٤٦٨ - لنا ما تقدم في باب الأمر، وأيضًا فإن السيد إذا قال لعبده: لا تفعل ولا تدخل الدار اقتضى أن (لا) يفعل ذلك على الفور والمداومة وإن خالف ذلك استحق العقوبة/٤٧ أفدل على ما ذكرنا، ولأنه لا ينهي إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه في كل وقت، فدل على الفور والمداومة.
وذهب إلى أن النهي كالأمر، والأمر لا يقتضي الفور والمداومة وقد بينا (أنه يقتضي) ذلك.
ثم النهي آكد من الأمر لأنه يقتضي قبح المنهي عنه، والقبيح يجب اجتنابه، والأمر يقتضي حسن المأمور به، والحسن يكون مباحًا لا يلزم فعله، والله أعلم.
٤٦٩ - مسألة: النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها.
وقال الجرجاني: لا يكون أمرًا بضده سواء كان له ضد أو أضداد. وقال بعضهم: إن كان له ضد واحد كان أمرًا به، وإن كان له أضداد لم يكن أمرًا بشيء منها وذكر أنه مذهب أبي حنيفة.
وعن أصحاب الشافعي كالمذاهب الثلاثة.
[ ١ / ٣٦٤ ]
٤٧٠ - لنا أنه يتحتم ترك المنهي عنه ولا يمكنه تركه إلا بفعل ضده فيتحتم فعل ضده، وما الحتم فعله فهو مأمور به.
٤٧١ - دليل آخر: أنه لو قال (له) لا تتحرك، لا يخلو (إما) أن يكون السكون موقوفًا على الأمر أو (يكون) مأمورًا به. (فإذا) كان موقوفًا جاز أن يأمر به، وإذا جاز أن يأمر به جاز أن ينهي عنه، وذلك محال لأنه يؤدي (إلى) أن ينهى عن الحركة والسكون في حالة واحدة. وإذا استحال ذلك ثبت أن (السكون مأمور به).
عبارة (أخرى) قوله لا تتحرك لا يخلو إما أن يفيد وجوب السكون أو إباحته أو الوقف، لا يجوز أن يفيد إباحة السكون لأن المباح يجوز تركه، لأن حد المباح ما كان فعله وتركه سواء وإذا جاز ترك السكون جاز فعل الحركة فتحصل مخالفة النهي ولا يجوز أن يفيد التوقف لأن الحكم بالتوقف إنما يجوز فيما يصح أن يرد فيه حكمان مختلفان كإباحة وحظر ووجوب وندب، وما لا يجوز أن يرد إلا على (وجه) واحد فلا معنى للحكم بالتوقف فيه، ولأن
[ ١ / ٣٦٥ ]
الموقوف يجوز أن ينهى عنه وقد (أبطلنا ذلك) (فثبت أن) السكون واجب، والواجب مأمور به.
٤٧٢ - احتجوا بأن النهي (عن الشيء) يقتضي قبحه، وضده يجب أن يكون حسنًا، وحسن الشيء لا يقتضي أن يكون مأمورًا به كالمباحات من الأفعال، وكأفعال الله ﷾ حسنة وليست مأمورًا بها.
الجواب: أنه قد يرد النهي عن الشيء لا لقبحه، وكذلك الأمر بالشيء يرد لا لحسنه، فلم يصح ما تعلقوا به، على أنا لا نجعله مأمورًا به لكونه حسنًا، لكن لنهيه عن ضده، ولا يمكن ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده وما يوصل (به) إلى الواجب فهو واجب. وعلى هذا يخرج الأمر المباح فإنه لم ينه عن ضده فلم يكن مأمورًا به.
٤٧٣ - احتجوا بأن الإنسان منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور بترك قتل نفسه لأنه لا يثاب على (ترك) قتل نفسه، ولو كان مأمورًا به لأثيب عليه.
الجواب: أنا لا نسلم بل هو مأمور بترك قتل نفسه ويثاب على ذلك كما يعاقب على قتل نفسه.
[ ١ / ٣٦٦ ]
فإن قيل: الحيوان مجبول على حفظ نفسه فلا معنى لأمره بحفظها.
قلنا: فلا معنى للنهي عن قتلها أيضًا لأنه مجبول على أن لا يقتلها.
جواب آخر عن أصل السؤال: (وهو) أن الثواب والعقاب غير مستحق على الأمر والنهي من طريق العقل، إنما يجب ذلك بالسمع، فلا يمنعنا أن نقول إنه مأمور بترك قتل (نفسه) ولا ثواب له على ذلك لأنه لم يرد بذلك سمع.
٤٧٤ - احتجوا بأن لفظًا واحدًا لا يكون أمرًا ونهيًا.
الجواب: أنا لا نقول ذلك (بل) نقول الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى والنهي عنه أمر بضده من جهة المعنى كما (أنا) نقول إن الإنسان موجود ببغداد، معدوم بالبصرة، ولا نقول هو موجود معدوم على الإطلاق.
فإن قيل: يجب إذا كان له أضداد أن يكون مأمورًا بجميعها.
قلنا: هو مأمور بأحدها لا بعينه لأن بفعل أحدها يمتثل النهي فما زاد عليه لا حاجة بنا إليه، وهذا كما قلنا في الأمر بالشيء لا يكون/٤٧ ب نهيًا عن جميع أضداده.
[ ١ / ٣٦٧ ]