الوقت فلو جاز تأخيرها عنه من غير بدل صارت نافلة فلم يكن بد من إثبات بدل وهو العزم.
الجواب: أن يقال إن أردتم بقولكم أنه حظر عليه تأخيرها عن (أول) الوقت لا نسلم ذلك بل الأول، والثاني والثالث في جواز فعلها فيها سواء ولأن حظر تأخيرها مع جواز تأخيرها متناقض فلم يصح ثبوته، وإذا لم يثبت حظر التأخير لم يحتج إلى بدل (نثبته).
فإن قيل: نريد بوجوبها في أول الوقت أنها على صفة المصلحة الحاصلة بفعلها في آخر الوقت.
قلنا لهم: ولم إذا أخرت إلى ما يساويها ويجري مجراها لا يجوز التأخير إلا ببدل (بل هذا بالدليل) على إسقاط البدل أولى.
٣٠٠ - مسألة: إذا ورد الأمر بعبادة مؤقتة ففات وقتها لم تسقط ووجب فعلها بحكم ذلك الأمر، اختاره شيخنا، وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين تسقط ولا يجب قضاؤها إلا بأمر
[ ١ / ٢٥١ ]
مستأنف وهو الأقوى عندي، وعن الشافعية/٣٣ ب كالمذهبين.
٣٠١ - والدليل لأصحابنا أن بالأمر ثبت وجوب العبادة في ذمة المكلف) وكل ما (ثبت في الذمة وثبت وجوبه في ذمة المكلف) لا يسقط عنه إلا بالأداء أو الإبراء أو النسخ، وبخروج الوقت لم يحصل الأداء ولا الإبراء فلم يسقط الوجوب.
فإن قيل: الوجوب إنما يثبت بشرط الوقت، فإذا خرج الوقت سقط الوجوب لأن شرطه (قد) زال.
قيل: الوجوب من مقتضى الأمر، والوقت ظرف (لإيقاع الفعل فيه) وبعدم الظرف لا يسقط الوجوب.
جواب آخر: أنه ﷾ قال: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (فعلق عليه الوجوب عند دلوك الشمس ورخص له في التأخير إلى غسق الليل) وبرخصة
[ ١ / ٢٥٢ ]
التأخير لا يسقط الوجوب الحاصل في أول الوقت عن ذمته (فبخروج الوقت مع المعصية لا يسقط الوجوب الحاصل في الوقت عن ذمته).
(جواب آخر: أن خروج الوقت لو جعل مسقطًا للوجوب لكان للمكلف أن يسقطه عن نفسه بترك فعلها حتى يخرج الوقت ألا ترى أن الفعل لما كان مسقطًا للوجوب كان للمكلف) أن يسقط الوجوب عن ذمته بإيجاد الفعل ولما لم يجز أن يقال (للمكلف أن) يسقط عن نفسه بالترك دل على أن الترك لا يسقط الوجوب.
جواب آخر: أنه قد ثبت الوجوب بشرط الوقت ولا يسقط بفوات الوقت، ألا ترى أنه لو قال لله عليّ أن أتصدق يوم الجمعة بعشرة دراهم فلم يتصدق يوم الجمعة لم يسقط عنه النظر، وكان من الواجب أن يسقطه لأن شرطه عدم.
٣٠٢ - دليل ثان: أن جنس الأوقات ليس بدليل على إسقاط الوجوب لأن الوجوب يبقى في الوقت الموسع وفيما لم يتعين له وقت مع عدم أوقات كثيرة فيجب أن يكون عدم الوقت المعين (غير مسقط) له أيضًا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
٣٠٣ - دليل ثالث: (أنه) لو وجب القضاء بعد الوقت بأمر مستأنف لم يسم قضاء كما لم يسم في الوقت (المعين) قضاء، فلما سمى قضاء علم أنه قضاء ما وجب عليه فتركه.
فإن قيل: هذا حجتنا لأنه لما تغيرت النية في القضاء (والأداء) كانا فرضين.
(قيل) إن تغير النية لا يخرج الفرض أن يكون واحدًا. ألا ترى أن الظهر المقصورة والمجموعة مع الظهر غير المقصورة والمجموعة تختلف نيتهما والفرض فيهما واحد، وإنما اختلفت لنية لتغير الأوقات المشروطة للفعل بأن الله تعالى أوجب العبادة من أول الوقت وجوز لنا تأخيرها إلى آخر الوقت ونهانا عن التأخير عن الوقت فكنا في وقت جواز التأخير نسمى مؤدين وبعده نسمى قاضين والفرض واحد، وعلى أنه لو كان بأمر (آخر) لكان فرضًا مبتدأ لا تعلق له بالأول.
٣٠٤ - دليل آخر: أن الوقت (شرط) من شرائط العبادة وفواته لا يوجب إسقاطها، (دليله) الطهارة والستارة والتوجه وغير ذلك.
[ ١ / ٢٥٤ ]
٣٠٥ - دليل آخر: أن الأمر (موضوع) يتضمن إيجاب الفعل واعتقاد وجوبه. ثم بخروج الوقت لا يسقط الاعتقاد، فكان لا يسقط وجوب الفعل.
٣٠٦ - دليل آخر: أن الأمر موضوع لإيجاب الفعل وإسقاط القضاء مسقط لإيجاب الفعل.
فإن قيل: هو موجب للفعل في وقت مخصوص (لا) في جميع الأوقات؟
قيل: (أقررت) بإيجابه في وقت فقد ثبت في الذمة فما الذي أسقطه ثم قد بينا فيما تقدم الجواب، ولأن الحق إذا وجب في وقت لم يسقط بفوات وقته كالدين المؤجل إذا مضى زمان الأجل، والنذر إذا عين بوقت وفات.
٣٠٧ - دليل آخر: أن الوقت ليس مقصودًا وإنما المقصود نفس العبادة بدليل أنها تثبت عبادة في غير وقت مخصوص/٣٤ أولا فائدة في وقت لا عبادة فيه فيجب أن يراعى امتثال الأمر في فعل العبادة لا في مراعاة الوقت.
٣٠٨ - دليل آخر: أن أوامر الشرع كلها إذا فاتت لزم
[ ١ / ٢٥٥ ]
قضاؤها ولا نعلم أن أمرًا ثانيًا ورد بقضائها، فوجب أن يكون القضاء بالأمر الأول.
فإن قيل: منها ما لا يقضي (وهو) الجمعة ورمى الجمار.
قيل: لا نسلم فإن الجمعة تقضي ظهرًا (ورمى الجمار يجب بتركه دم) بدل عنها.
٣٠٩ - احتج الخصم بقول الرسول ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأمر بفعلها بعد الوقت ولو كان يجب القضاء بالأمر الأول لم يحتج إلى أن يأمر ثانيًا.
الجواب: قد قال: "فليصلها" وهذا كناية عنها، علم أن المفعول بعد وقتها هي (ولهذا) قال "فذلك وقتها" ولأنه (قد) قصد رفع الإشكال لئلا يظن ظان أنها تسقط بخروج وقتها كما ظننتم ولهذا نص (النبي) ﷺ على المعذور لأن فيه
[ ١ / ٢٥٦ ]
(يقع) الإشكال (ويظن) ظان أنه (لو خرج الوقت بعذر سقطت) فأخبر ﷺ ببقاء فرضها وأن العذر لا يسقطها.
٣١٠ - واحتج بأن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر فلم يجب فيه الفعل كما قبل الوقت.
الجواب: إن أردت لم يتناوله بلفظه فصحيح، وهذا لا يمنع من إيجاب الفعل كالأمر المطلق لم يتناول بلفظه وقتًا بعينه ويجب الفعل، وإن أردت لم يتناوله بلفظه ولا بمعناه لم نسلم لأن حكم الأمر الوجوب وهو ثابت في ذمته لا يسقطه إلا بفعل المأمور به، (فإن) لم يفعله في الأول وجب أن يفعله في الثاني أو الثالث أو الرابع، وفارق هذا قبل الوقت فإنه لم يجب عليه فعل المأمور به بحال، وها هنا قد وجب في الوقت فمن ادعى إسقاطه بخروج الوقت فعليه الدليل.
٣١١ - احتج بأن تخصيصه بالوقت كتخصيصه بالمكان، ثم لو علق الأمر بمكان بعينه فتعذر ولم يفعله في مكان آخر، كذا إذا تعذر الوقت بالفوات، جوابه أنا نقول: لِمَ جعلت تخصيصه بالوقت كتخصيصه بالمكان، وما الجامع بينهما، ثم المكان لا يفوت فأمكن الفعل فيه فلا يعدل إلى غيره بخلاف الزمان فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره، فإن تعذر إيقاع الفعل بأن صار لجة بحرا وما أشبهه جاز الفعل في غيره.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وأجاب شيخنا بأن قال: فرق بين تعلق الأمر بزمان وبين تعلقه بمكان كما قلنا في حقوق الآدميين إذا تعلقت بزمان لم تسقط بفواته كما لو مضى وقت محل الدين، ولو تعلقت بمكان سقطت بفواته كما لو مات العبد الجاني سقطت الجناية بموته لأنه محلها، وكذلك الرهن إذا تلف سقط حق المرتهن من الوثيقة لتلف مكانها.
٣١٢ - احتج بأنه لو علق الأمر بشرط أو صفة لم يجب (مع عدمها)، كذلك إذا علقه بزمان.
الجواب: (أن هذا غلط لأنا نقول) ما العلة الجامعة بين الوقت وبين الشرط والصفة ثم (مع) عدم الشرط والصفة لا يجب الفعل لأنه إذا قال: "اضرب (زيدًا) الأشقر، وأعط من دخل الدار درهمًا، فلما لم يجد أشقر ولا دخولًا لم يجب، فنظيره في مسألتنا أن لا يوجد الوقت فلا يجب، فأما إذا وجد الوقت فقد ثبت الوجوب (في) الذمة فإذا عصى فيه بترك الفعل قلنا له افعله في الثاني لأن الله تعالى أمرك أن تفعل هذا الفعل فلا يسقط عنك إيجاب أمره إلا بفعله، فنظيره أن يجد الأشقر فلا يضربه حال وجوده، فإنه يجب عليه ضربه بعد ذلك وكذلك إذا دخل الدار ولم يعطه وجب أن يعطيه فيما بعد.
[ ١ / ٢٥٨ ]
٣١٣ - احتج بأن المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول فافتقرنا/٥٤ أإلى دليل كالأول.
قلنا: لا نسلم أنه غيره بل هو ذلك الفعل المأمور به أخره، وإنما يسمى غيره لو كان قد فعل المأمور به في الوقت الأول فكان إذا فعل مثله في الثاني كان غيره، فأما وهو لم يفعله فليس (ذلك) بغيره.
٣١٤ - احتج بأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات ولهذا وجبت الصلاة والصيام والحج في أوقات مخصوصة، وقد علمنا كون هذا الفعل (في الوقت) الأول مصلحة ولا نعلم كونه في الوقت الثاني مصلحة إلا بدليل.
الجواب عنه: أن هذا يصح لو كان الأمر يختص بما فيه مصلحة وعند أصحابنا (الأمر) غير موقوت على المصلحة بل يتضمنها ويتضمن غيرها.
جواب آخر: أنا نعلم كونه مصلحة (في الوقت) ونعلم أنه فيما بعده مصلحة إن (كان) تركه الوقت لعذر، وإن كان لغير عذر فهو مصلحة لإسقاط الوجوب (في الوقت) وإن
[ ١ / ٢٥٩ ]
تضمن معصية لتفويت الوقت المخصص بلفظ الأمر (وهذا) كما يؤمر بقضاء دينه عند محله فلو أخره عصى ولكان يجب قضاؤه فيما بعد لإبراء ذمته.
٣١٥ - احتج بأن النهي المؤقت يسقط بفوات الوقت فكذلك الأمر المؤقت.
قلنا: لا نسلم فإنا إذا نهينا عن شيء في وقت لقبحه لم يجز فعله في وقت آخر لقبحه. وإن سلمنا فلم كان كذا وما الجامع بينهما؟ ثم النهي لا يثبت في ذمته شيئًا والأمر يوجب في ذمته فعلًا فلا يسقط إلا بتأديته والله أعلم بالصواب.