فإن قيل: (أليس) إذا عزل الوكيل ولم يعلم بعزله وقع تصرفه باطلًا؟
قلنا: لا نسلم في إحدى الروايتين ونقول يصح تصرفه وبيعه/١٠١ أ، وكذلك إن مات الموكل ولم يعلم الوكيل. ومن سلم قال: بالفرق بينهما لأن أوامر الله تعالى يتعلق بها الثواب والعقاب فاعتبر فيها علم المأمور بخلاف تصرف الوكيل. وللخصم أن يقول وإذن الموكل يتعلق به صحة التصرف وفساده وذلك (يعتبر) فيه علم الوكيل، فلا فرق بينهما، والله أعلم بالصواب.
١٠١٦ - مسألة: الزيادة في النص ليست بنسخ، وبه قال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وأصحاب الشافعي.
وقال أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري: إن
[ ٢ / ٣٩٨ ]
كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخًا كزيادة التغريب على الجلد يكون نسخا، وكذلك زيادة النية والترتيب في الطهارة، وإن كانت لا تغير المزيد عليه مثل أن يجب ستر الفخذين ثم يوجب ستر الركبيتين لم يكن نسخًا.
وقال بعضهم: إن أفاد النص من جهة دليل الخطاب أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة، (كانت الزيادة) نسخا، نحو قوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة". (فإن) دليله يفيد (أن) لا زكاة في المعلوفة، فمتى أوجبت الزيادة الزكاة في المعلوفة كانت نسخًا.
وقال عبد الجبار: إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه (تغييرًا شرعيًا حتى صار المزيد عليه) لو فعل الزيادة على صفة ما كان يفعل قبل الزيادة كان وجوده كعدمه ووجب استئنافه، كان ذلك نسخًا، (نحو) زيادة ركعة على ركعتين، ومتى كانت الزيادة لا تمنع الاعتداد بما زيد عليه نحو زيادة التغريب على الجلد لم يكن نسخًا.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وقال أبو الحسين البصري: إن كانت الزيادة أزالت حكمًا ثبت بدليل شرعي كانت نسخًا وإن أزالت حكمًا ثبت بالعقل لا في الشرع لم تسم الزيادة نسخًا، لكن هي في معنى النسخ، فعنده زيادة التغريب في (الحد) ليست بنسخ لأن نفي وجوب الترغيب (في الحد) ثبت من طريق العقل لا من جهة الشرع.
١٠١٧ - وفائدة الخلاف في هذه المسألة أن من لم يجعل الزيادة نسخًا فإنه يجيز إثباتها بالقياس وخبر الواحد، ومن جعلها نسخًا لم يجز ذلك إلا أن يكون طريق ثبوت الزيادة مثل طريق المزيد عليه في القوة والمعنى.
١٠١٨ - وجه القول الأول: أن النسخ هو الرفع والإزالة وبالزيادة لا يحصل الرفع ولا الإزالة، ألا ترى أن زيادة عبادة على العبادات لا يسمى نسخًا لأنه ليس برفع.
فإن قيل: الجلد كان مجزيًا في الحد وحده: (فلما شرع التغريب خرج وحده أن يكون مجزيًا فزال حكم كونه مجزيًا فكان ذلك نسخًا).
(قلنا: قولنا إنه غير مجزيء وحده) هو أنه يجب ضم شيء آخر إليه لأن حكم الجلد ارتفع فعاد ذلك إلى تعليل الشيء.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وهذا الجواب عن قولهم إن الجلد قبل الزيادة كان جميع الحد فصار بعدها بعض الحد فقد أزالت الزيادة كون الجلد كمال الحد، يقال لهم معنى هذا أن قبل الزيادة لم يجب أن يضم إلى الجلد غيره، وبعدهما وجب أن يضم إلى الجلد غيره فمعنى العبارتين (واحد)، فكأنكم قلتم: إنما كانت الزيادة نسخًا لأنها زيادة على الواجب، وهذا تعليل الشيء بنفسه كما ذكرنا.
ويلزم على ما ذكروه/١٠١ ب زيادة عبادة على العبادات فإنها كانت قبل زيادة العبادة مجزية في التكليف فصارت غير مجزية وكانت جميع الواجب على المكلف فصارت بعض الواجب عليه.
وقد أجيبوا بأن الجلد جميع الحد من أحكام العقل لأن ما زال على ذلك ممنوع منه عقلًا، فالزيادة أثرت في حكم العقل، والنسخ إنما يقع في أحكام الشرع.
١٠١٩ - دليل آخر: أن النسخ ما لم يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ في اللفظ (وهاهنا) إن جمع بين الزيادة والمزيد عليه صح ووجب الجمع بينهما فدل على أن ذلك ليس بنسخ.
١٠٢٠ - دليل آخر: أن النسخ إخراج ما وجب دخوله (بمقتضى) اللفظ بدليل متأخر وهذا مفقود في مسألتنا لأن القياس الموجب للزيادة مقارن فلم يكن نسخًا.
[ ٢ / ٤٠١ ]
ويدل عليه أنه (تجوز) الزيادة بالآحاد والقياس، فنقول ما جاز أن يثبت به الحكم المنفرد جاز أن تثبت به الزيادة في الحكم كالقرآن والتواتر.
١٠٢١ - احتج الحنفية بأن النسخ هو تغيير الحكم عما كان عليه ومعلوم أنه إذا زاد في (حد القذف) عشرين صارت الثمانين بعض الواجب بعد أن كانت جميع الواجب وصارت لا يتعلق بها رد الشهادة (بعد أن كانت يتعلق بها رد الشهادة).
الجواب: أنا قد بينا أن النسخ (هو) الرفع (والإزالة)، وما ارتفع بالزيادة حكم، وإنما وجب حكم منضم إلى ذلك الحكم الثابت، ثم يبطل بزيادة عبادة على العبادات فأما رد الشهادة فلا نسلم أنها تتعلق بالجلد، ثم يبطل بالفروض إذا كانت خمسًا فإنها تقف الشهادة على أدائها واعتقادها.
(فإن قيل زيادة) فرض آخر لم يقف (قبول الشهادة) على أدائها (وحدها بل على أدائها) وأداء الزيادة، ثم لا يكون ذلك نسخًا.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وقيل: إنه يبطل إذا نقص من الثمانين عشرين في حد القذف بأنه قد صار الباقي (كل الواجب) وكان بعضه، (وترد به) الشهادة عندهم بعد أن لم تكن ترد به، ثم لا يكون ذلك نسخًا وهم لا يسلمون ذلك على قول عبد الجبار.
١٠٢٢ - احتج بأن الزيادة إذا ثبتت صارت جزءًا من المزيد عليه (فيجب أن لا) تثبت إلا بما ثبت به المزيد (عليه).
الجواب: أنه إن أراد بقوله (يصير) جزاء منه بمعنى (أنه) يجب ضمه إليه فهو مسلم، ولكن لا يجب أن يشترط في ثبوته ما شرط في ثبوت المزيد عليه، ولهذا زيادة عبارة قد صارت جزءًا من الواجب على (المكلف) ولا يجب أن يثبت بما ثبت به ما قبلها من العبادات، وإن أراد (أن) المزيد عليه ارتفع ووجب جملة أخرى تعم المزيد عليه (فلا نسلم ذلك وهو) مسألة الخلاف.
١٠٢٣ - احتج بأن الأمر بمائة جلدة موضوع للمنع من الزيادة عليها فإذا وردت الزيادة رفعت المنع فكانت حقيقة النسخ كما
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لو قال تعالى: "المائة جلدة وحدها مجزئة في الحد وهي كمال الحد ثم (إن زاد) على المائة فإنه يكون نسخًا، كذا هاهنا.
الجواب: أن التعليق بعدد لا يفيد عندكم منع الزيادة ولا النقصان، وهو قول أبي الحسن التميمي من أصحابنا، ومن جعله مانعًا من الزيادة قال ذلك نسخ للمنع من الزيادة التي ثبتت بدليل الخطاب/١٠٢ أ، ودليل الخطاب يجوز نسخه يخبر الواحد والقياس، وكلامنا هل الزيادة ناسخة للمزيد عليه؟ وليس فيما ذكروا ما يدل على ذلك. وقيل: بأنه إذا صرح بأن المائة كمال الحد ومجزية صار (الإجزاء) حكمًا شرعيًا، فإزالته بالزيادة عليه تكون نسخًا للآخر، فأما إذا أوجب المائة فإنه لم (يتعرض) للتغريب بنفي ولا إثبات وإنما لا تجوز الزيادة بحكم البقاء على الأصل وإزالة حكم الأصل ليس بنسخ.
١٠٢٤ - احتج بأن النقصان من المنصوص عليه يوجب النسخ، فكذلك الزيادة.
الجواب: أن النقصان حجتنا لأنه لا يوجب نسخ الباقي من الحد وإنما ينسخ ما نقص، فكذلك يجب أن تكون الزيادة لا تنسخ الثابت من الحد، وإنما يضيف إليه حكمًا آخر، ثم يلزم
[ ٢ / ٤٠٤ ]
(عليه أنه) لو أوجب عبادات ثم نسخ إحداهما كان ذلك نسخًا لما رفع حكمه، ولو زاد عليها عبادة أخرى لم تكن نسخًا (للعبادات).
١٠٢٥ - احتج بأن الحكم بالشاهد واليمين ورد فيه خبر وهو ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ لأنه حكم (ما لم يشرطه).
الجواب: أن الآية أفادت الحكم بالرجلين، والرجل والمرأتين، ولم تنف الحكم بما عدا ذلك فإذا ورد الخبر بالحكم بمعنى آخر ضممناه إلى ذلك (المعنى) فلا يكون (ذلك) نسخًا ثم يلزمهم زيادة النبيذ في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ بخبر الواحد.
واشتراط الفقر في ذوي القربى بالقياس على اليتامى وهو زيادة في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ولم يشترط الفقر.
فإن قيل: ذلك تخصيص وليس بزيادة.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
قلنا: لا يجوز كونه تخصيصًا عندك لأن فيه تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا تقول به، ثم يجب أن يكون اشتراط الإيمان في كفارة الظهار تخصيصًا وكذلك اشتراط النية في الطهارة.
١٠٢٦ - احتج من قال: زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخًا بأن زيادة الركعة تجعل وجود الركعتين كعدمها لأنها توجب الاستئناف وترفع الإجزاء، ومن قبل هذه الزيادة كانت مجزية فدل على أنها نسختها.
الجواب: أنه يبطل بزيادة عضو في الطهارة (أو طهارة أخرى) فإن ذلك ليس بنسخ للصلاة عنده، وإن جعل وجودها كعدمها.
فإن قيل: تلك الزيادة منفصلة عن الصلاة والركعة متصلة بها.
قلنا: وأي تأثير لانفصال الشرط واتصاله ونحن نعلم أن النسخ إزالة الأحكام من الإجزاء ونحوه، وقد زال الإجزاء في الموضعين.
فإن قيل: إذا فرضت الصلاة ركعتين وجب التشهد عقيب الركعتين فإذا زيد فيها ركعة (صار) التشهد (عقيب) الثالثة وزال أن يكون عقيب الركعتين فكان ذلك نسخًا، فأما زيادة (عضو) في الطهارة فلا يغير فعل الصلاة لأنه يجب فعلها كما كان،
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وإنما وجب أن يقدم عليها فعلًا آخر فصار كزيادة الترغيب بعد الجلد لما لم يغير الجلد وإنما كان زيادة فعل آخر لم يكن نسخًا.
فإن قيل: التشهد موضعه آخر/١٠٢ ب الصلاة وهذا لم يتغير وإنما تغير آخر الصلاة فلم ينسخ موضع الجلوس، وقولهم زيادة عضو في الطهارة لم يغير الصلاة وإنما أوجب فعلًا آخر لا يمنع من إبطال علتكم لأنهما في الموضعين منعًا من الإجزاء.
جواب آخر: أن الركعة إذا زيدت على الركعتين لا تغير فعل الركعتين بل يفعلان على ما كانا عليه ويضم إليهما ركعة أخرى، وإنما يتأخر التشهد لأن موضعه آخر الصلاة الخروج منها.
جواب آخر: أنه إذا زيد التغريب على الجلد فقد غير حكم الجلد لأنه (كان) بانتهاء عدد الجلد يحصل التطهير، فصار لا يجعل بذلك التطهير وكان آخر (عدد) الجلد (آخر) الحد صار ليس بآخره، فيجب أن تقول: إنه نسخ، وكذلك إذا زيد في مدة العدة (حتى) صار آخرها وسطا، فصار ما كان "آخر العدة غير آخرها" ثم لا يكون نسخًا عنده.