١٧٤ - مسألة: إذا قام دليل يمنع من حمل الأمر على الوجوب فإنه حقيقة في المندوب، نص عليه أحمد فقال: "إذا أمَّن القارئ فأمِّنوا، (فإنه) أمر من النبي ﷺ".
وقال الكرخي والرازي من أصحاب أبي حنيفة لا يكون المندوب أمرًا بحال.
[ ١ / ١٧٤ ]
(وعن أصحاب الشافعي كالقولين).
وفائدة هذه المسألة: (أنه) إذا قام الدليل بأن أمرًا ما (لم يرد به الوجوب جاز) (أن) ٢٣ ب/ يحتج بذلك الأمر في الاستحباب عندنا، وعند مخالفينا لا يجوز الاحتجاج بظاهره في الاستحباب، وقولنا هو قول الفقهاء.
٢٠٨ - «لنا أن» أقل (أحوال) الأمر
[ ١ / ١٧٥ ]
الاستحباب إذا قال السيد لعبده "افعل" يقتضي إيجاد الفعل إما وجوبًا أو استحبابًا، فإذا قام دليل أنه لم يرد به الوجوب يبقى ما يبقى يقتضي إيجاد الفعل. فكان حقيقة في الندب، كالعموم إذا دخله التخصيص، ما يبقى ويكون حقيقة فيما بقي.
٢٠٩ - لنا أن المندوب طاعة فكان مأمورًا بها كالواجب.
فإن قيل: الواجب لم يصر مأمورًا به لكونه طاعة، وإنما صار مأمورًا به لأنه يثاب على فعل، ويعصى بتركه، وهذا معدوم في الندب.
قيل: «إنما كان» الواجب مأمورًا لأنه استدعى الفعل بالقول على وجه الاستعلاء وهو موجود في المندوب، وقد دللنا على هذا الأصل فيما تقدم بما فيه كفاية.
ثم إن هذا خطأ لأنا نعلم أن صيغة الأمر لو وردت - لم يقتض عليها الثواب، وعلى مخالفتها العقاب- لعقلنا أنها أمر، ولأنها تقتضي إيجاد الفعل. ولأنه إذا كان الواجب ما يثاب على فعله وما يعاقب على تركه فالندب هو ما يثاب على فعله، فصيغة الأمر قد تضمنته لأنه شطر ما يقتضيه وكانت حقيقة فيه كما نقول في العموم المخصوص يحمل على بعض ما يقتضيه ويكون حقيقة في ذلك.
فإن قيل: بل إنما تطلق الحقيقة على البعض إذا لم يكن تنافيًا كالعموم، فإنه لا تنافي بين أبعاضه وكله، وأما المستحب والواجب فإن بينهما تنافيًا من جواز الترك، فلا يكون أحدهما داخلًا في حقيقة الآخر.
[ ١ / ١٧٦ ]
قيل: لا فرق بينهما، فإن قوله "اقتل كل من في الدار" يقتضي استغراقهم، فإذا خصص واحدًا تناقض من حيث سقط الاستغراق وحرم فعله.
٢١٠ - احتجوا بقول النبي ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك".
فلو كان المستحب مأمورًا به لكان السواك مأمورًا به، وقد أخبر أنه لم يأمر به، ولهذا امتنع لأجل المشقة، والمشقة لا تلحق إلا فيما يجب فعله.
وقوله لأمرتهم أمر إيجاب.
٢١١ - ولو راجعتيه، فإنه أبو ولدك، فقالت: أبأمرك يا رسول الله؟ فقال: "لا إنما أنا شافع" ومعلوم أن إجابة النبي ﷺ فيما شفع فيه مستحب وقد بيّن أنه لم يأمر.
والجواب: أن المراد بهذا أمر إيجاب وإلزام أن تبقى معه وكانت مبغضة له.
٢١٢ - احتجوا بأن أسماء الحقائق لا يجوز نفيها عن مسمياتها، وقد علمنا أنه يحسن أن ينفي عن الندب اسم الأمر وهذا «كما» لو قال القائل أنا غير مأمور بصلاة النافلة.
[ ١ / ١٧٧ ]
«الجواب»: أنّا لا نسلم أنه يحسن نفيه على الإطلاق وإنما يحسن نفيه مقيدًا، وهو أن يقول أنا غير مأمور بذلك على وجه الإيجاب والإلزام.
فإن قيل: فيجب أن يقال لمن ترك السنن خالف أمر الله وعصاه.
قيل: نحن نقول خالف أمر الله المستحب وسنته المندوب إليها. قال أحمد ﵀ فيمن ترك الوتر "هو رجل سوء" فذمه مع قوله إن الوتر سنة، ولا يقول قد عصى على الإطلاق لأنه يلتبس ذلك بالواجب.
٢١٣ - واحتجوا بأن صيغة الأمر تقتضي الوجوب عندنا وعندكم ومتى «قلنا» إنها حقيقة في الندب خرجت عن أن تكون مقتضية الوجوب.
والجواب: إنه غير ممتنع أن تقتضي الوجوب وتستعمل في الندب حقيقة، كصيغة العموم تقتضي الاستغراق وتستعمل فيما ليست للاستغراق حقيقة أيضًا. فصيغة النهي تستعمل في التحريم وتستعمل في التنزيه حقيقة، كذا في مسألتنا مثله.
فإن قيل: فيجب أن تجروا في المندوب جميع أحوال الأمر من كونه على الفور ويقتضي التكرار ٢٤ أ/.
قيل: كذا نقول.
[ ١ / ١٧٨ ]