بعده وإنما يقتضي الإباحة لا غير، ولا نسلم أن (العقل يحرم شيئًا أيضًا).
٢٢٠ - احتج بأن كل واحد من اللفظين قائم بنفسه، فلا يتعين مقتضى الثاني بالأول (ولا الأول بالثاني)، كما لو قال: حرمت (عليك كذا وكذا)، ثم قال: أوجبت ذلك عليك.
الجواب: أنا لا نسلم أن الثاني مستقل بنفسه لأنه مع ٢٥ أ/ وجود الأول يعتمد على الأول، بمعنى أنه يرفعه وينسخه لأن من شأن هذه اللفظة أعني لفظة "افعل" أن ينصرف مقتضاها بحسب القرينة لها، وقد تقدم القول بأن تقدم الحظر قرينة تدل على أن المراد بها الإباحة على ما بينا، فصار ذلك بمنزلة قول القائل: رأيت فلانًا، ثم يقول وجدته، مجراهما كلامان، ثم الثاني يتغير مقتضاه بالأول. فأما قوله: أوجبت (فهو صريح في إيجاب الفعل) (لا يحتمل تغييرًا بالقرينة) فلم يكن تقدم الحظر عليه مغيرًا لمقتضاه، والله أعلم بالصواب.
٢٢١ - مسألة: الأمر المطلق يقتضي التكرار على قول شيخنا، وبه قال بعض الشافعية وقال أكثر الفقهاء
[ ١ / ١٨٦ ]
والمتكلمين لا يقتضي إلا فعل مرة واحدة وهو الأقوى عندي.
٢٢٢ - والدليل عليه أن (السيد إذا قال) لعبده: ادخل الدار، واشتر (تمرًا). لم يعقل منه التكرار، ولو لامه على ترك التكرار لحسن من العقلاء ذمه، بل لو كرر العبد (ذلك) لحسن (لومه) فيقول: إني لم آمرك بتكرار (دخول الدار) ولا بتكرار الشراء فدل على ما (قلناه).
(قيل: إنما يقتضي التكرار لأجل العرف، فإن السيد إذا
[ ١ / ١٨٧ ]
قال: اشتر لي، اقتضى مرة واحدة بخلاف أمر الله تعالى، فإنا لا نعلم ما عنده فقلنا يقتضي التكرار.
قيل: العبد لا يعلم ما في قلب السيد، فإذا قال: افعل، اكتفينا بمرة واحدة إذا فعلها، لم يكن ذلك إلا أن الأمر لم يقتض التكرار، وقولكم لا يعلم ما عند الله «لا يصح فإنه» لو أراد التكرار «لكان» بلفظ العموم كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾).
٢٢٣ - دليل ثاني: قوله "صل" أمر (بما هو صلاة) (كما أن قوله صلى خبر عنه).
ثم يثبت أن قول القائل: "صلى فلان" لا يقتضي التكرار، (فكذلك) قوله صلّ.
٢٢٤ - دليل ثالث: قول القائل لغيره: ادخل الدار، معناه: كن داخلًا (وبدخلة واحدة) يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلًا، وكان الأمر عنه ساقطًا.
[ ١ / ١٨٨ ]
فإن قيل: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل أيضًا فهلا (يجب إلا مرة).
قلنا: بالدخلة الأولى يكون داخلًا على الكمال (لأن بها) يسمى داخلًا على الإطلاق فكمل بها فائدة الأمر، فأما الدخلة الثانية فتكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها، وإن وقع عليه اسم دخول فلا يدخل تحت الأمر إلا بلفظ تكرار أو عموم، كما أنه إذا قال (له): اضرب رجلًا، فإنه بضرب واحد يكون مستكملًا لفائدة الأمر، وإنما ضرب رجل آخر تكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يلزم بالأمر المطلق وإنما يلزم بلفظ عموم.
فإن قيل: يجوز (أن يكون) قوله "ادخل" أي افعل الدخول، فيعم جنس الدخول لأن (لام) الجنس تقتضي استغراق الجنس.
قلنا: قوله "ادخل" تصريف من دخل لا من الدخول لأنه ليس (فيه) الألف واللام: ألا ترى أن قوله: "زيد دخل" لا يكون معناه فعل الدخول فيفهم منه التكرار للدخول، بل يفهم منه دخول مرة واحدة، ولا نعلم ما زاد على ذلك إلا بدليل.
[ ١ / ١٨٩ ]
٢٢٥ - دليل رابع: أنه (لو) حلف ليفعلن كذا، فإنه يبر بفعل مرة واحدة، ولو كان مقتضاه التكرار لما (بر بفعل مرة) كما لو حلف ليفعلن كذا على الدوام.
٢٢٦ - دليل خامس: لو قال لوكيله طلق زوجتي لم يجز (له) أن يطلق أكثر من مرة (واحدة) فلو اقتضى (الأمر) التكرار ملك أن يطلق ثلاثًا (ولما اقتصر على الواحدة)، كما لو قال (طلقها) ما شئت.
فإن قيل: الأمر في اللغة يقتضي التكرار ٢٥ ب/ في اليمين والتوكيل، وإنما (تركنا) مقتضى اللغة بالشرع وليس يمتنع أن يكون (اللفظ) في اللغة يقتضي أمرًا، ثم يقرر الشرع (فيه) غير مقتضاه في اللغة، كما لو حلف لا يأكل الرؤوس فإنه يعم في اللغة كل رأس، وفي الشرع يحمل على رؤوس الغنم.
[ ١ / ١٩٠ ]
قلنا: الشرع لا يغير مقتضى اللغة، وإنما يقررها ويضيف إليها حكمًا زائدًا، ألا ترى أنه لو قال: افعل ذلك أبدًا، وطلق زوجتي ما أملكه لم يقطعه الشرع عن مقتضاه في اللغة «فلا يقطعه» عن التكرار، وأما مسألة الرؤوس فغير مسلمة ويحمل على مقتضاه في اللغة.
٢٢٧ - دليل سادس: لو اقتضى التكرار (لأفضى) إلى المناقضة (لأنه يأمر بشيئين مختلفين، فلا يمكنه مواصلة الثاني إلا بترك الأول، ولا مواصلة الأول إلا بترك الثاني.
ويجاب عنه بأنه يقتضي التكرار على الإمكان فلا يفضي إلى المناقضة).
٢٢٨ - دليل سابع: لو اقتضى التكرار لما حسن (فيه) الاستفهام (ولم يحسن تأكيده بمرة واحدة) (وتأكيده بالأبد).
[ ١ / ١٩١ ]
(ويجاب عنه بأنه لو لم يقتض التكرار لما حسن الاستفهام وكان يعقل منه مرة ولم يحسن تأكيده بمرة واحدة).
(ويجاب عن سؤالهم بأن يقال غير مسلم أن يحسن الاستفهام بل أمره يقتضي إيجاد الفعل، فإذا فعل مرة فقد امتثل المأمور به وأسقط عنه الخطاب).
٢٢٩ - احتج الخصم بما روي عن النبي ﷺ (أنه) قال (في شارب الخمر): "اضربوه"، فكرر الضرب.
قلنا: إنما كرروا بقرينة وهي شاهد الحال أنهم علموا أنه يقصد ردعه وزجره وذلك لا يحصل بمرة (واحدة)، وخلافنا في المتجرد عن القرائن، ألا ترى أنهم لم يضربوه أبدًا.
٢٣٠ - احتج بأن قال: "روي أن الأقرع بن حابس،
[ ١ / ١٩٢ ]
وقيل سراقة بن مالك بن جعشم قال للنبي ﷺ: "حجتنا هذه كل عام أم للأبد". فلو لم يقتض (الأمر) التكرار لم يكن للسؤال معنى.
قلنا: ليس في الخبر دليل على أنه اشتبه عليه ذلك.
جواب آخر: أنه مقابل بأنه لو اقتضى التكرار لم يكن لهذا السؤال معنى، فكل جواب لكم عن سؤاله (عن) التكرار (هو) جوابنا عن سؤاله عن المرة الواحدة، ثم لا يمتنع أن يكون سأل لأنه ظن أن الحج مقيس على الصلاة والصيام والزكاة (لا لأن الأمر مشتبه في اقتضائه) التكرار كما يقتضي المرة الواحدة.
٢٣١ - احتج بقول النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا".
[ ١ / ١٩٣ ]
قلنا: الدفعة الثانية ليست من (الأمر)، وإنما يتناول الأمر الدفعة الأولى (فيجب) أن تأتوا منها بالمستطاع، ولهذا فرق بينه وبين النهي، وعندكم أنه كالنهي في اقتضاء التكرار.
٢٣٢ - واحتج بأن قال: في الشرع أوامر كثيرة (على التكرار).
قلنا: ليس معكم أنه عقل التكرار من ظاهرها، ثم إن في الشرع ألفاظًا كثيرة صيغتها صيغة العموم، والمراد بها الخصوص، ولا يدل على أن مقتضاها وموضوعها الخصوص، ثم في تلك المواضع حملت لقرينة (وخلافنا) في الأمر المتجرد عن القرائن، على أن فيه الأمر بالحج والعمرة ولا يقتضي التكرار.
٢٣٣ - احتج بأن قال: الصحابة عقلوا التكرار من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ٢٦ أ/ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (ألا ترى أن النبي ﷺ) جمع عام الفتح بين صلوات (بوضوء واحد). فقال له عمر ﵁: أعمدًا فعلت هذا يا رسول الله؟ فقال: نعم.
[ ١ / ١٩٤ ]
قلنا: ليس معكم أن الصحابة عقلوا من الآية ذلك، ويحتمل أنهم رأوا النبي صلى الله عليه ويسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح خالف عليهم وجمع، ويحتمل أن يكون عمر حمل الآية على (أن) الأمر إذا علق على وجود شرطه تكرر بتكرار الشرط.
٢٣٤ - واحتج بأن قال: الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان، فاقتضى إيقاع الفعل في جميع الأزمان.
قلنا: لا نقول كذلك، بل الأمر عندنا يقتضي الفور فيختص إيقاع الفعل بأقرب الأوقات (إليه). فإن لم يفعله لم يلزمه الفعل إلا بدليل آخر، وأصحابنا يقولون: (إن) القضاء يجب بالأمر الأول، فيكون مقتضاه افعله في أول الأوقات، فإن فات فافعله في الثاني، فإن لم تفعله في الثاني فافعله في الثالث، فلا يكون الأمر عامًا في جميع الأزمان.
٢٣٥ - واحتج بأن قال: قول الرجل لعبده: أكرم فلانًا وأحسن عشرته، يقتضي الدوام والتكرار.
قلنا: المعقول من قوله أحسن عشرته أي لا (تسيء) عشرته، ولهذا يقال (لمن لا يسيء) عشرته، قد أحسن عشرته، فالنهي (استفيد منه التكرار).
[ ١ / ١٩٥ ]
وجواب آخر: (وهو) أن أمره بذلك يقتضي الإكرام والتعظيم، ومعلوم أنه لم يأمر بالإكرام إلا لعلة إما (لأنه يستحق) ذلك أو غيره، فمتى لم يعلم زوال العلة الموجبة لإكرامه وجب دوام إكرامه. فبهذه القرينة نعلم (وجوب دوام الإكرام) لا بمجرد الأمر، ولأن العشرة تفيد جملة من الأفعال لا فعلًا واحدًا، ألا ترى أن من رأيناه يعامل غيره بعمل واحد جميل لا يقال هو حسن العشرة، وإذا أفاد العشرة جملة من الأفعال وجب تكرار الأفعال لتصيب فائدة الأمر.
٢٣٦ - واحتج بأنه لو قال لعبده: احفظ فرسي، فحفظه ساعة وتركه (ساعة) (يستحق) العقوبة، ولو لم يقتض الدوام لما حسن عقوبته.
قلنا: معنى (الحفظ أن لا يضيع)، وإذا حفظه ساعة ثم تركه (ساعة صار) مضيعًا، فلم يحصل به ممتثلًا للأمر، بخلاف قوله: صلّ. لأن ذلك يقتضي تحصيل ما يسمى صلاة وذلك يحصل (بصلاة) واحدة فافترقا، يوضح هذا أنه لو حفظ ساعة ثم ترك
[ ١ / ١٩٦ ]
لم يحسن أن يسمى حافظًا، ولو صلى صلاة واحدة لحسن أن يسمى مصليًا، ولأن البر في اليمين على الحفظ لا يحصل إلا بالمداومة وهو إذا قال: والله لأحفظن مالك فحفظه وقتًا وتركه (ساعة لم يبر في يمينه) والبر في اليمين على الصلاة يحصل بمرة واحدة وهو إذا قال والله لأصلين وكذلك سائر الأفعال (يحصل البر بأدنى ما يتناوله) الاسم فافترقا.
٢٣٧ - واحتج بأن قوله: صلّ، يحتمل صلاة وأكثر على طريق الحقيقة، ألا ترى أنه يجوز أن يفسر بالجميع، فوجب أن يحمل اللفظ على الكل.
الجواب ٢٦ ب/ أنه يبطل بقوله صليت، فإنه يحتمل صلاة وأكثر، ويحسن تفسير قوله بذلك والإخبار عنه، ثم لا يحمل إطلاقه إلا على ما يتناوله الاسم.
٢٣٨ - واحتج بأن الأمر يقتضي وجوب الفعل ووجوب الاعتقاد، (والعزم) ثم الاعتقاد (والعزم) يجب استدامتها كذلك الفعل.
قلنا: (الاعتقاد لا تجب استدامته، فإنه لو اعتقد ثم غفل جاز، كالإيمان والعزم يجب مرة، فلو غفل بعد ذلك لم يضر.
[ ١ / ١٩٧ ]
وجواب آخر: وهو أن الاعتقاد لا يجب بالأمر، وإنما يستند إلى قيام الدلالة على صدق الرسول ﷺ، فإذا أخبر بالوجوب وجب اعتقاده).
فإذا عرف المكلف الأمر فلم يعتقد وجوبه صار مكذبًا له في خبره فيصير (كافرًا) بذلك، بخلاف (الفعل) فإنه يجب بالأمر، فإذا فعل ما يصح (أن يعلم الآمر أنه ممتثل كفاه)، مثل أن يقول صل فيصلي ركعتين فيحسن أن يقول: قد صليت.
جواب آخر: لا يمتنع أن يجب دوام الاعتقاد دون الفعل كما لو قال: صل مرة، فإن الاعتقاد يجب (استدامته ولا يجب) استدامة الفعل.
٢٣٩ - واحتج بأن الاحتياط يقتضي (تكرار المأمور به فلا) ضرر على المكلف فيه، وفي ترك التكرار ضرر لأنا لا نأمن أن يكون (الأمر أريد به) التكرار.
الجواب: أن المكلف إذا علم أن الأمر ليس على التكرار أمن الضرر بفقد التكرار، ومتى أهمل النظر في ذلك لم يأمن الضرر في
[ ١ / ١٩٨ ]
اعتقاد وجوب التكرار، وإيقاع التكرار بنية الوجوب (ولم يثبت عنده أن الله تعالى أوجب ذلك).
٢٤٠ - احتج بأن قال: لو أفاد الأمر فعله مرة لم يحسن استفهام الآمر، فيقال له أردت بأمرك فعل مرة أو أكثر لأن الأمر قد دل على المرة.
الجواب عنه: أنّا نقول: ولو أفاد (التكرار لما حسن أن يستفهم فيقول: افعل ذلك دائمًا أم افعله مرة، ولأنه إنما حسن طلبًا لتأكيد العلم أو الظن أو لأن) المأمور به عارضه شبهة يجوز (لأجلها) أن يراد به التكرار (فيسأل) ولأن اللفظ يحتمل أن يفسر به ولهذا حسن الاستفهام.
٢٤١ - واحتج بأنه لو لم يفد التكرار لما صح ورود النسخ والاستثناء عليه لأن ورود النسخ على المرة الواحدة (بداء وورود الاستثناء على المرة الواحدة) تناقض.
الجواب: أنه لا يجوز ورود (النسخ) على الأمر إلا إذا قام دليل أنه أريد به التكرار، وقد قيل ورود النسخ والاستثناء يدلان على
[ ١ / ١٩٩ ]
أنه (قد) أريد به التكرار (ولأنه إذا قال صل إلا يوم الاثنين فإنا قد علمنا بقرينة أنه أراد به على الدوام، وخلافنا في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار).
٢٤٢ - (واحتج بأن الأمر ضد النهي كالنقيض له)، ثم النهي يفيد (التكرار لأنه يفيد) الانتهاء عن الفعل أبدًا، (وكذلك الأمر يفيد إيقاع الأمر أبدًا). وربما قيل النهي (عن الفعل) أمر بالترك، كما أن الأمر أمر بالفعل، ثم النهي يفيد الاستدامة فكذلك الأمر (يفيد الاستدامة) (يوضح هذا) أن قوله كن فاعلًا (كقوله) لا تكن (تاركًا) وإنما زاد عليه لفظ النهي (وهو لا).
[ ١ / ٢٠٠ ]
(قلنا: نحن نتبع قول أبي بكر الباقلاني لأنه قال) النهي يفيد مرة (واحدة) كالأمر سواء. وليس بجيد (لأنه مخالف الإجماع) ويعترض عليه بما نذكره فيما بعد.
(وجواب آخر: وهو أن) هذا إثبات لغة بالقياس.
(فإن قيل: ليس كذلك لأنا) بينا أن النهي أمر في الحقيقة، لأنه أمر بالترك فليس ذلك بقياس.
(قلنا: هذا لا يصح لأن أهل اللغة قسموا الكلام أمرًا ونهيًا ولم يجعلوه شيئًا واحدًا).
[ ١ / ٢٠١ ]
جواب آخر: فرق بين النهي (والأمر)، لأن النهي نفي والأمر إثبات، ولو قال والله لا فعلت كذا حمل على الدوام، ولو قال والله لأفعلن كذا أجزأه مرة واحدة فافترقا، وكذلك لو أخبر فقال ما فعلت كذا اقتضى أنه ما فعله على الدوام، ولو قال قد فعلت كذا اقتضى (أنه) فعله مرة واحدة.
جواب آخر: أن النهي لو قيده بمرة فقال: لا تفعل كذا مرة اقتضى دوامه.
ولو قال: افعله (مرة) لم يقتض دوامه.
وجواب آخر: وهو أنه إذا كان النهي يقتضي (نقيض) الأمر، وجب أن يفيد (نقيض) فائدته، وهذا يوجد بمرة، لأنه إذا قال لا تفعل كذا (فكأنه قال) لا تفعل في شيء من الزمان، فإذا قال افعل اقتضى ٢٧ أ/ أن يفعل في زمان ما (يقتضي) عموم الزمان تخصيص بعضه، ألا ترى أن قوله: في الدار رجل نقيض قوله: لا رجل في الدار، لأن النفي ينفي جميع الرجال، والإثبات أثبت رجلًا واحدًا فكان نقيضه.
[ ١ / ٢٠٢ ]
(وجواب آخر وهو جيد وذاك أن) النهي يقتضي ترك الفعل أبدًا، حجتنا لأن النهي إذا أفاد الانتهاء على العموم (فكان نقيضه) من الإثبات يقتضي مرة واحدة كما أن قولنا: ليس في الدار رجل ينفي كل الرجال، فنقيضه قوله في الدار رجل، كذلك قوله لا تدخل الدار (يفيد) لا تدخلها أبدًا. فنقيض (ذلك) أن يدخلها (أبدًا) ولو مرة، لأنه بذلك يخرج عن أن يكون غير داخل إليها (أبدًا).
جواب آخر: الأمر بالضرب يفيد أن يكون المأمور صادقًا، وبمرة واحدة يحصل ذلك والنهي عن الضرب يفيد أن لا يكون (المأمور) ضاربًا، ولا يتم ذلك إلا مع التأييد.
(فأما قولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده فلا نسلم لأنه لو غفل عن الأضداد كلها في حال الأمر لا يجوز أن يقال إنه نهي مع غفلته ثم الأمر المطلق كالمقيد بفعلة واحدة، فالنهي الذي هو ضده يكون بحسبه كما لو صرح بالتقييد بخلاف النهي الصريح المطلق).
[ ١ / ٢٠٣ ]
٢٤٣ - فصل: فإن علق الأمر بشرط فمن قال مطلقه يقتضي التكرار فمعلقه أولى أن يقتضي التكرار. واختلف من قال مطلقه لا يقتضي التكرار في المعلق بشرط فقال أكثرهم: لا يقتضي التكرار (أيضًا)، وقال الباقون يقتضي التكرار.
٢٤٤ - (دليلنا أنه لو اقتضى التكرار لم يخل إما أن يقتضيه بنفس الأمر أو بالشرط، ولا يجوز أن يقتضيه بنفس الأمر لأنا قد بيّنا في المسألة الأولى أنه لا يقتضي التكرار).
ولا يجوز أن يقتضيه بالشرط لأنه لا يخلو إما أن يقتضيه بلفظه أو بمعناه، (فإن قيل: بهما جميعًا).
(قيل: قد بيّنا أن كل واحد لو انفرد لم يقتض التكرار، فإذا اجتمعنا من أين حدث التكرار)؟ ومعلوم أنه ليس في لفظ "إن
[ ١ / ٢٠٤ ]
وإذا" (ولا في معناهما) ما يدل على ذلك فمن ادعاه يجب أن يظهره.
٢٤٥ - دليل آخر: الخبر المعلق بشرط لا يقتضي تكرار المخبر عنه بتكرار الشرط، فكذلك الأمر المعلق بشرط، وقد بينا الجمع بينهما في المسألة الأولى.
وبيان ذلك: (أنه) لو قال الإنسان زيد يدخل الدار إن دخلها عمرو، فتكرر دخول عمرو، ودخلها زيد مرة (واحدة) فإنه يكون صادقًا.
٢٤٦ - (ودليل آخر وهو أن) المعقول في الشاهد من تعلق الأمر بالشرط فعل مرة وإن تكرر الشرط بدليل أن الإنسان (إذا) قال لعبده إن دخلت السوق فاشتر تمرًا، لم يعقل منه تكرار شراء التمر وإن تكرر دخوله السوق، وكذلك قول الرجل (لزوجته): إن دخلت الدار فأنت طالق، لا يتكرر وقوع الطلاق بتكرر دخولها، وكذلك قوله لوكيله طلق زوجتي إذا دخلت الدار لم (يملك) طلاقها كلما دخلت (الدار) وإنما
[ ١ / ٢٠٥ ]
يطلقها (مرة) واحدة، ولأن كل أمر اقتضى المرة الواحدة إذا كان مطلقًا اقتضاها، وإن كان معلقًا بشرط، أصله إذا قال صل صلاة، ولأن أهل اللغة فرقوا بين قوله: "افعل إذا طلعت الشمس". (وبين قوله "افعل كذا كلما طلعت الشمس")، ولهذا (لو) قال: "إذا طلعت الشمس فأعط زيدًا درهمًا لم يتكرر إعطاؤه بتكرر طلوعها ولو قال كلما طلعت (الشمس) فأعطه، تكرر الإعطاء بطلوعها فدل على (ما قلنا) ولأن تعليق الأمر بالشرط يقتضي تخصيصه إذا كان مطلقه في الأحوال كلها لا يقتضي التكرار، فالمخصوص ببعض الأحوال أولى (أن لا) يفيد التكرار (ولأن المأمور يستفاد) بالأمر، والشرط يفيد منع فعل المأمور به قبله أو بعده، فأما أن يفيد الشرط تكرار فلا.
٢٤٧ - واحتج بأنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر معلقة بشروط وصفات تتكرر بتكرر الصفات، منها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وقوله:
[ ١ / ٢٠٦ ]
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ/٢٧ ب فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾.
والجواب أن التكرار لم يعقل من ظاهر (هذه الآيات)، وإنما عقل بدليل آخر من الإجماع والقياس وغيره.
جواب آخر: إنما تكرر الحد بتكرر السرقة والزنا لأنهما علتان والعلة يتبعها حكمها كلما وجدت، ثم في المعلق بشرط مالا يقتضي التكرار وهو الحج (والعمرة).
(فإن الاستطاعة توجد ولا يجب الحج الثاني).
(وجواب آخر: وهو أن ليس في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ و﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ شرط وإنما ذكر السبب الموجب للحد، وأما ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ فلا يقتضي تكرار الوضوء بتكرار الصلاة.
٢٤٨ - احتج بأن تعليق الحكم بالشرط كتعليقه بالعلة إذ كل واحد (منهما) سبب فيه، ثم الحكم يتكرر ولا ينتفي بتكرر
[ ١ / ٢٠٧ ]
العلة، كذلك (يتكرر) بتكرر الشرط، بل الشرط (آكد) من العلة لأن الحكم ينتفي بانتفاء الشرط ولا ينتفي معلول العلة بانتفائها.
قلنا: العلة مفارقة للشرط، لأن العلة تقتضي الحكم وتدل عليه، والشرط ليس بدلالة عليه، ولا يقتضيه فلم يتكرر بتكرره، ألا ترى أن من طلق امرأته بشرط دخول الدار لم يكن (دخولها في المرة الثانية شرطًا) في الطلاق.
٢٤٩ - احتج بأن الأمر المعلق بالشرط لا اختصاص له بالشرط الأول دون أمثاله من الشروط، فلزم الفعل عندها كلها (لفقد الاختصاص وفي ذلك) تكرار المأمور به بتكرار الشرط.
قلنا: لا نسلم ونقول إن الأمر المعلق بالشرط الأول له من الاختصاص ما ليس لغيره وهو (أنه) يجب إيجاده على الفور عقيبه دون وجود الشرط الثاني، (ثم الأمر المطلق عندكم لا يختص بزمان دون زمان ولا يقتضي تكرره بتكرر الأزمنة كذلك المعلق به).
٢٥٠ - احتج بأنه لو لم يفد (الأمر) المعلق بالشرط
[ ١ / ٢٠٨ ]
التكرار، لما أفاد النهي المعلق بالشرط ذلك لأن النهي كالنقيض للأمر فاقتضى نقيض ما اقتضاه في الحال الذي اقتضاه.
(الجواب عنه أنا نقول: ليس يقتضي ما أثبته الأمر في جميع الأحوال كما ذكرنا في الأمر المطلق).
جواب آخر: أن نجعل الأمر المعلق بشرط يفيد إيقاع المأمور به مع الشرط الأول لأن (الأمر على) الفور عندنا، والنهي يقتضي المنع مع إيقاعه مع الشرط الأول (على) التأييد سواء تجدد شرط آخر أو لم يتجدد، ألا ترى أنه إذا قال: لا تعط زيدًا درهمًا إذا دخل الدار فإنه يفيد نفي العطية على الأبد، لأن من نهي غيره أن يعطي درهمًا عند الدخول فليس غرضه المنع من العطية عقيب الدخول وإنما غرضه استدامة نفي العطية إلا أن يبدو له في ذلك، وقد قيل (إن) النهي المقيد بشرط يفيد مرة واحدة كالأمر سواء، وفرقوا بينه وبين النهي المطلق بالعادة، ولأن الإنسان إذا قال لعبده: لا تخرج من بغداد إذا دخل زيد أفاد مرة واحدة، وإذا قال: لا تخرج من بغداد أفاد التكرار، وهذا ليس بشيء لأن المخالف يمنعه (ولا يوافق على العادة).
[ ١ / ٢٠٩ ]
٢٥١ - فصل: إذا كرر الأمر بشيء واحد مثل أن يقول: صل غدًا ركعتين صل غدًا ركعتين، أو أعط زيدًا درهمًا، أعط زيدًا درهمًا (فإنه) لا يقتضي تكرار المأمور به. وقال أصحاب أبي حنيفة يقتضي تكرار المأمور به وهو قول
[ ١ / ٢١٠ ]
الجبائي: وعن أصحاب الشافعي كالقولين:
٢٥٢ - لنا أن أوامر الله تعالى في القرآن قد تكررت ولم يفد الثاني غير (ما أفاد) الأول كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونحوه.
فإن قيل: إنما لم يفد التكرار لدليل.
قيل: بينوا لنا ما الدليل.
٢٥٣ - وأيضًا فإن الأمر الثاني يحتمل الاستئناف ويحتمل التأكيد فلا يوجب فعلًا ثانيًا (بالشك).
(فإن قيل: الاحتياط في إيجاب الفعل الثاني).
[ ١ / ٢١١ ]
(قيل: الأصل براءة الذمة ولأن من اعتقد إيجاب ما لم يجب عليه كاعتقاد ترك ما وجب عليه).
٢٥٤ - وأيضًا فإن السيد (إذا) قال لعبده/٢٨ أ "اسقني ماء، اسقني ماء" (أو) "اشتر لحمًا، اشتر لحمًا" لم (يفد) التكرار، كذلك إذا قال "صل ركعتين، صل ركعتين".
(فإن قيل: إنما لم يقتض التكرار لقرينة أنه يرويه الماء مرة واحدة).
(قلنا: ولعله لا يرويه. ثم يجب إذا قال اسقني ماء واسقني ماء أن لا يتكرر كما ذكرتم").
٢٥٥ - واحتج بأن الأمر يفيد الوجوب أو الندب، فيجب أن يفيده (وإن تقدم أمر آخر لأنه ليس تتغير صيغته) بتقدم أمر آخر.
[ ١ / ٢١٢ ]
قلنا: نقول يفيد وجوب الفعل وخلافنا هل يفيد وجوب (فعل آخر) أم لا؟ ليس في ظاهره أنه يفيد وجوب (فعل آخر) أم لا؟ ليس في ظاهره أنه يفيد (غير ما) أفاده الأول، ولأنه إذا لم يتقدمه أمر آخر فلا يحمل الثاني (على) التأكيد، فإذا تقدمه أمر آخر احتمل الثاني التأكيد، والأصل عدم وجوب الفعل الثاني فلم يجب بالشك.
٢٥٦ - واحتج بأن الظاهر من تغاير الألفاظ تغاير المعاني، كما لو كان الأمر الثاني بفعل من غير الجنس.
قيل: لا نسلم أن تغاير الألفاظ يفيد تغاير المعاني، وإن سلم فقد حملنا الثاني على فائدة وهي التأكيد، والمعنى في الأصل أنه يمكن اجتماعهما حالة واحدة مثل قوله: صل وصُم، أو يقول ذلك لا يحتمل التأكيد بخلاف مسألتنا.
٢٥٧ - واحتج بأن الغرض بالأمر هو استدعاء الفعل لأنه هو المطابق لصيغته، ولا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون (افعل) استدعاء للفعل الأول أو لغيره).
فإن فعل لاستدعاء الأول فقد حصل الغرض بالأول والثاني عبث فوجب حمله على فعل آخر.
[ ١ / ٢١٣ ]
والجواب: أن الغرض (بالتأكيد الحث) على الفعل واستدعائه، (والتأكيد)، (لغة العرب كقوله ﷿: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ وقال الشاعر:
فألقى قولها كذبًا ومينًا
جائع نائع، عطشان بطشان).
فإن قيل: ليس في ظاهره التأكيد، وإنما ظاهره الفعل كالأول. قلنا: لا نسلم (أن في) ظاهره الفعل كما ليس في ظاهره التأكيد.
[ ١ / ٢١٤ ]
فإن قيل: (بل) صيغته تقتضي الفعل.
قلنا: بل صيغته بعد الأول تقتضي التأكيد وهو فعل أيضًا، وليس الفعل ولا التأكيد في ظاهر اللفظ، وكل منا يدعيه في المعنى.
(فإن قيل: إذا وجب الفعل لأجل الثاني لم يكن ذلك الفعل الذي تناول الأمر لأنه لو تناوله الأمر لوجب لأجل الأول).
(قلنا: إذا ورد ثانيًا كان دليلًا على وجوب الأول وقد يجب الشيء بدليلين فأما إيجاد فعل آخر فكلا ولما).