اعتقاد عمومه والعمل به قبل أن يبحث فلا يجد ما يخصه، وقد أومأ إليه في رواية صالح وأبي الحارث.
وقال شيخنا وأبو بكر، يجب اعتقاد عمومه في الحال قبل البحث.
واختلف الحنفية فقال الجرجاني: من سمعه من الرسول ﷺ على طريق تعليم الحكم، فالجواب اعتقاد عمومه في الحال، وإن سمعه من غيره فكما قلنا أولا، وقال أبو سفيان: بالقول الثاني.
وعن الشافعية كالمذهبين.
[ ٢ / ٦٦ ]
٥٦٦ - وحجة الأول أن لفظ العموم (يقتضي) الاستغراق (بشرط تجرده عن قرينة تخصه ونحن لا نعلم عدم القرينة إلا أن نطلب فلا نجد).
فإن قيل: الأصل عدم القرينة.
قلنا: إلا أنه يجوز أن نتكون موجودة (فمتى) لم نعلم عدمها، لا نعلم تجرد لفظ العموم، فلا يجب حمله على الاستغراق.
فإن قيل: فهذا يجب أن يتوقف أبدًا لجواز وجود القرينة المخصصة.
قلنا: بل يجب أن نجتهد ونبحث في الأصول فإذا لم نجد "حكمنا" بعدم ذلك (ولم) نتوقف لنترقب ما عساه أن يوجد كما نقول في الحاكم إذا شهد عنده اثنان بحث عن عدالتهما، فإذا لم يجد ما يسقط العدالة وجب عليه الحكم ولا يترقب أن يجد قدحا فيما بعد، وكذلك المجتهد إذا أدى اجتهاده إلى شيء حكم به (أو) أفتى (به). ولا يترقب أن يختلف اجتهاده فيما بعد أو يجد ما يخالفه.
[ ٢ / ٦٧ ]
٥٦٧ - حجة الثاني: أن موجب الاستغراق وجود لفظ العموم (متجردا) وقد وجد، (فوجب) اعتقاده.
قلنا: لا نسلم ذلك بل الموجب للاستغراق وجود لفظ العموم متجردًا عن قرينة توجب التخصيص، وما يعلم ذلك إلا أن يبحث فلا يجد.
٥٦٨ - احتج بأن كل لفظ وضع لشيء متى وجد وجب اعتقاد ذلك الشيء كالأسماء والأمر والنهي وغير ذلك.
الجواب: أن جميع ذلك كمسألتنا لا يعتقد موجبه حتى نبحث عنه فلا نجد ما يصرفنا عن حقيقتها، وكذلك الأمر لا نحمله على الوجوب إلا إذا تجرد عن قرينة وكذلك النهي.
وإن سلمنا أسماء الحقائق فقط فالفرق أن أسماء الحقائق لا تستعمل في غيرها إلا مجازًا فلم يجز ترك الحقيقة بغير دليل، بخلاف لفظ العموم فإنه حقيقة في العموم ما لم نجد مخصصًا، ولا يقال إنما ما وجدنا إلا أن نطلبه، ولأن (لفظ) العموم حقيقة في الخصوص والاستغراق بخلاف قولنا حمار وأسد فإنهما حقيقة في البهيمة مجاز في الرجل فلم نترك الحقيقة لجواز أن يراد بذلك المجاز.
٥٦٩ - احتج بأن اللفظ عام في الأعيان والأزمان (ثم)
[ ٢ / ٦٨ ]
يجب حمله على عموم الأزمان وإن جاز أن يكون منسوخًا في بعض الأزمان. كذلك يجب حمله على عموم الأعيان وإن كان/٥٦ ب مخصصًا في بعضها.
الجواب: أنا ما يخص الزمان نسخ، والنسخ لا يرد إلا بعد ورود الصيغة (فلا) يجب التوقف لأجله، كما إذا عرف عدالة الشهود لم (يجز) أن يقف حتى يرد عليهم الفسق، بخلاف مسألتنا، فإن ما يخص الأعيان يرد معه وقبله فيجب أن نبحث فإن وجدناه خصصناه. (وإن لم نجده حكمنا بعدمه وحملنا اللفظ على شموله كالشهود) إذا لم نعلم حالهم استكشفناه.
٥٧٠ - احتج بأن ما ذهبتم إليه يفضي إلى الوقف الذي قاله الأشعري، لأن الأصول غير محصورة، ويجوز أن لا نجد اليوم ونجد بعد اليوم فيقف (النص) أبدًا.
الجواب: أنه لا يلزمه تكرار النظر بل ينظر فيما يبلغ إليه اجتهاده من الأصول فإن وجد المخصص وإلا اعتقد العموم كالحاكم في الحادثة، وفي حكمه بالشهود ينظر النص ويبحث عن العدالة قدر الاجتهاد، ولا يتوقف أبدًا ويقول: إذا لم أجد الآن فعسى أن أجد النص والقدح في الشهود فيما بعد.
[ ٢ / ٦٩ ]
وأما وقف الأشعري فلا يشبه هذا لأنه لا يحمل اللفظ على العموم إلا بدليل ولو طلب المخصص فلم يجده. ونحن نقول: إذا طلبنا فلم نجد المخصص، حملناه على الاستغراق.
٥٧١ - واحتج بأن السامع للخطاب لابد أن يعتقد، وإذا قلتم: لا يعتقد الخصوص فلا بد أن يعتقد العموم.
الجواب: أنه يعتقد عمومه إن تجرد عما يخصه فلا يقطع في حال السماع بالخصوص ولا بالعموم.
٥٧٢ - احتج الجرجاني بأنه إذا سمعه من الرسول على وجه بيان الحكم علمنا أنه يقتضي الشمول لأنه لو كان مخصصًا لبينه حال خطابه.
الجواب: أنه يجوز أن يبينه حال الخطاب، ويجوز أن يكله إلى اجتهاد المجتهد ويجوز أن (يؤخر) البيان وسندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٧٠ ]