فإن قيل: فالأمر لا يجوز بمجهول والبعض مجهول فحمل على العموم بخلاف الخبر فإنه يقع عن المجهول، قال الله ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ فجاز أن يستغرق لفظ العموم فيه.
قلنا: ولم كان كذلك على أن الأمر قد يرد بمجهول قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ ولم يبين ذلك. والله أعلم بالصواب.
٥٢٧ - مسألة: الألف واللام إذا دخلا على لفظ الجمع أفاد الاستغراق وإليه ذهب جماعة (من) الفقهاء وأبو علي الجبائي، وقال ابنه أبو هاشم: لا يفيد الاستغراق.
٥٢٨ - (الدليل على ما ذهبنا إليه أن ما ورد في القرآن يفيد الاستغراق كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾.
سؤال وهو أنهم قالوا: إنما حملناه على الاستغراق لتعليله بالبر والفجور.
[ ٢ / ٤٥ ]
قلنا: العرب لا تعرف التعليل، وإنما قالوا: (يقتضي جميعهم بمقتضى اللفظ وأنه للتعريف والتعريف للجنس يستغرق).
وأيضًا فإنهم أكدوا بكلهم وجميعهم، ولو كان قولهم: "الناس" لا يفيد الاستغراق، بل يعبر به عن البعض والكل حقيقة فيهما لكان قوله: "كلهم" و"جميعهم" بيانًا لأحد المحتملين لا تأكيدًا، وقد أجمعوا على أنه ليس ببيان بل (هو) تأكيد.
فإن قيل: من أين معكم أن الجميع اتفقوا على ذلك؟
قلنا: لأنه لو وصفه بعضهم بأنه بيان ومنع من وصفه بأنه تأكيد لنقل ذلك وعرف.
فإن قيل: إنما كان تأكيدًا لأن بقوله: "كلهم" علمنا أن قوله "الناس" أراد به الاستغراق، وأكدوا بكل وجميع.
قلنا: فإذا العلم حصل بلفظة "كلهم" فصار بيانًا لا تأكيدًا، ألا ترى أنهم إذا قالوا: الشفق ثم (قالوا): الأحمر، جعلوا الأحمر وصفًا وبيانًا، لا تأكيدًا، لأن لفظة "الشفق" مشترك بين البياض والحمرة، وكذلك القرء، إذا قال: هو الحيض، كان ذلك بيانًا لا تأكيدًا، فلما علمنا أن قولهم: رأيت الناس كلهم أن كلهم تأكيد بإجماعهم دل على أن الناس يستغرق كل إنسان.
٥٢٩ - دليل ثان: أنه تعين أن تستثني من قولك: رأيت
[ ٢ / ٤٦ ]
الناس، أي إنسان أشرت إليه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه على ما بينا فيما قبل، فدل على أن قوله: رأيت الناس، يستغرق كل إنسان.
٥٣٠ - دليل ثالث: أن قول القائل: رأيت ناسًا، يقتضي رؤيته بعض الجنس، دون استغراقه، فلابد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة لا (يفيدها عدمه)، ولا فائدة لدخولهما إلا حصول الاستغراق.
٥٣١ - أن لام التعريف إذا كان للعهد عمّ، فكذلك إذا كان للجنس، بيانه أنه إذا كان مع إنسان في ذكر رجال ثم قال: جاءني الرجال، عقل منه جميع من (جرى) ذكره، إذ ليس بعضهم (بأن ينصرف الاسم إليه أولى من بعض، وكذلك لام التعريف إذا كان للجنس يفيد استغراق الجنس إذ ليس بعضهم) بانصراف الاسم إليه أولى من (الباقين).
٥٣٢ - احتجوا بأن الألف واللام لو أفادا الاستغراق. لكان حمله على العهد يكون مجازًا (لأنه قد أريد به بعض الجنس) وهذا لا يقوله أحد.
[ ٢ / ٤٧ ]
الجواب: أنه إذا تقدم العهد كان التعريف عائدًا إليه، لأنه أعرف من الجنس عند السامع، فإذا لم يتقدم العهد انصرف التعريف إلى الجنس جميعه لأن ليس بعضه بذلك أولى من بعض ثم في الحالين لا يكون ذلك مجازًا ويجري ذلك مجرى قوله: من عندك؟ في أنه استفهام عن (كل) عاقل عنده، وإن كانوا قلة فهو استفهام عنهم، وإن كانوا كثرة فهو استفهام عنهم ولا يكون مجازًا في القلة.
وإن قيل: لو حمل الاسم المعرف على العهد بقرينة هي تقدم العهد "لجعل" الاسم مجازًا لأنه اسم مخصوص.
يجاب ذلك على قول من جعل العموم المخصص مجازًا.
٥٣٣ - واحتجوا بأن قولنا: رجال يقتضي جمعًا من الرجال، غير مستغرق، واللام أفادت التعريف، فمن /٥٤ ب أين جاء الاستغراق؟
الجواب: أن إفادتها للتعريف يقتضي الاستغراق لأنها متى حملت على البعض نقض ذلك التعريف، لأن البعض الذي ليس (بمعين) مجهول ولأن قولنا: رجال يقتضي جمعًا فإذا دخل الألف واللام أفاد ذلك الجمع فكان دخولها كخروجها وهذا باطل.
[ ٢ / ٤٨ ]
٥٣٤ - احتجوا بأن الإنسان لو قال: جمع الأمير الصاغة لم يعقل منه استغراق صاغة الدنيا وإنما يعقل أنه جمع من هذا الجنس.
الجواب: أن المعقول منه (أنه جمع) صاغة بلده لعلمنا بتعذر جمع صاغة الدنيا.
جواب آخر: أنه يلزمهم أن يجوزوا جمع صاغة الدنيا لأن الاسم يحتمله، وجوابهم عن ذلك جوابنا عن الاستغراق.
٥٣٥ - احتجوا بأنه لو كان قولنا فلان يلبس الثياب يفيد الاستغراق لكان معناه: فلان يلبس كل الثياب، وكان يجب أن يكون قولنا (فلان) لا يلبس الثياب (يفيد) ما أفاده قولنا: فلان لا يلبس كل الثياب.
(الجواب عنه أنا نقول: هناك قرينة تدل على أنه لا يريد كل ثياب الدنيا لأنه لا يقدر على ذلك ولا يتصور فإن الخلق كلهم عليهم ثياب وهي من ثياب الدنيا، فلا يتأتى منه لبس ثيابهم، فحمل على البعض، ولهذا لو قال: ألبس الثياب كلها أو جميعها لم يحمل إلا على ذلك وهو البعض بخلاف قولنا: الناس كلهم وجميعهم والله أعلم).
[ ٢ / ٤٩ ]
٥٣٦ - فصل: فإن لم يدخل على أسماء الجمع الألف واللام "فقال" قائلون يحمل على أقل الجمع وبه قال ابن الجبائي، ولنا وجه (آخر) أنه يحمل على الاستغراق وبه قال أبو علي الجبائي وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٣٧ - فالدليل على أنه لا يفيد الاستغراق أن قولنا: رجال يفيد ثلاثة بدليل أنك ترتقي من التثنية إليه فتقول: رجلان، وثلاثة رجال، ولأنك تنعته بأي جمع شئت فتقول: رجال ثلاثة، وأربعة (رجال)، فإذا معنى الجمع قائم في الثلاثة فما زاد، فمن قيل له: اضرب رجالًا: فضرب ثلاثة رجال، كان قد فعل ما يوصف بأنه ضرب رجالًا فسقط عنه الأمر، كمن قيل له: ادخل الدار: ففعل ما يسمى دخولًا.
[ ٢ / ٥٠ ]
ولأن أهل اللغة يسمون ذلك نكرة، ولو كان مقتضاه الجنس كله لم يسم نكرة، ولأن الجنس كله معروف، ألا ترى أنه إذا دخل الألف واللام لم يسم نكرة، لأنه يستغرق الجنس كله، ولأنه يصح تأكيده بلفظة "ما" الدالة على القلة والبعض، فيقول: اقتل رجالًا ما، ولو اقتضى العموم لم يحسن تأكيده "بما" لأنه لا يقال: اقتل الرجال ما، ولأنه نكرة في إثبات فلم يقتضي العموم كالاسم المفرد مثل سارق وقاتل.
٥٣٨ - احتجوا بأن حمل اللفظة على الاستغراق حمل لها على جميع حقائقها فكان أولى من حملها على البعض.
الجواب: أنا لا نسلم أن حقيقتها الاستغراق.
فإن قيل: نريد بذلك أنها حقيقة في الجمع، والجمع يقع على الثلاثة وما زاد.
قلنا: إلا أن حقيقة الجمع توجد في الثلاثة، فلا تكون حقيقة في الاستغراق لأن الحقيقة واحدة ولأن الامتثال يقع بالثلاث وما زاد مشكوك فيه، ثم لم زعمت أنه يحمل على كل ما وجدت فيه حقيقة الجمع، وما أنكرت أن يحمل على أقل الجمع لأنه متحقق.
٥٣٩ - احتجوا بأنه لو حمل على البعض لكان مجهولًا لأنه لا يتميز البعض الذي يحمله عليه.
الجواب: أن حمله على الثلاثة (أمر) متميز وإن كانت الثلاثة غير متعينة.
[ ٢ / ٥١ ]
٥٤٠ - احتجوا بأنه لو أراد البعض لبينه.
(الجواب: أنا نقول: ولو أراد الكل لبينه أيضًا).
جواب آخر: أنه يحتاج إلى البيان لو لم يدل عليه مطلق اللفظ، فبين أن مطلق اللفظ (لا) يدل عليه وقد تمت لك المسألة.
٥٤١ - احتجوا بأنه يصح استثناء كل واحد من الجنس من هذا اللفظ فدل على أنه يقتضي الاستغراق.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك في الإستثناء من أسماء الجموع (المجردة) عن الألف واللام لا يصح فإذا قال: "كلم" رجالًا إلا رجلًا لم يصح، فإن قال: كلم رجالًا إلا زيدًا فمعناه كلم رجالًا ليس زيد منهم.
٥٤٢ - احتجوا بأنه لو قال: اضرب رجالًا، فضرب عشرة، لا يلام، فدل على أن (أقل) الجمع لا يقتصر عليه.
الجواب: أنه بضرب ثلاثة يسقط عنه حكم الأمر، فإن زاد كان ذلك جائزًا بحكم معنى الجمع في الزيادة، لا أنه يجب عليه، كمن قيل له: ادخل الدار، يكفيه دخول أولها (في الأمر)، فإن أمعن فيها لم يلم، لقيام معنى الدخول في ذلك، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٥٢ ]