سبحانه أنهم سيوجدون على صفة المكلفين وبه قال الأشعرية وبعض الشافعية، وحكى الجرجاني عن المعتزلة وأكثر أصحاب أبي حنيفة أنه لا يتناول المعدومين، وإنما يختص بالموجودين.
ثم اختلف من قال بالأول فقال بعضهم: الأمر للمعدوم أمر إعلام، وليس بأمر إلزام.
وقال بعضهم: هو أمر إلزام وهو الذي نذهب إليه، ومنهم من قال: يتناول الأمر المعدوم تبعًا.
[ ١ / ٣٥٢ ]
٤٤٣ - وفائدة هذه المسألة أنه إذا احتج الآن علينا بآية أو خبر لزمنا على الحد (الذي) كان يلزمنا لو كنا في عصر النبي موجودين، وعندهم لا يلزمنا ذلك إلا بدليل، إما أ، نقيس على ما كان في (عصر) النبي ﷺ لاشتراكهما في العلة (أو غيره).
٤٤٤ - وجه قولنا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ولا خلاف (في) أنه أريد بذلك جميع أمته فقد خاطبهم وهم معدومون.
٤٤٥ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ والمعدوم قد يبلغه إذا وجد، فدل على ما (قلنا).
٤٤٦ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فأمر باتباعه، ولا خلاف أنه أمرنا باتباعه، ولم نكن موجودين.
٤٤٧ - دليل آخر: قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فإن كان مبينًا للموجودين حسب فلم يبين لنا ونحن من الناس.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فإن قيل: في حال العدم لا نسمي ناسًا.
قلنا: إلا أنا إذا وجدنا نسمي ناسًا (فوجب أن يكون مبينًا لنا).
٤٤٨ - دليل آخر: ذكره شيخنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا أمر للأشياء قبل وجودها، (أن تكون) بالتكوين، وفي معنى ذلك ضعف.
٤٤٩ - دليل آخر: لا يخلو المنع من: (ذلك) أن يكون من جهة العقل أو من جهة السمع، فإن كان من جهة السمع فيجب أن ينقل إلينا، وإن كان من جهة العقل فيجب أن يتساوى في ذلك جميع العقلاء، ونحن نبين أن العقلاء كانوا يرجعون إلى الأوامر، لأن التابعين ومن بعدهم (إنما) كانوا يأخذون بظاهر أمر الله ﷿، وأمر رسول الله ﷺ من غير دليل (سوى) هذا، ولأن (من) عادة الناس أن يوصوا إلى من يحدث من أولادهم بالنظر في وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان في حال الوصاية معدومًا.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فإن قيل: هناك يتصرفون لا بالوصية/٤٦ أولكن لأن الوقف عليهم.
قلنا: لو لم يستحق التصرف بالوصية (لم يكن أولى به) من غيره، ولهذا يقول: إني أوصى إلى أن أعطيك كذا، وأصرف هذا في كذا، ولهذا لو قال: وصيت أن يكون هذا الحمل إذا وضع وبلغ أن يفعل كذا (وكذا دون بقية الورثة وإذا مات هو كان ولده الذي يولد له) يصنع كذا وكذا (فإنه) وولده أحق من الباقين، فدل على أ، هـ بالوصية استفاد ذلك.
٤٥٠ - دليل آخر: قد يؤمر الإنسان بالزكاة ولا مال له، بشرط أن يصير له مال، وكذلك يؤمر بالحج ولا قدرة له بشرط أن يقدر.
فإن قيل: هناك هو عاقل مكلف وههنا هو معدوم.
قلنا: إلا أن نأمر المعدومين بشرط الوجود، كما نأمر العاجز بشرط أن يقدر.
٤٥١ - ويدل على من قال: يتناول الأمر المعدوم تبعًا للموجود بأن (نقول): خطاب المعدوم متى استحال في حال انفراده، استحال مع (وجود غيره)، ألا ترى أن الجماد لما لم يصح خطابه منفردًا لم يصح بوجود حي معه.
[ ١ / ٣٥٥ ]
٤٥٢ - ويدل على من قال: هو أمر الإعلام (بأن نقول): إعلام المعدوم لا يصح إلا بشرط الوجود، فإذا وجد توجه الخطاب إليه، وأوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير إلزام.
٤٥٣ - احتجوا بأن الأمر استدعاء الفعل بالقول من الدون، وذلك غير موجود فاستحال أن يكون في حقه (أمر).
الجواب: أن الأمر: الاستدعاء على ما ذكرت، وقد وجد ذلك وليس من شرط الأمر إيقاع الفعل عقيبه، لأنه لو عصى المأمور ولم يفعل لم يخرج الأمر عن كونه أمرًا.
٤٥٤ - احتجوا بأنه يستحيل خطاب المعدوم فلم يلحقه التكليف.
الجواب: أنا نحيل خطابه بإيجاد الفعل في حال عدمه، فأما إذا وجد (فكيف يكون مستحيلًا)، لأنه يفعل في حال وجوده ما أمر به متقدمًا، فصح أنه غير مستحيل.
٤٥٥ - احتجوا بأن المعدوم لا يقع منه فعل ولا ترك، فلم يصح كالعاجز (بالصغر والجنون).
[ ١ / ٣٥٦ ]
الجواب: أنه لا يصح منه ذلك في حال العدم، فأما بعد الوجود فيصح منه الفعل، وأما العاجز فلا نسلم أنه (لا يصح أن) يؤمر، بل يصح أمره بشرط أن يزول العجز، كما يصح في مسألتنا بشرط أن يزول (العدم)، ولهذا قال أصحابنا: الصبي والمجنون مأموران بشرط البلوغ والعقل.
فإن قيل: هذا مخالف للنص، وهو قول النبي ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن الجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ".
قلنا: المراد برفع القلم ههنا رفع المأثم ورفع الإيجاب (المضيق) بدليل أنه قرن معه النائم.
٤٥٦ - احتجوا بأنه لو توجه إليه (الأمر) لحسن مدحه وذمه.
الجواب أن: (المدح) يحصل بالامتثال، بإيجاب الفعل، والذم يحصل بالتفريط، والمعدوم لا (يوصف) بذلك.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فأما الأمر وصيغته الاستدعاء وقد وجد وهو أمر صحيح، والمأمور يفعله عند قدرته كالعاجز يتوجه إليه الأمر بشرط القدرة.
وقد قيل إنه يلحقه المدح والذم، لأن الله تعالى مدح الأنبياء والصالحين وذم إبليس في كلامه، وهو القرآن، وذلك قبل خلق الجميع.
٤٥٧ - احتجوا بأن من شرط الأمر وجود المأمور، كما أن من شرط القدرة وجود المقدور، ثم القدرة لا تكون مع عدم المقدور، فكذا الأمر (لا يكون) مع عدم المأمور.
الجواب: أنا لا نسلم هذا، وهو أن القدرة صفة القادر وإن لم يوجد مقدور، والله تعالى فيما لم يزل قادرًا آمرًا ناهيًا.
٤٥٨ - احتجوا بأن تعلق الأمر بمأمور كتعلق القدرة بقادر، والفعل بفاعل ثم بعدم القادر والفاعل لا توجد القدرة والفعل، كذا مع عدم المأمور لا يوجد الآمر.
الجواب:/٤٦ ب أنكم أخطأتم الوزن لأن تعلق الآمر بمأمور كتعلق القدرة بمقدور، والفعل بمفعول، وذلك يوصف الله تعالى به قبل وجود المقدور، وإنما تعلقت قدرة (المحدث) بمقدور لا من حيث هي قدرة، (ولكن لأنه) لا يجوز بقاؤها ولا الفعل بها وهي معدومة
[ ١ / ٣٥٨ ]
ووزان ما ذكره أمر من غير آمر لا يصح، وعلم من يغر عالم لا يصح.
٤٥٩ - احتجوا بأن المعدوم ليس بشيء عندكم فأمره هذيان.
الجواب: أنه عندكم شيء ثم عندنا يتعلق (به) بشرط أن يكون في العلم أن يوجد وهذا غير محال كما بينا، (في الوصايا)، ثم قد وجد كلام لا لمخاطب، وليس بهذيان كما قلنا في كلام الله تعالى في الأزل، كالتسبيح والتهليل والقرآن (لا يخاطب) به وهو كلام صحيح وهذا ليس بشيء.
[ ١ / ٣٥٩ ]