٤٧٩ - احتجوا بأن أهل اللغة أجمعوا (على) أنه لو قال: لا تطع زيدًا أو عمرًا أنه يريدهما، معناه (اترك) طاعتهما، قلنا: لا نسلم.
٤٨٠ - احتج أن ما ورد تركه بانفراده وجب تركه مع غيره.
الجواب: أنه يبطل إذا قال لا تأكل تمرًا إن أكلت خبزًا فإنه إن أكل خبزًا لم يجز له أكل التمر، فإن لم يأكل الخبر جاز له أكل التمر، ويبطل بالأخت إذا كانت تحت الإنسان لم يجز أن ينكح أختها، وإن لم تكن تحته جاز أن يتزوج (أختها).
٤٨١ - مسألة: النهي يقتضي فساد المنهي عنه ذكره أحمد ﵀ في رواية جماعة منهم أبو طالب، وقد سئل عن بيع الباقلاء قبل أني حمل وهو ورد فقال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار
[ ١ / ٣٦٩ ]
قبل أن يبدو صلاحها" هذا بيع فاسد، فبين أنه فاسد لأجل النهي، وبه قال أكثر أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك".
وقال الكرخي من الحنفية وأبو بكر القفال من الشافعية: لا يقتضي فساد المنهي عنه، وهو قول عامة المتكلمين.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وقال أبو الحسين البصري كقولنا في العبادات وكقولهم في العقود والإيقاعات.
٤٨٢ - دليلنا ما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي لفظ:"من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ (آخر): "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد". والمنهي عنه ليس عليه أمره فيجب أن يكون مردودًا.
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يستدل به على شيء من الأصول.
قلنا: إلا أن الأمة قد تلقته في القبول فصار كالمتواتر. جواب آخر: إن هذا وإن كان من الأصول إلا أنه من مسائل الاجتهاد فصادر بمنزلة الفروع.
فإن قيل: الرد ضد القبول وهو ما لا يثاب على فعله.
قلنا: الرد يستعمل فيما ذكرتم، ويستعمل في الفساد والإبطال، ألا ترى أنه يقال: رد فلان كلام فلان إذا أفسده، ويقال في نقض كتب المخالفين: الرد على فلان، وإذا استعمل فيهما حمل عليهما.
[ ١ / ٣٧١ ]
فإن قيل: الذي ليس من ديننا هو كالزنا واللواط والغيبة (والنميمة) ونحن نقول هذا باطل مردود، وخلافنا في الصلاة على صفة مكروهة من الالتفات، والصلاة في الثوب الغصب وما أشبهه (وذلك) من الدين.
قلنا: فعل الصلاة على صفة النهي ليس من الدين، ولهذا لا يثاب عليه ويحرم عليه فعله، وما لم يؤمر به ولم يبح له، فهو خارج عن الدين مردود (عليه).
نحن نقول: إن ذلك ليس من الدين، وإنما يسقط به الفرض.
قلنا: لا نسلم أن ما ليس من الدين يسقط به فرض الدين، ولأن الصحة والإجزاء من أحكام الدين، فإذا بطل أن يكون الفعل المنهي عنه من الدين لم يثبت له حكم يتعلق بالدين.
٤٨٣ - دليل ثانٍ: أن الصحابة ﵃ استدلوا على فسادالعقود بالنهي، من ذلك قول ابن عمر ﵁: لا يصح نكاح المشركات، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، واحتجاجهم على (فساد عقود الربا) بقوله ﷺ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا يدًا بيدا سواء سواء".
[ ١ / ٣٧٢ ]
فإن قيل: لعلهم رجعوا إلى فساد ذلك بقرينة.
قلنا: لو كانت قرينة لذكرت ولاحتج بها بعضهم على بعض عند التنازع، فلما قنعوا بمجرد اللفظ وظاهره دل على أنهم عقلوا منه الفساد.
٤٨٤ - دليل أن النهي ضد الأمر ونقيضه/٤٨ أعلى إجزاء المأمور به وصحته، فيجب أن يدل النهي على نفي إجزائه وفساده وإلا لم يكن نقيضه (وضده).
٤٨٥ - دليل رابع: لو كان المنهي عنه مجزيًا لكان طريق إجزائه الشرع، إما أمرًا أو إيجابًا أو إباحة، وكل ذلك يمنع منه النهي.
فإن قيل: قد يدل عليه غير ذلك نحو أن يقول: إذا فعلتم ما نهيتكم عنه أجزأكم عن الفرض، أو يكون إجزاء ذلك الفعل معلومًا بالعقل، وكل ذلك لا يمنع منه النهي.
قلنا: إذا قال ذلك، صار شرعًا وصار كأنه أخبر أن نهيه ليس على وجه الحقيقة، ولا يفيد صيغة التحريم، وإنما قلنا ذلك لأن الإجزاء وسقوط الفرض هو نفس مراد الشرع، فإذا قال: يجزيكم فعل ما نهيتكم عنه، فكأنه قال: مرادي مخالفة ما أنهاكم عنه، وقد تنزه المتعدد عن ذلك.
(فأما الإجزاء بالعقل فالعقل لا يدل على الإجزاء ولا على البطلان بشيء من فروع الشريعة).
[ ١ / ٣٧٣ ]
٤٨٦ - دليل خامس: إن الأمر بالعبادة يقتضي إشغال الذمة بفعلها متجردة عن النهي، لأنه لا يجوز أن يكون المنهي عنه هو الذي ورد الأمر به، فإذا فعلها على الوجه المنهي عنه، فلم يأت بما أمر به على الوجه الذي أمر (به)، وإذا لم يأت بالعبادة بشروطها وقعت باطلة كمن أمر بالصلاة على طهارة، فأتى بها على غير طهارة، لا تصح وتبقى في ذمته.
٤٨٧ - دليل سادس: أن المنهي لم يتناوله التعبد، وما لم يتناوله التعبد لا يسقط التعبد، والدليل على أنه (لم) يتناوله التعبد أن التعبد يتناول ما له صفة زائدة على حسنه، والنهي يتناول ما ليس بحسن يبينه أنه تعالى (لو) قال: صلوا، ثم قال: لا تصلوا بغير طهارة، فإن قوله: صلوا، يدل على حسن الصلاة، وقوله: لا تصلوا بغير طهارة يدل على قبحها، فأحدهما غير الآخر، فصح أن المنهي عنه لم يتناوله التعبد.
والدليل على أن ما لم يتناوله التعبد لا يسقط الفرض أن فاعله لم يفعل ما تعبد به وفرض عليه فصار بمثابة أن يقول: (﷾): صلوا بطهارة فنصلي بغير طهارة لا يسقط (عنا) التعبد ويلزمنا أن نصلي (ما بقى) الوقت، وصار بمثابة أن يأمرنا
[ ١ / ٣٧٤ ]
أن نصلي فنتصدق، في أنه لا يسقط عنا فرض الصلاة إذا كنا قد فعلناه ما لم يتناوله التعبد.
فإن قيل: قد يجوز أن يكون المنهي عنه مع قبحه يقوم مقام المأمور به في وجه المصلحة وإن لم يتناوله الأمر لقبحه، ألا ترى أنه لو كانت الصلاة مصلحة في رد وديعة فلان، لم يفترق الحال بين أن يصلي في دار مملوكة أو مغصوبة في أن الصلاة تكفي في رد الوديعة، ولهذا لو قال تعالى: "لا تصلوا في الدار المغصوبة فإن (فعلتم) سقط الفرض (عنكم) " جاز.
قلنا: لا يجوز ذلك، وما ذكرته فإنا لا نثبته إلا بدلالة (زائدة) ومتى لم يدل دلالة على ذلك وجب نفيها كالصلاة الفاسدة يجب نفيها، فإذا قال تعالى: "إن صليتم في الدار المغصوبة سقط الفرض" فذلك دليل على إسقاط الفرض (لا يجوز) (ولا يجب أن نقول) إذا لم يقل سبحانه ذلك أن يسقط الفرض بفعل الفاسد، ولهذا لو قال تعالى: صلوا بطهارة، فإن صلتم بغير طهارة سقط الفرض، لا يدل على أنه لم يقل ذلك (لا) يجزيء
[ ١ / ٣٧٥ ]
(عن) الصلاة (بغير طهارة، وكذلك لو قال صلوا فإن تصدقتم أجزأ عن الصلاة لا يدل على أنه إذا لم يقل ذلك تجزيء الصدقة عن الصلاة).
٤٨٨ - احتج الخصم بأن قال: النهي يقتضي قبح المنهي عنه، وكراهة الآمر له وقبحه لا يدل على بطلانه، كالطلاق في حال الحيض، والبيع في (وقت) النداء، والصوم في يومي العيدين وأيام التشريق، والصلاة في الحرير والغصب، والوضوء بالماء الغصب، وفي آنية الذهب والفضة، والحد بالسوط الغصب وغير ذلك.
(الجواب عنه: أنا نقول: قبحه لا يدل) على الفساد، وإنما المفسد كونه يدل على وجوب الامتناع عن الفعل والإخلال به، وإذا وجب ذلك علمنا أنه لم يتناوله التعبد، وإذا لم يتناوله التعبد لم يقع مجزيًا على ما بينا أن (من) فعل غير ما أمر به لم يجزه عما أمر به، وإذا لم يجز وجب إعادة العبادة، دلنا ذلك على بطلانه وفساده، والمعنى في جميع ما ذكروه أنه يدل على الفساد على التدريج المذكور، إلا في الطلاق والحج، فإنما حكمنا بصحتهما لقيام الدلالة على ذلك.
[ ١ / ٣٧٦ ]
أما في الطلاق فلخبر ابن عمر ﵁، وأما (في الحد فللإجماع) وليس إذا ترك ظاهر اللفظ في بعض المواضع لقيام الدليل (يدل) على بطلان مقتضاه في بقية المواضع (ألا ترى أن النهي قد يرد في بعض المواضع لا يراد به التحريم ثم لا يدل إطلاقه على أنه لا يقتضي التحريم في بقية المواضع).
٤٨٩ - احتج بأن قال: لفظ /٤٨ ب النهي (لغوي) وفساد العبادة شرعي، فلا يجوز أن يكون هذا اللفظ وضع للفساد، وهو موجود قبله.
الجواب: أنا لا نقول إن لفظ النهي وضع للفساد، كما وضع لفظ العموم للاستغراق وما أشبهه، وإنما اقتضى الفساد على ما ذكرناه من (الترجيح).
جواب آخر: لو قلنا إنه وضع للفساد لم يلزم ما ذكروه لأن الفساد في الفعل عندنا هو انتفاء الأغراض المقصودة به ووجوب إعادته، وذلك أمر معقول قبل الشرع فلا يمتنع أن يوضع له لفظ النهي، كما وضعوا أن هذا الفعل تجب إعادته، لأنه لا يتعلق به مقصود، وإن كان لفظًا لغويًا.
[ ١ / ٣٧٧ ]
٤٩٠ - احتجوا بأنه لو أفاد النهي الفساد، لكان ما لا يفسد من الأعمال القبيحة كوطء المحلل في حال الحيض، والوضوء بالماء الغصب، والطلاق في الحيض، وما (أشبه ذلك) غير منهي عنه حقيقة، وإنما يكون مجازًا، لأنه (لا) يتعلق به مدلوله، وهو الفساد والدليل لا ينفك (عن) مدلوله.
الجواب: أن جميع ذلك فاسد عندنا إلا ما دل عليه دليل، وإن سلم (ذلك) فإنا لا نقول (إن) النهي في اللغة للفساد فيلزم ما ذكرتم، وإنما نقول: إنه يدل على الفساد على ما ذكرنا من (الترجيح).
جواب آخر: أن النهي يقتضي التحريم والقبح والفساد، فإذا دل الدليل على عدم الفساد بقى حقيقة النهي لبقاء حكمه من التحريم والقبح، لأن المجاز ما نقل اللفظ، (عن) جميع موجبه.
[ ١ / ٣٧٨ ]
٤٩١ - احتجوا بأنه ليس في اللفظ ما يوجب الإعادة فمن ادعاها احتاج إلى دليل.
(الجواب عنه أنا نقول: لا نوجب الإعادة باللفظ وإنما نقول: إذا كانت العبادة مؤقتة ووقتها باق تلزم الإعادة) بالأمر بها، لأن ذمته اشتغلت بها، وفعلها على وجه النهي لا تبرأ (الذمة به) فمن ادعى ذلك لزمه أن يدل على أنا قد دللنا بأن الأمر يتناول فعل العبادة على وجه غير منهي عنه، ومن أتى بذلك فيلزمه الإعادة بمقتضى الأمر الأول.
(وتحقيق هذا أن الصلاة في ملك الغير معصية قطعًا، والصلاة طاعة قطعًا، فكيف يكون الفعل الواحد طاعة معصية؟ ويؤكد هذا أن النهي يقتضي إعدام الفعل، والأمر يقتضي إيجاده، فكيف يتصور كون الواحد معدومًا موجودًا).
٤٩٢ - فصل: والدليل على أنه يدل على الفساد في العقود والإيقاعات ما تقدم من (أن) الصحابة ﵃ عقلوا من ضاهر النهي الفساد للعقود بدليل ما بينا.
[ ١ / ٣٧٩ ]
فإن قيل: فقد ورد نهي عن عقود لم يفسدوها مثل نهيه عن تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، والنجش وغير ذلك، وليس لقائل أن يقول إنما لم يحكموا بفساد ذلك لدليل آخر، إلا ولنا أن نقول: أفسدوا ما أفسدوا بدليل آخر.
الجواب عنه: أنا نقول: إنما لم يحكموا بفساده لأنه ورد في دليل يدل على أنه (لا) يفسد وهو قوله عليه السالم: "فمن تلقى الركبان فهو بالخيار إذا دخل السوق" فدل على أن البيع صحيح.
وأما بيع الحاضر للبادي والنجش، فقد قال بعض أصحابنا: إنه فاسد لأجل النهي، ومن سلم قال: ورد في ذلك دليل وهو قوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، والنجش أن يزيد وليس هو مشتريًا فيغر المشتري وذلك يستدرك بالغبن عندنا. ولأن البيع إذا وقع على (غير) الوجه المشروع فقد أخل بشرطه، وإذا اختل شرط العقد فسد، كما لو وجد التفرق في عقد الصرف والسلم، قبل القبض يبطل، لأن شرطه القبض ليحصل التعارف من
[ ١ / ٣٨٠ ]
غير لبس بينهما والاستسلام في السلام، ولأن ما ذهب إليه هذا القائل مخالف للإجماع، لأن الناس قائلان: منهم من قال: النهي يدل على الفساد في جميع الأشياء، ومنهم منق ال: لا يدل على الفساد في جميع الأشياء، ٍ فمن فرق أحدث مذهبًا ثالثًا يخالف الإجماع فلم يقبل.
فإن قيل: إنما يكون مخالفًا للإجماع إذا انتظم الحكمان طريقة واحدة، وما وجد ذلك، إنهم يعنون بفساد العبادات لزوم قضائها، ويعنون بفساد العقود (نفي) أحكامها، والأمر مختلف في ذلك.
الجواب عنه أنا نقول: إنهما سواء لأن الفساد في الموضعين، هو أنه لا تستوفي شرائط العقد والعبادة التي يحصل معها الغرض المقصود.
وقد أجاب بعضهم بأن الإجماع حصل على التسوية في الحكم دون العلة، واختلاف العلة لا يمنع من حصول الإجماع على (فساد) الحكم.
٤٩٣ - احتج بأن فساد العقود إنما يرجع إلى نفي أحكامها، وليس في النهي ما يدل على نفي الأحكام لأن أكثر ما فيه أنه قبيح مكروه وذلك لا ينافي حصول الملك كالبيع/ ٤٩ أفي وقت النداء، وأخذ المشركين أموال المسلمين بالقهر والطلاق في الحيض وما أشبه ذلك.
[ ١ / ٣٨١ ]
الجواب عنه: أنا نقول: في النهي ما يدل على (انتفاء) الأحكام، لأن أحكام العقود تتعلق بالعقود الشرعية، فإذا وقعت العقود مخالفة للشرع منهي عنها لم تتعلق أحكامها بها ووقعت باطلة.
والعبادات يتعلق بها الصحة والإجزاء، وهي أحكامها إذا وقعت العبادة موافقة للشرع، فأما إذا خالفت الشرع لم يتعلق بها أحكامها فلا فرق بينهما، فأما لابيع في وقت النداء فلا نسلمه، ونقول يقع باطلًا، وكذلك أخذ المشركين أموال المسلمين لا يحصل بها الملك عندنا، ومن سلم قال ذاك خرج بدليل كما خرج من العبادات الوضوء في الدار المغصوبة، والصلاة ملفف الشعر والثياب، ولم يلد على فساد العبادات، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٨٢ ]
انتهى الجزء الأول من كتاب "التمهيد" لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبليّ المتوفي سنة ٥١٠ هـ.
ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله: "مسائل العموم".
[ ١ / ٣٨٣ ]