٧٩٣ - احتجوا بأن "إنما" مركبة من "إن" و"ما" ولو أن رجلًا قال: إن زيدًا في الدار لم يدل على أن غيره ليس في الدار وكذلك إذا قال ما زيد في الدار لم يعقل ذلك، فإذا اجتمعا لم يفيدا ذلك، بل يدل على تأكيد الإثبات، والإثبات لا يدل على النفي.
الجواب: أنا قد بينا أن المفهوم من قولهم: إنما زيد في الدار نفي من عداه.
٧٩٤ - مسألة: التنبيه دليل صحيح، مستفاد (من) فحوى الخطاب ولحنه، لا من صريحه، مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يفيد تحريم التأفيف بصريحه، (ويفيد تحريم) الضرب بفحواه ولحنه أي مفهومه، وذلك ما يظهر للسامع (من) معنى اللفظ، مأخوذ من قول أهل اللغة، فح قدرك بالأبزار أي ظهر طعمها وريحها وكذلك لحنه قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في مفهومه وما يظهر لك بالفطنة، ويقال: تلاحن الرجلان، إذا تكلم كل واحد منهما بما يفهمه عنه صاحبه، قال الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الكلام ما كان لحنا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أي (ما كان) مفهومًا.
وقال قوم: التنبيه ليس بدليل: قال شيخنا: سمعت أبا القاسم الجزري يحكي أنه مذهب داود، فعلى هذا يكون النهي عن التأفيف (يحرم التأفيف) لا غير.
٧٩٥ - ولنا أن كل عام يفهم من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أنه قصد (به) كف الأذى (عن الأبوين)، وكذلك إذا قال القائل لعبده: لا تقل لفلان أف عقل منه نهيه عن أذاه بكل حال، وهذا أمر لا يحتمل على عاقل، فمتى صفعه (وشتمه وانتهكه)، علم أنه بالغ في خلاف الأمر وأتى بضد قوله.
فإن قيل: بل ذلك عقل من قوله ﷾: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، وقول الرجل لعبده عقل من قرينة دلته على معرفة مراده.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قيل: هذا خطأ، لأن قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ عقل منه كف الأذى، وقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، أمر بالإكرام (لهما) وكف الأذى غير فعل الإكرام، وقولهم هناك قرينة دعوى (منهم).
٧٩٦ - فصل: وتحريم الضرب في الآية استفيد من المعنى بطريق الأولى في التعليل وسماه الشافعي (القياس) الجلي، وزعم أنه ينقض به حكم الحاكم. وقال جماعة من المتكلمين وأهل الظاهر: تحريم الضرب استفيد في الآية من جهة اللغة فعلى قولهم: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ موضوع في اللغة لمنع الضرب وهذا غلط لأن قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ليس (في لفظه) ذكر الضرب بحال، فلا يكون موضوعًا له، كقوله كل الخبز لا (يقال إنه موضوع) لأكل التمر، وقوله اشرب الماء لا (يقال إنه موضوع) لشرب الخمر.
فإن قيل: لو كان كما ذكرتم لما فهم بنفس اللفظ من غير /٧٥ ب استنباط.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
قلنا: إنما فهم لظهور معناه، لا لوضع اللفظ له والدليل على ظهوره: أن كل عاقل يعلم أنه إذا منع من يسير الأذى كان بالمد من كثيره أولى، والضرب أكثر في الأذى من التأفيف، فعلم أنه بالمنع أولى.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ والدينار يدخل في القنطار، فعلم أنه يؤديه بنفس اللفظ، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أن ذرتين: ذرة وذرة، فدل على ما قلنا.
الجواب: أن الثوب، والزبرة من الحديد والكر من الطعام، ليس ذلك من القنطار. والمعنى يدل على أن من يؤدي القنطار الوديعة، أولى أن يؤدي ذلك وليس هو في اللفظ، وكذلك نصف ذرة لا يسمى ذرة، والله ﷾ لا يظلمها (أيضًا).
[ ٢ / ٢٢٨ ]