٢١٤ - مسألة: إذا وردت صيغة الأمر بعد الحظر اقتضت الإباحة، وهو ظاهر قول الشافعي، وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: إنها تفيد ما كانت تفيد لو لم يتقدمها حظر من وجوب أو ندب.
٢١٥ - لنا أن الشرع لم يرد بأمر بعد الحظر إلا والمراد به الإباحة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
[ ١ / ١٧٩ ]
فأتُوهُنَّ﴾، وقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها"، فدلّ أن هذا مقتضاه.
فإن قيل: قد ورد أيضًا والمراد به الوجوب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
قيل: لا نسلم أن قتل المشركين استفيد بهذه الآية، وإنما استفيد بآيات أخر نحو قوله: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (وغير) ذلك من الآيات والأخبار.
فإن قيل: هذه المواضع حملت على الإباحة (بدليل).
قلنا: ما نعلم ها هنا دليلًا (إلا) وردوها بعد الحظر.
[ ١ / ١٨٠ ]
فإن قيل: ها هنا دليل وهو الإجماع.
قلنا: الإجماع (حادث) بعد النبي ﷺ، والإباحة مستفادة بهذه الألفاظ في وقته.
٢١٦ - وأيضًا فإن عرف الناس وعاداتهم أن السيد لو قال لعبده: لا تدخل دار فلان، ولا تكلم فلانًا، ولا تغسل ثوبك، ثم قال (له): افعل جميع ذلك، أو قال لرجل: ادخل بستاني، وكل ثماري، واركب دابتي، اقتضى جميع هذه الإباحة ورفع الحظر دون الإيجاب، فدل على ما ذكرناه.
فإن قيل: لا نسلم هذا ونقول (إن) ذلك يقتضي الإيجاب.
قلنا: هذا مكابرة في العادات، لأنه لو اقتضى ذلك الوجوب لحسن توبيخه وعقوبته على تركه، وأحد لا يرتكب هذا.
والذي يوضح هذا أن الإنسان إنما ينهى عما تميل إليه نفسه وتشتهيه، فإذا قيل له بعد ذلك افعل لم يكن إيجابًا، لأن الإيجاب هو تكليف ما ينافي الطباع ولا تميل إليه (الأنفس)، فثبت أنه إباحة.
فإن قيل: (فالعرف ينقسم) في هذا بدليل أنه لو قال لعبده لا تقتل زيدًا. ثم قال له اقتله، فإنه يقتضي الإيجاب.
[ ١ / ١٨١ ]
قلنا: قتل زيد محظور في الشرع، فنهيه للعبد عن قتله لم يفد شيئًا فمتى أمره (بقتله) حصل أمرًا متجردًا عن نهيه فأفاد الوجوب من جهته، فنظيره قولنا: أن يأذن صاحب الشرع الذي (حظر) قتل زيد (في قتله) فيفيد حينئذٍ ذلك الإذن الإباحة، أو يقول السيد لعبده لا تأكل هذا الطعام فيستأذنه في أكله فيقول له السيد كله، فإنه يفيد ذلك رفع الحظر لا غير.
٢١٧ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
والجواب عنه أنا نقول: أمره الوارد من غير أن يتقدمه حظر بدليلنا.
٢١٨ - احتج بأن قال: صيغة الأمر (قد) وردت متجردة فأفادت الوجوب، كما لو لم يتقدمها حظر.
الجواب: لا نسلم أنها متجردة، بل تقدم الحظر قرينة دالة على أن المتكلم استعمل هذه الصيغة في الإباحة، كما أن العجز دلالة على أن المتكلم لم يعن بالأمر العجز.
فإن قيل: القرينة تبين (ما) معنى اللفظ «وما
[ ١ / ١٨٢ ]
يماثله»، فأما ما يخالفه ويضاده فلا، ونحن نعلم أن الحظر ضد الأمر فلا يكون بيانًا له.
قلنا: (لا) يلزم في (القرينة) أن تكون مماثلة للمعنى، فإن الاستثناء مضاد للإثبات، ثم هو مبين له، وكذلك ٢٤ ب/ التخصيص في العموم يضاده لأنه إخراج ما استغرقه اللفظ، ثم لم نقل أن مجرد النهي هو القرية، وإنما انضمامه مع صيغة الأمر هو القرينة، وذلك غير مضاد للأمر ولا مخالف (له ولأن) القرينة هي بيان لما أريد باللفظ في عرف الشرع والعادة، وقد بينا أن هذه الصيغة بعد الحظر في الشرع والعادة تقتضي الإباحة فثبت ما قلنا.
٢١٩ - واحتج بأن النهي إذا ورد بعد الأمر اقتضى التحريم كما لو انفرد، (فكذلك) الأمر بعد النهي يجب أن يقتضي الإيجاب كما لو انفرد.
قلنا: لا نسلم ونقول إن النهي (إنما) إذا ورد بعد الأمر اقتضى الكراهة والتنزيه كالأمر سواء.
[ ١ / ١٨٣ ]
وإن سلمنا فالفرق بينهما أن النهي آكد لأنه يقتضي قبح المنهي عنه (لا غير وذلك محرم، والأمر استدعاء الفعل، وقد يستدعي ما يوجبه وما يستحبه وما يبيحه)، والذي يوضح (هذا) أنهم يقولون (إن) النهي يقتضي التكرار وترك النهي عنه على الفور، ولا يقولون في الأمر إنه يقتضي ذلك.
ثم لا يجوز اعتبار الأمر المنفرد بما ورد بعد حظر، لأن وروده بعد الحظر قرينة، كما لا يجوز ذلك في أسماء الحقائق فإنه لو قال (فلان بحر أو حمار) لم يفد ما أفاد مطلق قوله رأيت بحرًا أو حمارًا بدليل أن «الأول»، يحمل على صفات الرجل لأجل القرينة، والثاني (يحمل على) اجتماع المياه والبهيمة لأنه خلا عن قرينة.
فإن قالوا: يجب أن تكون جميع الأوامر عندكم على الإباحة لأن الأشياء في الأصل على قولكم (محظورة) فأي شيء ورد منها فإنما يرد بعد حظر.
قلنا: بل الأشياء في الأصل مباحة على أحد الوجهين.
[ ١ / ١٨٤ ]
فإذا ورد الأمر بعد الحظر ارتفع الحظر وعاد إلى الأصل وهو الإباحة.
(ولو سلمنا أنه على الحظر (فمتى وردت) صيغة الأمر على ما هو باق على حكم الأصل، فمقتضاه الإباحة وهو مسألة الخلاف).
فإن قيل: ورود صيغة الأمر تقتضي نسخ الحظر، وقد ينسخ الحظر بإيجاب وينسخ بإباحة، وليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر فتعارضا وبقي الأمر على مقتضاه في الإيجاب كما لو ورد الأمر بعد حظر عقلي.
(قلنا: الحظر لا ينسخ إلا بإباحة)، فأما الإيجاب فيتضمن إباحة بها ينسخ الحظر لا من حيث هو إيجاب فإذا وردت صيغة (افعل) على الحظر، فالظاهر أن مقتضاها نسخ الحظر، ونسخ الحظر لا يكون إلا بالإباحة كما قدمنا، فمقتضاها حينئذٍ إباحة الشيء المحظور، فالنهي لا ينتقل إلى الوجوب بمجرد ورود صيغة الأمر
[ ١ / ١٨٥ ]