فهم التعجيل منه واستحق الذم (إذا) لم يعجل، والله أعلم بالصواب.
٢٨٣ - مسألة: إذا قلنا صيغة الأمر تقتضي الوجوب فورود الأمر بعبادة معلقة بوقت أوسع من فعل العبادة كالصلاة، فإن (وجوبها) يتعلق بجميع الوقت فيكون أول الوقت ووسطه وآخره وقتًا للوجوب، ويكون فعلها في أوله ووسطه وآخره سواء في سقوط الفرض وحصول المصلحة وبه قال الشافعي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأبو علي، وأبو هاشم.
واختلفوا فقال بعضهم يجوز التأخير إلى آخره من غير بدل يكون في أوله ووسطه، وقال بعضهم لابد من بدل، فقال أبو علي، وأبو هاشم: البدل هو العزم على فعلها في المستقبل وإليه ذهب
[ ١ / ٢٤٠ ]
شيخنا أبو يعلى، وقال بعضهم لها بدل يفعله الله تعالى، وحكى عن بعضهم أن الوجوب يتعلق بأول الوقت.
وقال (أكثر) أصحاب أبي حنيفة إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت، واختلف هؤلاء فيما يفعله في أول الوقت، فقال بعضهم: هو نفل (يتأدى) به الفرض، وقال الكرخي: يكون مراعي فإن أدرك آخر الوقت وهو من أهل التكليف كان ما فعله (عن) فرضه، وإن أدركه وليس من أهل التكليف (كان ما) فعله نفلًا وحكى عنه أنه قال: يتعلق الوجوب بوقت غير معين ويتعين بالفعل.
[ ١ / ٢٤١ ]
فالكلام يقع في فصول: منها الكلام على من خص الوجوب بأول الوقت، ومنها الكلام على من خصه بآخره، ومنها كلام على من جعله مراعي وعينه بالفعل.
٢٨٤ - والدليل على أنه لا يختص بأول الوقت أنه لو اختص بأوله لكان ما بعده قضاء، والأمة مجمعة على أنه إذا فعل الصلاة (في) وسط الوقت أو (في) آخره لم تكن قضاء، ولم يفعلها بنية القضاء، ثم لو كان كذا لم يكن (لضرب) الوقت فائدة لأنه يستوي ما بعده وما فعله فيه في نية القضاء.
٢٨٥ - دليل آخر: أن الوجوب مستفاد من الأمر، والأمر متعلق بأوله وآخره ووسطه فوجب أن يفيد الوجوب في الكل ويتضيق بآخره لأنه جعل غاية وقت الوجوب.
٢٨٦ - دليل آخر: يقال (له) أتزعم أن تأخير الصلاة عن أول الوقت لا يجوز كما لا يجوز تأخيرها عن آخره ويستحق الذم على ذلك كما يستحقه على تأخيره (عن آخره) فإن قال: نعم رد قوله الإجماع، (وإن قال: لا، قيل له: قد نقضت قولك باختصاص الوجوب بأوله).
[ ١ / ٢٤٢ ]
فإن قيل: إنما ينتقض قولنا بالاختصاص لو جوزنا التأخير لغير عذر (فأما ونحن) نجوزه لعذر وهو أن الناس تلحقهم مشقة شديدة بمراعاة أول الوقت وهو وقت معايشهم وأشغالهم (لأنهم ينقطعون عنها).
قيل: فيجوز تأخيره عن آخر الوقت لهذا العذر أيضًا كما جوزت في حال الجمع للمشقة، ثم يلزم: المغرب لم يجز تأخيرها عن (أول) الوقت، وإن كان في مراعاة ذلك وفعله مشقة لأنه وقت اشتغال الناس أيضًا/٣٢ أ (كما ذكرت).
٢٨٧ - دليل آخر: أنه يجوز فعلها في آخر الوقت بحكم الأمر فدل على أنه وقت للوجوب كأوله ولا يلزم الزكاة قبل الحول فإنه يجوز فعلها بحكم الرخصة لا بحكم الأمر المقتضى لوجوبها.
فإن قيل: فها هنا (يجوز بحكم) الرخصة أيضًا.
قيل: هذا غلط لأن جوازها فيه بحكم الأمر المقتضى للوجوب وهو قوله تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وبخبر جبريل.
[ ١ / ٢٤٣ ]
فإن قيل: فدلوك الشمس أول وقتها فدل على أن الوجوب يتعلق بأوله.
قلنا: يتعلق بأوله ووسطه وآخره لقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (كل) الوقت.
٢٨٨ - فصل ثان: والدليل على أنه لا يختص بآخره أن الصلاة في أول الوقت كهي في آخره ووسطه في سقوط الفرض وحصول المصلحة المقتضية للوجوب.
فإن سلم بطل قوله إنها تختص بآخر الوقت، وإن منع من ذلك قيل (له إن) لم يكن فعلها في أوله قائمًا مقام فعلها في آخره فيلزمه فعلها في آخره، وهذا قول يرده الإجماع، وأما أن تكون المصلحة قد فاتت فيجب أن تكون الصلاة في أول الوقت مفسدة (لأن المكلف إذا كانت مصلحته في آخر الوقت، فإذا صلى في أوله فوت تلك المصلحة وتفويت المصلحة مفسدة) وفي ذلك قبحها، والإجماع منع من قبحها، بل الإجماع أن بعض الصلوات في أو لوقتها، أفضل وهي المغرب وإذا بطل هذا ثبت ما قلنا.
فإن قيل: أليس تقديم الزكاة على الحول يسقط الفرض في آخره وليس ذلك بمفسدة.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قلنا: إنما يسقط الفرض لأنه يقوم مقامه في المصلحة، ولهذا لم يقل أحد من (الأمة بأنها) نافلة وتطوع مع كونها مسقطة للفرض بخلاف الصلاة.
فإن قيل: إذا قامت مقام الزكاة بعد الحول في المصلحة فما معنى قوله: تعليق الوجوب بحؤول الحول.
قيل: الفائدة في ذلك أن يكون للإمام إلزام رب المال الزكاة بعد الحول، ولا يكون له إلزامه قبل لأن الوجوب موسع عليه ويدل عليه أن الوجوب مستفاد من الأمر، (والأمر) يتناول أول الوقت وآخره وما بينهما، فشمل الوجوب جميع ذلك.
فإن قيل: لا يمتنع أن يتناول الأمر الجميع ويختلف الحكم فيه، ألا ترى أن الأمر قد تناول الجميع ثم يجوز التأخير عن الأول والأوسط ولا يجوز عن الأخير.
قلنا: تناول الأمر للجميع يقتضي التوسعة في الإيجاب لأن مقتضى الأمر الوجوب، فأما التقديم والتأخير فمن صفات الوجوب، وقد تختلف صفات الوجوب ولا يختلف الوجوب، ثم التأخير عن الأول ليس يخرج عن الوقت والتأخر عن الأخير يخرج عن الوقت المحدود بالشرع، فلهذا لم يجز التأخير عنه.
[ ١ / ٢٤٥ ]
٢٨٩ - فصل: والدلالة على أنه لا يكون نفلًا في أول الوقت بأنها لو كانت الصلاة في أول الوقت نافلة لصحت بنية النفل لمطابقتها لما عليه الصلاة في نفسها.
فإن قيل: يجوز إيقاعها بنية كونها ظهرًا نفلًا.
قيل: كونها ظهرًا نفلًا تناقض، فإن الظهر لا تكون نفلًا، وهم يمنعون هذا ويناقضون بالزكاة قبل الحول فإنها نافلة ولا يجوز إيقاعها بنية النفل.
(الجواب): أن أحدًا لم يقل تعجيل الزكاة نافلة.
٢٩٠ - دليل آخر: لو كان فعلها في /٣٢ ب أول الأوقات نفلًا، لكان فاعلها في أول الوقت لم يؤد الفرض قط ولا قام بالواجب منها، ولهم أن يقولوا: هذا يوهم أن الصلاة وجبت (عليه) فلم يقم بها وليس الأمر كذلك، ولهذا من قدم زكاته قبل الحول لا يقال ما قام بواجب الزكاة قط.
ونجيب بأن الزكاة بد وجود النصاب واجبة، وإنما وسع الشرع وقت وجوبها فصارت كالدين المؤجل.
٢٩١ - دليل آخر: أن تقديم المغرب أفضل من تأخيرها بالإجماع، ولا يجوز أن يكون النفل أفضل من الواجب، ولهم أن يقولوا: يجوز (أن يكون) إذا كان مسقطًا للفرض كتعجيل الزكاة مع شدة حاجة الفقراء أفضل من تأخيرها.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ونجيب عنه بأن الزكاة ليست نافلة بل هي فريضة في ذلك الوقت، (ولأنه) يراعي في أول الوقت أذان وإقامة وعدد مخصوص وليس هذا حال النوافل.
فإن قيل: هذا حال النوافل التي تسقط الفريضة.
قيل: نحن لا نعرف نوافل تسقط فرضًا فمن زعم ذلك (فعليه البيان).
٢٩٢ - احتج الخصم بأنها لو كانت واجبة في أول الوقت لم يجز تأخيرها عنه إلا إلى بدل فيه، وقد جاز تأخيرها عنه (بغير) بدل فثبت أنها فيه نافلة.
الجواب: أن على قول شيخنا لا يجوز التأخير إلا ببدل هو العزم على فعلها في آخر الوقت، فلا يلزم الدليل ثم يبطل بقضاء رمضان، والكفارة يجوز تأخيرها لا إلى بدل وهما واجبان، ثم المراد بقولنا إنها واجبة، في أول الوقت أنه إذا فعلها قامت مقام غيرها من الواجبات (على) وجه الوجوب، وليس يلزم على هذا جواز تأخيرها لا إلى بدل، لأن الصلاة إذا كانت في الوقت الأخير تسد مسد وقوعها في الوقت الأول في الفرض والمصلحة لم يجز أن يلزم في الوقت الأول (إتيان) ببدل لأنه قد تركها إلا ما يجري مجراها فأي
[ ١ / ٢٤٧ ]
فائدة في إلزام البدل، ولأن جواز التأخير يدل على نفي الوجوب (إذا قلنا: إنه يجزيء التأخير عن جميع الوقت كالنفل الذي ذكروه، فأما إذا جوزنا عن أول الوقت إلى ثانيه لم يدل على نفي الوجوب).
٢٩٣ - احتج بأنها لو وجبت في أول الوقت لأثم بتأخيهرا كما لو أخر الصوم والحج والزكاة.
قلنا: يلزم (عليه) قضاء رمضان والكفارة والدين لا يأثم بالتأخير وهو واجب (وأما تلك العبادات) فوقت وجوبها مضيق بخلاف الصلاة فإن وقت وجوبها موسع عن فعلها، ثم هذا لا يصح (فإنه إذا) بقى من الوقت مقدار فعل الصلاة يأثم بتأخيرها (عنه) وليس بوقت للوجوب عندهم أيضًا فدل على أن الإثم بالتأخير ليس بعلامة على الوجوب.
٢٩٤ - فصل: (ويدل على أنها لا تتعين) بالفعل فنقول: إن أريد بقوله يتعين وقت الوجوب بإيقاع الفعل فيه. أنه إذا فعل يجب أن يفعل ثانيًا وجوبًا معينًا مضيقًا فباطل، لأن فعل المفعول غير ممكن فإيجابه قبيح، وفعله ثانيًا لا يجب بالإجماع، وإن أريد (به) (أنه) يلزم بالشروع فيه إتمامه فهذه حالة النافلة عند
[ ١ / ٢٤٨ ]
أصحاب أبي حنيفة، قد تكلمنا على من قال الفعل نافلة في أول الوقت.
وإن أريد أنه إذا فعل الفعل (للوقت) علمنا أنه قد تعين سقوط الفرض به وأنه لا فرض بعده في ذلك الوقت، فذلك صحيح، وقد كنا نحكم قبل الفعل بأنه إذا وجد الفعل فهذه سبيله ولا معنى/٣٣ ألإيجاب الوقت بالفعل.
٢٩٥ - فصل: ويدل على أنه لا يقع مراعي، فإن جاء آخر الوقت وهو من (المكلفين). علمنا أن ما فعله واجب لأنه إن أريد بذلك أنه تبين لنا أنه (كان قد ألزمه) الفعل في أول الوقت ومنع من تأخيره عنه، فذلك يؤدي إلى أنه قد حظر عليه تأخير الصلاة عن أول الوقت، لكن لم يعرف أنه قد منع من التأخير وذلك تكليف ما لا يطاق، وعندهم لا يجوز لأن الإجماع يرد ذلك، فإنه يجوز التأخير عن أول الوقت، وإن أريد (بذلك) أنه تبين لنا أن ذلك الفعل قد أسقط عن المكلف أن يفعل مثله في آخر الوقت وأنه قائم مقامه في المصلحة فصحيح وزال الخلاف.
٢٩٦ - فصل: ويدل على أن العزم ليس ببدل عن الصلاة في أول الوقت: أنه) لا يخلو إما أن يريد أن العزم قائم مقام الصلاة
[ ١ / ٢٤٩ ]
في أول الوقت وجار مجراها (من) كل وجه فيلزمه أن يكون العزم مسقطًا لفرض الصلاة كما أ، هـ لو صلى في أول الوقت أٍقط فرض الصلاة لأن البدل يسد مسد المبدل، أو يريد أن العزم يقوم مقامها من وجه دون وجه، فلا يصح، لأن البدل يجب أن يثبت على حد ثبوت المبدل، ومعلوم أن الأمر اقتضى وجوب الفعل من أول الوقت إلى آخره على أن يفعل المكلف الصلاة في وقت من هذه الأوقات، أي وقت كان منه هكذا ظاهر الأمر، فيجب أن يكون بدل ذلك فعله في وقت غير معين من هذه الأوقات ولا يتعين بالوقت الأول، كمال ايتعين المبدل، ويجب إذا فعل البدل في وقت من هذه الأوقات أن يسقط الفرض كالمبدل.
٢٩٧ - دليل آخر: لو لزم المكلف في أول الوقت أن يصلي أوي زعم لكان قد أخذ عليه أن يتحفظ من السهو ويجب أن نوقظه من نومه في هذا الوقت لأنه قد أخذ عليه في هذا الوقت فعل يمنع منه النوم كما يلزم أن نوقظه من نومه في آخر الوقت.
٢٩٨ - دليل آخر: أن الأمر اقتضى إيجاب الصلاة علينا في الأوقات كلها، ولا دليل يدل على إثبات البدل ولا يجوز إثبات ما لا دليل عليه.
٢٩٩ - احتج على إثبات العزم بأن الصلاة واجبة في أول
[ ١ / ٢٥٠ ]