إخراج من جملة، والسبعة لا تكون جزء الخمسة فرجع إلى الجميع.
قيل: هاهنا أيضًا وهو أن واو العطف تجعل الجملتين كالجملة الواحدة لأنها تقتضي الجمع والتشريك على ما بينا.
[ ٢ / ٩٥ ]
٦٠٥ - احتج المخالف: بأن الصحابة ﵃ ردوا الاستثناء إلى الجملة الثانية دون الأولى في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ﴾ فشرطوا الدخول في الربائب دون أمهات النساء وحرموا أمهات النساء بمجرد العقد.
الجواب: أن هذا ليس باستثناء وإنما هو صفة فلم يجب في الاستثناء ما يجب فيه لأنهم لم يجمعوا بينهما بعلة.
جواب آخر: أن قوله: "اللاتي في حجوركم" نعت للربائب دون أمهات النساء لأن أمهات النساء لسن في حجورنا ولا هن من نسائنا وقوله: "اللاتي دخلتم بهن"، وإن رجع إلى النساء إلا أنه من تمام نعت الربائب، فصح أن الكلام يخرج، فمن يقيد الربائب لا يدخل فيه أمهات النساء. يؤكد هذا أن الصفة يكون العامل فيها العامل في الموصوف، والعامل في قوله "وأمهات نسائكم" الإضافة وفي قوله "من نسائكم" حرف الجر ولا يصلح أن يعمل في الصفة عاملان مختلفان فامتنع عودها إلى الله.
٦٠٦ - واحتج بأن العموم قد ثبت في كل جملة من الجمل المتقدمة وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، فلا يزول العموم المتيقن بالشك.
الجواب: أنا لا نسلم/٥٩ ب ذلك، لأن العموم إنما يثبت بوقوع السكوت عن الكلام من غير استثناء، فأما إذا اتصل به الاستثناء فلم
[ ٢ / ٩٦ ]
يثبت العموم، ولأنه يبطل بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى، فإن العموم قد ثبت بكل جملة وعودها إلى جميعها مشكوك فيه، ثم قد عاد إلى الجميع.
٦٠٧ - احتج بأن الاستثناء لا يستقل بنفسه ولا يفيد بإفراده فوجب رده إلى ما تقدم ذكره، فإذا رد إلى ما يليه فقد استقل وأفاد فتعليقه تعليق على الزيادة يجري مجرى الكلام المستقل بغيره لا من ضرورة.
الجواب: أنا لا نسلم أنا نرده إلى ما تقدم ليستقل وإنما نرده ليصلح عوده إليهما أو لأنهما كالجملة الواحدة بواو العطف ولأن ليس أحد الجملتين أولى من الأخرى.
جواب آخر: أن هذا الكلام يمنع من رجوع الكلام المتقدم لأجل الاستقلال، ولا يمنع من الرجوع إليه بسبب آخر غير ذلك لأن الحكم قد يثبت بأسباب.
جواب ثالث: يبطل بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى لأنه غيره، وبتعليقه بما يليه يفيد. ثم إذا ورد تعلق بجميع ما تقدم كذلك ها هنا.
٦٠٨ - واحتج بأن الاستثناء من الجمل "كالاستثناء" من الاستثناء، بدليل أن كل واحد منهما لا يفيد بنفسه، ثم الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه دون الجملة الأولى، وكذلك الاستثناء يرجع إلى ما يليه دون الجملة الأولى، وكذلك الاستثناء من الجمل، وبيان ذلك أنه لو قال،
[ ٢ / ٩٧ ]
له عليّ عشرة إلا أربعة إلا درهمين يرجع الاستثناء أخيرًا إلى الأربعة دون العشرة.
الجواب: إنما لم يرجع إلى العشرة لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.
فإذا قال: له عليّ عشرة فهو إثبات.
فإذا قال: إلا أربعة فهو نفي، فإذا قال: إلا درهمين فهو إثبات، فإذا رجع استثناء الدرهمين إليهما لكان استثناء إثبات من إثبات فلم يجز.
جواب آخر: أنا لو رددنا استثناء الدرهمين إلى الجمع لكان استثناء درهمين من أربعة، ودرهمين من عشرة فيكون استثناء أربعة وهو إنما استثنى درهمين.
جواب آخر: أن الاستثناء الأول لم يصر مع ما تقدمه كجملة واحدة بحرف عطف، فيرجع الاستثناء الثاني إليهما بخلاف قوله: (أكرم بني تميم، وربيعة، إلا الطوال).
فإن قيل: (فلم) رددتموه إلى الجملة التي تليه دون الجملة الأولى.
قلنا: لأنا لو رددنا قوله إلا درهمين إلى العشرة، وقد رددنا الأربعة إلى العشرة لجعلنا المتكلم قد أراد استثناء ستة من العشرة، ولو
[ ٢ / ٩٨ ]
أراد (ذلك) لقال إلا ستة أو كان يقول: إلا أربعة وإلا درهمين فيعطف بواو العطف، فلما عدل عن ذلك دل على أنه أراد عوده إلى الجملة الثانية.
٦٠٩ - احتج بأن الجملة الثانية فاصلة بين الاستثناء والجملة الأولى، فلم يرجع الاستثناء إليها كما لو (فصل) بينهما بقطع الكلام وإطالة السكوت.
الجواب: أنا لا نسلم أنه فصل لأنا قد بينا أنه لما عطف بالواو صارت (الجمل) كالجملة الواحدة.
جواب آخر: أن الفصل بالسكوت (وقطع) الكلام لو كان بين الاستثناء وبين جملة واحدة لم يرجع الاستثناء إليها بخلاف الاستثناء مع اتصال الكلام، فإنه لو كان عقب جملة واحدة رجع إليها. ولأنه لو فصل بين الجملة والشرط بالسكوت لم يرجع، ولو فصل بين الجملة الأولى والشرط بجملة ثانية رجع الشرط إلى الجملتين كذلك الاستثناء.
٦١٠ - احتج من ذهب إلى الوقف: بأنه يجوز أن يكون عائدًا إلى البعض، ويجوز أن يكون عائدًا إلى الكل فوجب الوقف (فيه).
[ ٢ / ٩٩ ]
الجواب: أن عوده إلى الكل هو الظاهر، وقد دللنا عليه، ثم القول بالوقف عدول عن العلم، لأن أهل اللغة (منهم) من جعل الجملتين كالجملة الواحدة ورد الاستثناء إلى الجميع، ومنهم من قال الاستثناء يرجع إلى ما يستقل به وهو ما يليه ولم يقل أحد بالوقف (أصلًا)، فهو (إحداث) قول ثالث خارج عن قول الجميع.
[ ٢ / ١٠٠ ]